التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
١٧٢
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ
١٧٣
فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
١٧٤
إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ
١٧٥
-آل عمران

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات مرتبطة بآيات غزوة أُحد, ويشعر بذلك قوله: {من بعد ما أصابهم القرح}, وقد قال فيها: {إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله}.
قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية، الاستجابة والإجابة بمعنى واحد - كما قيل - وهي أن تسأل شيئاً فتجاب بالقبول.
ولعل ذكر الله والرسول مع جواز الاكتفاء في المقام بذكر أحد اللفظين, إنما هو لكونهم في وقعة أُحد عصوا الله والرسول, فأما هو تعالى فقد عصوه بالفرار والتولي وقد نهاهم الله عنه وأمر بالجهاد, وأما الرسول فقد عصوه بمخالفة أمره الذي أصدره على الرماة بلزوم مراكزهم, وحين كانوا يصعدون وهو يدعوهم في اخراهم فلم يجيبوا دعوته, فلما استجابوا في هذه الوقعة, وضع فيها بحذاء تلك الوقعة استجابتهم لله والرسول.
وقوله: {للذين أحسنوا منهم واتّقوا أجر عظيم}، قصر الوعد على بعض أفراد المستجبين, لأن الاستجابة فعل ظاهري لا يلازم حقيقة الإحسان والتقوى اللذين عليهما مدار الأجر العظيم, وهذا من عجيب مراقبة القرآن في بيانه, حيث لا يشغله شأن عن شأن, ومن هنا يتبين أن هؤلاء الجماعة ما كانوا خالصين لله في أمره بل كان فيهم من لم يكن محسناً متقياً يستحق عظيم الأجر من الله سبحانه؛ وربما يقال: إن "من" في قوله: {منهم} بيانية كما قيل مثله في قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} إلى أن قال:
{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً } [الفتح: 29]، وهو تأول بما يدفعه السياق.
ويتبين أيضاً أن ما يمدحهم به الله سبحانه في قوله: {الذين قال لهم الناس}, إلى آخر الآيات من قبيل وصف البعض المنسوب إلى الكل بعناية لفظية.
قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} الآية, الناس هو الافراد من الإنسان من حيث عدم أخذ ما يتميز به بعضهم من بعض, والناس الأول غير الثاني, فإن الثاني هو العدو الذي كان يجمع الجموع, وأما الأول فهم الخاذلون المثبطون الذين كانوا يقولون ما يقولون ليخذلوا المؤمنين عن الخروج إلى قتال المشركين, فالناس الثاني اريد به المشركون, والناس الأول أيديهم على المؤمنين وعيونهم فيهم, وظاهر الآية كونهم عدة وجماعة لا واحداً, وهذا يؤيد كون الآيات نازلة في قصة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن بقي من أصحابه بعد أُحد في أثر المشركين دون قصة بدر الصغرى, وسيجيء القصتان في البحث الروائي الآتي.
وقوله: {قد جمعوا لكم}, أي جمعوا جموعهم لقتالكم ثانياً (والله أعلم).
وقوله: {فزادهم إيماناً}، وذلك لما في طبع الإنسان أنه إذا نهي عما يريده ويعزم عليه, فإن لم يحسن الظن بمن ينهاه كان ذلك إغراءً فأوجب انتباه قواه واشتدت بذلك عزيمته, وكلما أصر عليه بالمنع أصر على المضي على ما يريده ويقصده, وهذا إذا كان الممنوع يرى نفسه محقاً معذوراً في فعاله أشد تأثيراً من غيره, ولذا كان المؤمنون كلما لامهم في أمر الله لائم أو منعهم مانع زادوا قوة في إيمانهم وشدة في عزمهم وبأسهم.
ويمكن أن يكون زيادة إيمانهم لتأييد أمثال هذه الأخبار ما عندهم من خبر الوحي أنهم سيؤذون في جنب الله حتى يتم أمرهم بإذن الله, وقد وعدهم النصر ولا يكون نصر إلا في نزال وقتال.
وقوله: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}، أي كافينا الله, وأصل الحسب من الحساب لأن الكفاية بحساب الحاجة, وهذا اكتفاء بالله بحسب الإيمان دون الأسباب الخارجية الجارية في السنة الإلهية, والوكيل: هو الذي يدبر الأمر عن الإنسان, فمضمون الآية يرجع إلى معنى قوله:
{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره } [الطلاق: 3]، ولذلك عقب قوله: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}, بقوله: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء}, "الخ" ليكون تصديقاً لوعده تعالى, ثم حمدهم إذ اتبعوا رضوانه فقال: {واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم}.
(كلام في التوكل)
وحقيقة الأمر أن مضي الإرادة والظفر بالمراد في نشأة المادة, إلى أسباب طبيعية واخرى روحية, والإنسان إذا أراد الورود في أمر يهمه وهيأ من الأسباب الطبيعية ما يحتاج اليه, لم يحل بينه وبين ما يبتغيه إلا اختلال الأسباب الروحية, كوهن الإرادة والخوف والحزن والطيش والشره والسفه وسوء الظن وغير ذلك, وهي أمور هامة عامة, وإذا توكل على الله سبحانه وفيه اتصال بسبب غير مغلوب البتة, وهو السبب الذي فوق كل سبب قويت إرادته قوة لا يغلبها شيء من الأسباب الروحية المضادة المنافية, فكان نيلاً وسعادة.
وفي التوكل على الله جهة اخرى يلحقه أثراً بخوارق العادة كما هو ظاهر قوله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره} الآية, وقد تقدم شطر من البحث المتعلق بالمقام في الكلام على الإعجاز.
قوله تعالى: {ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} الآية، ظاهر الآية أن الإشارة إلى الناس الذين قالوا لهم ما قالوا, فيكون هذا من الموارد التي اطلق فيها القرآن الشيطان على الإِنسان, كما يظهر ذلك من قوله:
{ من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } [الناس: 4ـ6]، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: {فلا تخافوهم}، أي الناس القائلين لكم ما قالوا لأن ذلكم الشيطان؛ وسنبحث في هذا المعنى بما يكشف القناع عن وجه حقيقته إن شاء الله تعالى.
(بحث روائي)
الروايات الواردة في غزوة أُحد كثيرة في الغاية, وهي مختلفة اختلافاً شديداً في جهات القصة ربما أدت إلى سوء الظن بها, وأكثرها اختلافاً ما ورد منها في أسباب نزول كثير من آيات القصة, وهي تقرب من ستين آية فإن أمرها عجيب, ولا يلبث الناظر المتأمل فيها دون أن يقضي بأن المذاهب المختلفة أودعت فيها أرواحها لتنطق بلسانها بما تنتفع به, وهذا هو العذر في تركنا إيرادها في هذا البحث, فمن أرادها فعليه بجوامع الحديث ومطولات التفاسير.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت {ويتخذ منكم شهداء} فقتل منهم يومئذ سبعون منهم أربعة من المهاجرين وهم حمزة بن عبد المطلب, ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار, والشماس بن عثمان المخزومي, وعبد الله بن جحش الأسدي, وسائرهم من الأنصار.
أقول: وظاهر الرواية أن أبا الضحى أخذ "الشهداء" في الآية بمعنى المقتولين في المعركة, وعلى ذلك جرى جمهور المفسرين, وقد مر في البيان السابق أن لا دليل عليه من ظاهر الكتاب, بل الظاهر أن المراد بالشهداء شهداء الأعمال.
وفي تفسير العياشي في قوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله} الآية, عن الصادق عليه السلام قال: إن الله علم بما هو مكونه قبل أن يكونه وهم ذر, وعلم من يجاهد ممن لا يجاهد, كما علم أنه يميت خلقه قبل أن يميتهم, ولم ير موتهم وهم أحياء.
أقول: إشارة إلى ما تقدم أنه فرق بين العلم قبل الإيجاد, والعلم الفعلي الذي هو الفعل, وأن المراد ليس هو العلم قبل الإِيجاد.
وفي تفسير القمي عن الصادق عليه السلام في قوله: {ولقد كنتم تمنون الموت} الآية, إن المؤمنين لما أخبرهم الله تعالى بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر في منازلهم في الجنة رغبوا في ذلك فقالوا: اللهم أرنا قتالاً نستشهد فيه, فأراهم الله يوم أُحد إياه, فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم فذلك قوله: {ولقد كنتم تمنون الموت} الآية.
أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن عباس, ومجاهد, وقتادة, والحسن, والسدي.
وفي تفسير القمي قال عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوم أُحد وعهد العاهد به على تلك الحال, فجعل الرجل يقول لمن لقيه: إن رسول الله قد قتل, النجا, فلما رجعوا إلى المدينة أنزل الله: {وما محمد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل}, إلى قوله: {انقلبتم على أعقابكم} (يقول: إلى الكفر) ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: ذلك يوم أُحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح وتداعوا نبي الله قالوا: قد قتل, وقال اناس منهم: لو كان نبياً ما قتل, وقال أُناس من علية أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به, وذكر لنا أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار, وهو يتشحط في دمه فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ, فقاتلوا عن دينكم, فأنزل الله: {وما محمد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}, يقول: ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم.
وفيه أخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في الناس يوم أُحد, أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل, فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أُبي, فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان, يا قوم إن محمداً قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلونكم, قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل, فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد, اللهم إني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء, وأبرء اليك مما جاء به هؤلاء, فشد بسيفه فقاتل حتى قتل فأنزل الله: {وما محمد إلاَّ رسول} الآية.
أقول: وروي هذه المعاني بطرق أُخر كثيرة.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: أنه أصاب علياً يوم أُحد ستون جراحة, وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أُم سليم وأُم عطية, أن تداوياه فقالتا: إنا لا نعالج منه مكاناً إلا انفتق مكان وقد خفنا عليه, ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدة, وجعل يمسحه بيده ويقول: إن رجلاً لقي هذا في الله فقد أبلى وأعذر, فكان القرح الذي يمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلتئم فقال علي: الحمد لله, إذ لم أفر ولم أول الدبر, فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن وهو قوله: {وسيجزي الله الشاكرين}, {وسنجزي الشاكرين}.
أقول: يعني شكر الله له ثباته لا قوله: الحمد لله الذي.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: أنه قرأ: وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير, قال: ألوف وألوف ثم قال: إي والله يقتلون.
أقول: وروى هذه القراءة, والمعنى في الدر المنثور: عن ابن مسعود وغيره, وروي عن ابن عباس, أنه سئل عن قوله ربيون قال: جموع.
وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد, وابن أبي حاتم, عن مجاهد {من بعد ما أراكم ما تحبون} قال: نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول, ثم اديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه أخرج ابن إسحاق, وابن راهويه, وعبد بن حميد, وابن جرير, وابن المنذر, وابن أبي حاتم, والبيهقي, في الدلائل عن الزبير قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين اشتد الخوف علينا, أرسل الله علينا النوم, فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره, فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير - ما أسمعه إلا كالحلم -: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا فحفظتها منه, وفي ذلك أنزل الله {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً} إلى قوله: {ما قتلنا ها هُنا} لقول معتب بن قشير.
أقول: وقد روي هذا المعنى عن الزبير بن العوام بطرق كثيرة.
وفيه أخرج ابن مندة في معرفة الصحابة عن ابن عباس في قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} الآية, قال: نزلت في عثمان, ورافع بن المعلى, وحارثة بن زيد.
أقول: وروي ما يقرب منه في عدة طرق عن عبد الرحمن بن عوف, وعكرمة, وابن إسحاق, واضيف اليهم في بعضها أبو حذيفة بن عقبة, والوليد بن عقبة, وسعد بن عثمان, وعقبة بن عثمان.
وعلى أي حال ذكر عثمان ومن عد منهم بأسمائهم من باب ذكر المصداق وإلا فالآية نزلت في جميع من تولى من الأصحاب وعصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ والذي يخص عثمان هو أنه ومن معه فروا حتى بلغوا الجلعب (جبل بناحية المدينة مما يلي الأغوص) فأقاموا به ثلاثاً, ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة.
وأما أصحابه عامة فقد تكاثرت الروايات أنهم تولوا عن آخرهم, ولم يبق مع رسول الله منهم إلا رجلان من المهاجرين وسبعة من الأنصار, ثم إن المشركين هجموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتل دون الدفاع عنه الأنصار واحداً بعد واحد حتى لم يبق معه منهم أحد.
وروي أن الذين ثبتوا معه أحد عشر, وروي ثمانية عشر حتى روي ثلاثون, وهو أضعف الروايات.
ولعل هذا الاختلاف بحسب اختلاف اطلاعات الرواة وغير ذلك, والذي تدل عليه روايات دفاع نسيبة المازنية عنه صلى الله عليه وآله وسلم, أنه لم يكن عنده ساعتئذ أحد, وكان من ثبت منهم ولم ينهزم مشغولاً بالقتال, ولم يتفق كلمة الرواة في ذلك على أحد إلا علي عليه السلام, ولعل أبا دجانة الأنصاري سماك بن خرشة كذلك, إلا أنه قاتل بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولاً, ثم وقى بنفسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلا عنه أصحابه يدفع عنه النبال بمجنه وبظهره حتى اثخن رضي الله عنه.
وأما بقية أصحابه فمن ملحق به حينما عرف صلى الله عليه وآله وسلم وعلم أنه لم يقتل, وملحق به بعد حين, وهؤلاء هم الذين أنزل الله عليهم النعاس, غير أن الله تعالى عفا عن الجميع, وقد عرفت فيما تقدم من البيان معنى العفو, وذكر بعض المفسرين أن معنى العفو في هذه الآية صرفه تعالى المشركين عنهم, حيث لم يبيدوهم ولم يقتلوهم عن آخرهم.
وفي الدر المنثور أخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وشاورهم في الأمر}, قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"أما إن الله ورسوله لغنيان عنها, ولكن جعلها الله رحمة لأمتي, فمن استشار منهم لم يعدم رشداً, ومن تركها لم يعدم غياً"
]. وفيه أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما خاب من استخار, ولا ندم من استشار"
]. وفي نهج البلاغة: من استبد برأيه هلك, ومن شاور الرجال شاركها في عقولها.
وفيه: الاستشارة عين الهداية, وقد خاطر من استبد برأيه.
وفي الصافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا وحدة أوحش من العجب, ولا مظاهرة أوثق من المشاورة"
]. أقول: والروايات في المشاورة كثيرة جداً, وموردها ما يجوز للمستشير فعله وتركه بحسب المرجحات, وأما الأحكام الإلهية الثابتة, فلا مورد للاستشارة فيها, كما لا رخصة في تغييرها لأحد, وإلا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخاً لكلام الله تعالى.
وفي المجالس عن الصادق عليه السلام: إن رضى الناس لا يملك, وألسنتهم لا تضبط, ألم ينسبوه يوم بدر أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء؟ حتى أظهره الله على القطيفة, وبرأ نبيه من الخيانة, وأنزل في كتابه: {وما كان لنبي أن يغل} الآية.
أقول: وذكر ذلك القمي في تفسيره, وفيه: فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن فلاناً غل قطيفة حمراء فاحفرها هنالك, فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفر ذلك الموضع فأخرج القطيفة.
وقد روي هذا المعنى وما يقرب منه في الدر المنثور بطرق كثيرة, ولعل المراد بكون الآية نزلت فيها, كون الآية مشيرة اليها, وإلا فسياق الآيات أنها نزلت بعد غزوة أحد كما تقدم بيانه.
وفي تفسير القمي عن الباقر عليه السلام: من غل شيئاً رآه يوم القيامة في النار ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار.
أقول: وهو استفادة لطيفة من قوله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}.
وفي تفسير العياشي في قوله تعالى: {هم درجات عند الله} عن الصادق عليه السلام: الذين اتبعوا رضوان الله هم الأئمة, وهم والله درجات عند الله للمؤمنين, وبولايتهم ومودتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم, ويرفع الله لهم الدرجات العلى, والذين باؤوا بسخط من الله, هم الذين جحدوا حق علي وحق الأئمة منا أهل البيت, فباؤوا لذلك بسخط من الله.
أقول: وهو من الجري والانطباق.
وفيه عن الرضا عليه السلام: الدرجة ما بين السماء والأرض.
وفي تفسير العياشي أيضاً في قوله تعالى: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها}, عن الصادق عليه السلام: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلاً: قتلوا سبعين رجلاً وأسروا سبعين, فلما كان يوم أُحد اصيب من المسلمين سبعون رجلاً فاغتموا بذلك فنزلت.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة والترمذي - وحسنه - وابن جرير, وابن مردويه عن علي عليه السلام قال: جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الاسارى, وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم, وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم, فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس فذكر ذلك لهم, فقالوا: يا رسول الله, عشائرنا وأقوامنا نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا, ويستشهد منا بعدتهم فليس في ذلك ما نكره, فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلاً عدة اسارى أهل بدر.
أقول: ورواه في المجمع عن علي عليه السلام, وأورده القمي في تفسيره.
وفي المجمع في قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} الآيات عن الباقر عليه السلام نزلت في شهداء بدر وأُحد معاً.
أقول: وعلى ذلك روايات كثيرة رواها في الدر المنثور وغيره, وقد عرفت أن معنى الآيات عام شامل لكل من قتل في سبيل الله حقيقة أو حكماً وربما قيل: إن الآيات نازلة في شهداء بئر معونة, وهم سبعون رجلاً أو أربعون من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسلهم لدعوة عامر بن الطفيل وقومه, وكانوا على ذلك الماء, فقدموا أبا ملحان الأنصاري إليهم بالرسالة فقتلوه أولاً, ثم تتابعوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقاتلوهم, فقتلوهم جميعاً رضي الله عنهم.
وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام قال: هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة, واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل, علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز وجل, فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين.
أقول: وهو من الجري, ومعنى علمهم واستيقانهم بأنهم كانوا على الحق, أنهم ينالون ذلك بعين اليقين بعد ما نالوه في الدنيا بعلم اليقين لا أنهم كانوا في الدنيا شاكين مرتابين.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد, وهناد, وعبد بن حميد, وأبو داود, وابن جرير, وابن المنذر, والحاكم - وصححه - والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لما اصيب إخوانكم باحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة, وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش.
فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا"
, وفي لفظ: قالوا: إنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب, فقال الله: أنا ابلغهم عنكم فأنزل الله هؤلاء الآيات: {ولا تحسبن الذين قتلوا} الآية وما بعدها.
أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة رووها عن أبي سعيد الخدري, وعبد الله بن مسعود, وأبي العالية, وابن عباس وغيرهم؛ وفي بعضها: في صور طير خضر كرواية أبي العالية؛ وفي بعضها: في طير خضر كرواية أبي سعيد؛ وفي بعضها: كطير خضر كرواية ابن مسعود, والألفاظ متقاربة.
وقد ورد من طرق أئمة أهل البيت: أن الرواية عرضت عليهم فأنكروها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وفي بعضها: أنهم أولوها, ولا شك بالنظر إلى الاصول الثابتة المسلمة - في لزوم تأويل الرواية لو لم تطرح.
والروايات مع ذلك ليست في مقام بيان حالهم في جنة الآخرة, بل المراد بها جنة البرزخ, والدليل عليه ما في رواية ابن جرير عن مجاهد قال: يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها, وما في رواية ابن جرير عن السدي: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش, فهي ترعى بكرة وعشية في الجنة, وتبيت في القناديل.
وقد عرفت فيما تقدم من البحث في البرزخ أن مضمون هاتين الروايتين إنما يستقيم في جنة الدنيا وهي البرزخ لا في جنة الآخرة.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى {الذين استجابوا لله} الآية أخرج ابن إسحاق, وابن جرير, والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحمراء الأسد وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه, وقالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكّرنّ على بقيتهم, فبلغه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج في أصحابه يطلبهم فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه, ومر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الرجعة إلى أصحابه لنستأصلهم, فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان, فقال رسول الله والمؤمنون معه: حسبنا الله ونعم الوكيل, فأنزل الله في ذلك: {الذين استجابوا لله والرسول} الآيات.
أقول: ورواه القمي في تفسيره مفصلاً, وفيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخرج معه إلى حمراء الأسد من أصحابه من كان به جراحة, وفي بعض الروايات أنه إنما أخرج معه من كان في أُحد, والمآل واحد.
وفيه أخرج موسى بن عقبة في مغازيه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس فمشوا في الناس يخوفونهم, وقالوا: قد اخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم فالحذر الحذر, فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا لله ورسوله, وخرجوا ببضائع لهم, وقالوا إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له, وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا, وكان بدر متجراً يوافي كل عام فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر فقضوا منه حاجتهم, وأخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو ولا أصحابه, ومر عليهم ابن حمام فقال: من هؤلاء؟ قالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش, فقدم على قريش فأخبرهم فارعب أبو سفيان ورجع إلى مكة, وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بنعمة من الله وفضل, فكانت تلك الغزوة تعد غزوة جيش السويق وكانت في شعبان سنة ثلاث.
أقول: ورواه من غير هذا الطريق, ورواه في المجمع مفصلاً عن الباقر عليه السلام, وفيها: أن الآيات نزلت في غزوة بدر الصغرى, والمراد بجيش السويق جيش أبي سفيان, فإنه خرج من مكة في جيش من قريش وقد حملوا معهم أحمالاً من سويق فنزلوا خارج مكة فاقتاتوا بالسويق, ثم رجعوا إلى مكة لما أخذهم الرعب من لقاء المسلمين ببدر, فسماهم الناس جيش السويق تهكماً واستهزاءً.
وفيه أيضاً أخرج النسائي, وابن أبي حاتم, والطبراني بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أُحد قالوا: لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم ارجعوا؛ فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد أو بئر أبي عتبة - شك سفيان - فقال المشركون نرجع قابل فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانت تعد غزوة, فأنزل الله: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية, وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: موعدكم موسم بدر, حيث قتلتم أصحابنا, فأما الجبان فرجع, وأما الشجاع فأخذ اهبة القتال والتجارة فأتوه فلم يجدوا به أحداً وتسوقوا فأنزل الله: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} الآية.
أقول: وإنما أوردنا هذه الرواية مع مخالفته للاختصار والتلخيص المؤثر في المباحث الروائية بإيراد انموذج جامع من كل باب, ليتبصر الباحث المتأمل أن ما ذكروه من أسباب النزول كلها أو جلها نظرية, بمعنى أنهم يروون غالباً الحوادث التاريخية, ثم يشفعونها بما يقبل الانطباق عليها من الآيات الكريمة, فيعدونها أسباب النزول, وربما أدى ذلك إلى تجزئة آية واحدة أو آيات ذات سياق واحد, ثم نسبة كل جزء إلى تنزيل واحد مستقل, وإن أوجب ذلك اختلال نظم الآيات وبطلان سياقها, وهذا أحد أسباب الوهن في نوع الروايات الواردة في أسباب النزول.
وأضف إلى ذلك ما ذكرناه في أول هذا البحث, ان لاختلاف المذاهب تأثيراً في لحن هذه الروايات وسوقها ألى ما يوجه به المذاهب الخاصة.
على أن للأجواء السياسية والبيئات الحاكمة في كل زمان أثراً قوياً في الحقائق, من حيث إخفائها أو إبهامها, فيجب على الباحث المتأمل أن لا يهمل أمر هذه الأسباب الدخيلة في فهم الحقائق, والله الهادي.
(بحث تاريخي)
شهداء المسلمين يوم أُحد سبعون رجلاً وهاك فهرس أسمائهم:
1ـ حمزة بن عبد المطلب بن هاشم.
2ـ عبد الله بن جحش.
3ـ مصعب بن عمير.
4ـ شماس بن عثمان؛ وهؤلاء الأربعة هم الشهداء من المهاجرين.
5ـ عمرو بن معاذ بن النعمان.
6ـ الحارث بن أنس بن رافع.
7ـ عمارة بن زياد بن السكن.
8ـ سلمة بن ثابت بن وقش.
9ـ عمرو بن ثابت بن وقش.
10ـ ثابت بن وقش.
11ـ رفاعة بن وقش.
12ـ حسيل بن جابر أبو حذيفة اليمان.
13ـ صيفي بن قيظي.
14ـ حباب بن قيظي.
15ـ عباد بن سهل.
16ـ الحارث بن أوس بن معاذ.
17ـ إياس بن أوس.
18ـ عبيد بن التيهان.
19ـ حبيب بن يزيد بن تيم.
20ـ يزيد بن حاطب بن امية بن رافع.
21ـ أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد.
22ـ حنظلة بن أبي عامر وهو غسيل الملائكة.
23ـ انيس بن قتادة.
24ـ أبو حبة بن عمر بن ثابت.
25ـ عبد الله بن جبير بن النعمان؛ وهو أمير الرماة.
26ـ أبو سعد خيثمة بن خيثمة.
27ـ عبد الله بن سلمة.
28ـ سبيع بن حاطب بن الحارث.
29ـ عمرو بن قيس.
30ـ قيس بن عمرو بن قيس.
31ـ ثابت بن عمرو بن يزيد.
32ـ عامر بن مخلد.
33ـ أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو.
34ـ عمرو بن مطرف بن علقمة بن عمرو.
35ـ أوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت.
36ـ أنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
37ـ قيس بن مخلد.
38ـ كيسان؛ عبد لبني النجار.
39ـ سليم بن الحارث.
40ـ نعمان بن عبد عمرو.
41ـ خارجة بن زيد بن أبي زهير.
42ـ سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير.
43ـ أوس بن الأرقم.
44ـ مالك بن سنان من بني خدرة وهو والد أبي سعيد الخدري.
45ـ سعيد بن سويد.
46ـ عتبة بن ربيع.
47ـ ثعلبة بن سعد بن مالك.
48ـ سقف بن فروة بن البدي.
49ـ عبد الله بن عمرو بن وهب.
50ـ ضمرة حليف لبني طريف.
51ـ نوفل بن عبد الله.
52ـ عباس بن عبادة.
53ـ نعمان بن مالك بن ثعلبة.
54ـ المجدر بن زياد.
55ـ عبادة بن الحسحاس؛ وقد دفن نعمان والمجدر وعبادة في قبر واحد.
56ـ رفاعة بن عمرو.
57ـ عبد الله بن عمرو من بني حرام.
58ـ عمرو بن الجموح من بني حرام, دفنا في قبر واحد.
59ـ خلاد بن عمرو بن الجموح.
60ـ أبو أيمن مولى عمرو بن الجموح.
61ـ سليم بن عمرو بن حديدة.
62ـ عنترة مولى سليم.
63ـ سهل بن قيس بن أبي كعب.
64ـ ذكوان بن عبد قيس.
65ـ عبيد بن المعلى.
66ـ مالك بن تميلة.
67ـ حارث بن عدي بن خرشة.
68ـ مالك بن اياس.
69ـ إياس بن عدي.
70ـ عمرو بن اياس.
فهؤلاء سبعون رجلاً على ما ذكره ابن هشام في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.