التفاسير

< >
عرض

أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٦٥
وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٦٦
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ
١٦٧
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
١٦٨
وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
١٦٩
فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١٧٠
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٧١
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أُحد, وفيه تعرض لحال عدة من المنافقين, خذلوا جماعة المؤمنين عند خروجهم من المدينة إلى أُحد, وفيها جواب ما قالوه في المقتولين, ووصف حال المستشهدين بعد القتل, وأنهم منعمون في حضرة القرب يستبشرون بإخوانهم من خلفهم.
قوله تعالى: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها}، لما نهاهم أن يكونوا كالذين كفروا في التحزن لقتلاهم والتحسر عليهم, ببيان أن أمر الحياة والموت إلى الله وحده لا إليهم, حتى يدورا مدار قربهم وبعدهم وخروجهم إلى القتال أو قعودهم عنه, رجع ثانياً إلى بيان سببه القريب على ما جرت عليه سنة الأسباب, فبين أن سببه إنما هو المعصية الواقعة يوم أُحد منهم وهو معصية الرماة بتخلية مراكزهم, ومعصية من تولى منهم عن القتال بعد ذلك, وبالجملة سببه معصيتهم الرسول - وهو قائدهم - وفشلهم وتنازعهم في الأمر وذلك سبب للانهزام بحسب سنة الطبيعة والعادة.
فالآية في معنى قوله: أتدرون من أين أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها؟ إنما أصابتكم من عند أنفسكم وهو إفسادكم سبب الفتح والظفر بأيديكم ومخالفتكم قائدكم وفشلكم واختلاف كلمتكم.
وقد وصفت المصيبة بقوله: {قد أصبتم مثليها} وهو إشارة إلى مقايسة ما أصابهم الكفار يوم أُحد, وهو قتل سبعين رجلاً منهم بما أصابوا الكفار يوم بدر, وهو مثلا السبعين, فإنهم قتلوا منهم يوم بدر سبعين رجلاً وأسروا سبعين رجلاً.
وفي هذا التوصيف تسكين لطيش قلوبهم وتحقير للمصيبة, فإنهم اصيبوا من أعدائهم بنصف ما أصابوهم, فلا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يجزعوا.
وقيل: إن معنى الآية: إنكم أنفسكم اخترتم هذه المصيبة, وذلك أنهم اختاروا الفداء من الأسرى يوم بدر, وكان الحكم فيهم القتل, وشرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم فقالوا: رضينا فإنا نأخذ الفداء وننتفع به, وإذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء.
ويؤيد هذا الوجه, بل يدل عليه ما ذيل به الآية أعني قوله: {إن الله على كل شيء قدير}, إذ لا تلائم هذه الفقرة الوجه السابق البتة إلا بتعسف, وسيجيء روايته عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في البحث الروائي الآتي.
قوله تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} إلى آخر الآيتين, الآية الأولى تؤيد ما تقدم أن المراد بقوله: {قل هو من عند أنفسكم}, اختيارهم الفداء من أسرى يوم بدر, وشرطهم على أنفسهم لله ما شرطوا, فإصابة هذه المصيبة بإذن الله, وأما الوجه الأول المذكور, وهو أن المعنى: أن سبب إصابة المصيبة القريب هو مخالفتكم, فلا تلاؤم ظاهراً بينه وبين نسبة المصيبة إلى إذن الله وهو ظاهر.
فعلى ما ذكرنا يكون ذكر استناد إصابة المصيبة إلى إذن الله بمنزلة البيان لقوله: {هو من عند أنفسكم}, وليكون توطئة لانضمام قوله: {وليعلم المؤمنين}, وبانضمامه يتمهد الطريق للتعرض لحال المنافقين وما تكلموا به, وجوابه وبيان حقيقة هذا الموت الذي هو القتل في سبيل الله.
وقوله: {أو ادفعوا}، أي لو لم تقاتلوا في سبيل الله فادفعوا عن حريمكم وأنفسكم وقوله: {هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإِيمان}, اللام بمعنى: إلى, فهذا حالهم بالنسبة إلى الكفر الصريح, وأما النفاق فقد واقعوه بفعلهم ذلك.
وقوله: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم}، وذكر الأفواه للتأكيد, وللتقابل بينها وبين القلوب.
قوله تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا}، المراد بإخوانهم إخوانهم في النسب وهم القتلى, وإنما ذكر اخوتهم لهم ليكون مع انضمام قوله: {وقعدوا}, أوقع تعيير وتأنيب عليهم فإنهم قعدوا عن إمداد إخوانهم حتى أصابهم ما أصابهم من القتل الذريع, وقوله: {قل فادرؤوا}, جواب عن قولهم ذاك؛ والدرء: الدفع.
قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} الآية؛ في الآية التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, والوجه فيه ما تكرر ذكره في تضاعيف هذه الآيات, ويحتمل أن يكون الخطاب تتمة الخطاب في قوله: {قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين}.
والمراد بالموت بطلان الشعور والفعل, ولذا ذكرهما في قوله: {بل أحياء} "الخ" حيث ذكر الارتزاق وهو فعل, والفرح الاستبشار ومعهما شعور.
قوله تعالى: {فرحين بما آتاهم الله} الآية، الفرح ضد الحزن, والبشارة والبشرى ما يسرك من الخبر, والاستبشار طلب السرور بالبشرى, والمعنى: أنهم فرحون بما وجدوه من الفضل الالهي الحاضر المشهود عندهم, ويطلبون السرور بما يأتيهم من البشرى بحسن حال من لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ومن ذلك يظهر أولاً أن هؤلاء المقتولين في سبيل الله يأتيهم ويتصل بهم أخبار خيار المؤمنين الباقين بعدهم في الدنيا.
وثانياً أن هذه البشرى هي ثواب أعمال المؤمنين, وهو أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, وليس ذلك إلا بمشاهدتهم هذا الثواب في دارهم التي هم فيها مقيمون, فإنما شأنهم المشاهدة دون الاستدلال, ففي الآية دلالة على بقاء الإنسان بعد الموت ما بينه وبين يوم القيامة, وقد فصلنا القول فيه في الكلام على نشأة البرزخ في ذيل قوله تعالى:
{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } [البقرة: 154] الآية.
قوله تعالى: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} الآية، هذا الاستبشار أعم من الاستبشار بحال غيرهم وبحال أنفسهم والدليل عليه قوله: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}, فإنه بإطلاقه شامل للجميع, ولعل هذه هي النكتة في تكرار الاستبشار, وكذا تكرار الفضل فتدبر في الآية.
وقد نكر الفضل والنعمة وأبهم الرزق في الآيات ليذهب ذهن السامع فيها كل مذهب ممكن؛ ولذا أبهم الخوف والحزن ليدل في سياق النفي على العموم.
والتدبر في الآيات يعطي أنها في صدد بيان أجر المؤمنين أولاً, وأن هذا الأجر رزقهم عند الله سبحانه ثانياً, وأن هذا الرزق نعمة من الله وفضل ثالثاً, وأن الذي يشخص هذه النعمة والفضل هو أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون رابعاً.
وهذه الجملة - أعني قوله: {أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}، كلمة عجيبة, كلما أمعنت في تدبرها زاد في اتساع معناها على لطف ورقة وسهولة بيان, وأول ما يلوح من معناها أن الخوف والحزن مرفوعان عنهم, والخوف إنما يكون من أمر ممكن محتمل يوجب انتفاء شيء من سعادة الإنسان التي يقدر نفسه واجدة لها, وكذا الحزن إنما يكون من جهة أمر واقع يوجب ذلك؛ فالبلية أو كل محذور إنما يخاف منها إذا لم يقع بعد فإذا وقعت زال الخوف وعرض الحزن فلا خوف بعد الوقوع ولا حزن قبله.
فارتفاع مطلق الخوف عن الانسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه النعم في معرض الزوال, وارتفاع مطلق الحزن إنما يتيسر له إذا لم يفقد شيئاً من أنواع سعادته لا ابتداءً ولا بعد الوجدان, فرفعه تعالى مطلق الخوف, والحزن عن الإنسان معناه: أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به ويستلذه, وأن لا يكون ذلك في معرض الزوال, وهذا هو خلود السعادة للإنسان وخلوده فيها.
ومن هنا يتضح أن نفي الخوف والحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند الله, فهو سبحانه يقول:
{ وما عند الله خير } [القصص: 60]، ويقول: { وما عند الله باق } [النحل: 96]، فالآيتان تدلان على أن ما عند الله نعمة باقية لا يشوبها نقمة ولا يعرضها فناء.
ويتضح أيضاً أن نفيهما هو بعينه إثبات النعمة والفضل, وهو العطية, لكن تقدم في أوائل الكتاب وسيجيء في قوله تعالى:
{ مع الذين أنعم الله عليهم } [النساء: 69]، أن النعمة إذا اطلقت في عرف القرآن فهي الولاية الإلهية, وعلى ذلك فالمعنى: أن الله يتولى أمرهم ويخصهم بعطية منه.
وأما احتمال أن يكون المراد بالفضل الموهبة الزائدة على استحقاقهم بالعمل, والنعمة ما بحذائه فلا يلائمه قوله: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}, فإن الأجر يؤذن بالاستحقاق, وقد عرفت أن هذه الفقرات أعني قوله: {عند ربهم يرزقون}, وقوله: {فرحين بما} الخ - وقوله: {يستبشرون بنعمة} الخ. وقوله: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}, مآلها إلى حقيقة واحدة.
وفي الآيات أبحاث اخر تقدم بعضها في تفسير قوله:
{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } [البقرة: 154]، ولعل الله يوفقنا لاستيفاء ما يسعنا من البحث فيها في ما سيجيء من الموارد المناسبة إن شاء الله تعالى.