التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
٢٧
وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
٢٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ
٢٩
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
٣٠
وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ
٣١
ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ
٣٢
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
٣٣
وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
٣٤
ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ
٣٥
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ
٣٦
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
٣٧
إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٣٨
-فاطر

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
رجوع إلى ذكر آيات أُخر من آيات التوحيد وفيها انتقال إلى حديث الكتاب وأنه حق نازل من عند الله تعالى وقد انجر الكلام في الفصل السابق من الآيات إلى ذكر النبوة والكتاب حيث قال: {إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً} وقال: {جاؤوا بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} فكان من الحري أن يتعرض لصفة الكتاب وما تستتبعه من الآثار.
قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها} الخ. حجة أُخرى على التوحيد وهو أن الله سبحانه ينزل الماء من السماء بالإِمطار وهو أقوى العوامل المعينة لخروج الثمرات، ولو كان خروجها عن مقتضى طباع هذا العامل وهو واحد لكان جميعها ذا لون واحد فاختلاف الألوان يدل على وقوع التدبير الإِلهي.
والقول بأن اختلافها منوط باختلاف العوامل المؤثرة فيها ومنها اختلاف العناصر الموجودة فيها نوعاً وقدراً وخصوصية التأليف.
مدفوع بأن الكلام منقول حينئذ إلى اختلاف نفس العناصر وهي منتهية إلى المادة المشتركة التي لا اختلاف فيها فاختلاف العناصر المكونة منها يدل على عامل آخر وراء المادة يدبر أمرها ويسوقها إلى غايات مختلفة.
والظاهر أن المراد باختلاف ألوان الثمرات اختلاف نفس ألوانها ويلزمه اختلافات أُخر من حيث الطعم والرائحة والخواص، وقيل المراد باختلاف الألوان اختلاف الأنواع فكثيراً ما يطلق اللون في الفواكه والأطعمة على النوع كما يقال: قدم فلان ألواناً من الطعام والفاكهة فهو من الكناية، وقوله بعد: {ومن الجبال جدد بيض وحمر} لا يخلو من تأييد للوجه الأول.
وفي قوله: {فأخرجنا به} الخ. التفات من الغيبة إلى التكلم. قيل: إن ذلك لكمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة.
ونظير الوجه يجري في قوله السابق: {إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً} وأما ما في الآية السابقة من قوله: {ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير} فلعل الوجه فيه أن أمرهم إلى الله لا يتخلل بينه وبينهم أحد حتى يشفع لهم أو ينصرهم فينجوا من العذاب.
وقوله: {ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود} الجدد بالضم فالفتح جمع جدة بضم الجيم وهي الطريقة والجادة، والبيض والحمر جمع أبيض وأحمر، والظاهر أن قوله: {مختلف ألوانها} صفة لجدد و {ألوانها} فاعل {مختلف} ولو كانت الجملة مبتدأ وخبراً لقيل: مختلفة ألوانها كما قيل، والغرابيب جمع غربيب وهو الأسود الشديد السواد ومنه الغراب و {سود} بدل أو عطف بيان لغرابيب.
والمعنى: ألم تر أن من الجبال طرائق بيض وحمر وسود مختلف ألوانها، والمراد إما الطرق المسلوكة في الجبال ولها ألوان مختلفة، وإما نفس الجبال التي هي خطوط مختلفة ممدودة على وجه الأرض بيض وحمر وسود مختلف ألوانها.
قوله تعالى: {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} أي ومن الناس والدواب التي تدب في الأرض والأنعام كالإِبل والغنم والبقر بعض مختلف ألوانه بالبياض والحمرة والسواد كاختلاف الثمرات والجبال في ألوانها.
وقيل: قوله: {كذلك} خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير الأمر كذلك فهو تقرير إجمالي للتفصيل المتقدم من اختلاف الثمرات والجبال والناس والدواب والأنعام.
وقيل: {كذلك} متعلق بقوله: {يخشى} في قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} والإِشارة إلى ما تقدم من الاعتبار بالثمرات والجبال وغيرهما والمعنى إنما يخشى الله كذلك الاعتبار بالآيات من عباده العلماء، وهو بعيد لفظاً ومعنى.
قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} استئناف يوضح أن الاعتبار بهذه الآيات إنما يؤثر أثره ويورث الإِيمان بالله حقيقة والخشية منه بتمام معنى الكلمة في العلماء دون الجهال، وقد مر أن الإِنذار إنما ينجح فيهم حيث قال: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة} فهذه الآية كالموضحة لمعنى تلك تبين أن الخشية حق الخشية إنما توجد في العلماء.
والمراد بالعلماء العلماء بالله وهم الذين يعرفون الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله معرفة تامة تطمئن بها قلوبهم وتزيل وصمة الشك والقلق عن نفوسهم وتظهر آثارها في أعمالهم فيصدق فعلهم قولهم، والمراد بالخشية حينئذ حق الخشية ويتبعها خشوع في باطنهم وخضوع في ظاهرهم. هذا ما يستدعيه السياق في معنى الآية.
وقوله: {إن الله عزيز غفور} يفيد معنى التعليل فلعزته تعالى وكونه قاهراً غير مقهور وغالباً غير مغلوب من كل جهة يخشاه العارفون، ولكونه غفوراً كثير المغفرة للآثام والخطيئات يؤمنون به ويتقربون إليه ويشتاقون إلى لقائه.
قوله تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور} تلاوة الكتاب قراءة القرآن وقد أثنى عليها الله سبحانه، وإقامة الصلاة إدامة إتيانها وحفظها من أن تترك، والإِنفاق من الرزق سراً وعلانية بذل المال سراً تحذراً من الرياء وزوال الإِخلاص في الإِنفاق المسنون، وبذل المال علانية ليشيع بين الناس كما في الإِنفاق الواجب.
وقوله: {يرجون تجارة لن تبور} أي لن تهلك بالخسران، وذكر بعضهم أن قوله: {يرجون} الخ - خبر إن في صدر الآية وعند بعضهم الخبر مقدر يتعلق به قوله: {ليوفيهم} الخ "أي فعلوا ما فعلوا ليوفيهم أُجورهم" الخ.
قوله تعالى: {ليوفيهم أُجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور} متعلق بقوله: {يتلون} وما عطف عليه في الآية السابقة أي إنهم عملوا ما عملوا لأن يوفيهم ويؤتيهم إيتاء تاماً كاملاً أُجورهم وثوابات أعمالهم.
وقوله: {ويزيدهم من فضله} يمكن أن يراد بهذه الزيادة تضعيف الثواب أضعافاً كما في قوله:
{ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160] وقوله: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء } [البقرة: 261]، ويمكن أن يراد بها زيادة ليست من سنخ ثواب الأعمال كما في قوله: { لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } [ق: 35]. وقوله: {إنه غفور شكور} تعليل لمضمون الآية وزيادة فهو تعالى لكونه غفوراً يغفر زلاتهم ولكونه شكوراً يثيبهم ويزيد من فضله.
قوله تعالى: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق} ضمير الفصل واللام في قوله: {هو الحق} للتأكيد لا للقصر أي هو حق لا يشوبه باطل.
قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} إلى آخر الآية. يقال: أورثه مالاً كذا أي تركه فيهم يقومون بأمره بعده وقد كان هو القائم بأمره المتصرف فيه، وكذا إيراث العلم والجاه ونحوهما تركه عند الغير يقوم بأمره بعد ما كان عند غيره ينتفع به فايراث القوم الكتاب تركه عندهم يتناولونه خلفاً عن سلف وينتفعون به.
وتصح هذه النسبة وإن كان القائم به بعض القوم دون كلهم، قال تعالى:
{ ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب } [غافر: 53]، وقال: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله } [المائدة: 44]، وقال: { وإن الذين أُورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب } [الشورى: 14]. فبنو إسرائيل أُورثوا الكتاب وإن كان المؤدون حقه القائمون بأمره بعضهم لا جميعهم.
والمراد بالكتاب في الآية على ما يعطيه السياق هو القرآن الكريم كيف؟ وقوله في الآية السابقة: {والذي أوحينا إليك من الكتاب} نص فيه، فاللام في الكتاب للعهد دون الجنس فلا يعبأ بقول من يقول: إن اللام للجنس والمراد بالكتاب مطلق الكتاب السماوي المنزل على الأنبياء.
والاصطفاء أخذ صفوة الشيء ويقرب من معنى الاختيار والفرق أن الاختيار أخذ الشيء من بين الأشياء بما أنه خيرها والاصطفاء أخذه من بينها بما أنه صفوتها وخالصها.
وقوله: {من عبادنا} يحتمل أن يكون {من} للتبيين أو للابتداء أو للتبعيض الأقرب إلى الذهن أن يكون بيانية وقد قال تعالى:
{ وسلام على عباده الذين اصطفى } [النمل: 59]. واختلفوا في هؤلاء المصطفين من عباده من هم؟ فقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم بنو إسرائيل الداخلون في قوله: { إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]، وقيل: هم أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد أُورثوا القرآن من نبيهم إليه يرجعون وبه ينتفعون علماؤهم بلا واسطة وغيرهم بواسطتهم، وقيل: هم العلماء من الأُمة المحمدية.
وقيل:- وهو المأثور عن الصادقين عليهما السلام في روايات كثيرة مستفيضة - إن المراد بهم ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أولاد فاطمة عليها السلام وهم الداخلون في آل إبراهيم في قوله:
{ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم } [آل عمران: 33]، وقد نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على علمهم بالقرآن وإصابة نظرهم فيه وملازمتهم إياه بقوله في الحديث المتواتر المتفق عليه: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض" .
وعلى هذا فالمعنى بعد ما أوحينا إليك القرآن - ثم للتراخي الرتبي - أورثنا ذريتك إياه وهم الذين اصطفينا من عبادنا إذ اصطفينا آل إبراهيم وإضافة العباد إلى نون العظمة للتشريف.
وقوله: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} يحتمل أن يكون ضمير {منهم} راجعاً إلى {الذين اصطفينا} فيكون الطوائف الثلاث الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات شركاء في الوراثة وإن كان الوارث الحقيقي العالم بالكتاب والحافظ له هو السابق بالخيرات.
ويحتمل أن يكون راجعاً إلى عبادنا - من غير إفادة الإِضافة للتشريف - فيكون قوله: {فمنهم} مفيدا للتعليل والمعنى إنما أورثنا الكتاب بعض عبادنا وهم المصطفون لا جميع العباد لأن من عبادنا من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ولا يصلح الكل للوراثة.
ويمكن تأييد أول الاحتمالين بأن لا مانع من نسبة الوراثة إلى الكل مع قيام البعض بها حقيقة كما نجد نظيره في قوله تعالى:
{ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } [غافر: 53]. وما في الآية من المقابلة بين الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات يعطي أن المراد بالظالم لنفسه من عليه شيء من السيئات وهو مسلم من أهل القرآن لكونه مصطفى ووارثاً، والمراد بالمقتصد المتوسط الذي هو في قصد السبيل وسواء الطريق والمراد بالسابق بالخيرات بإذن الله من سبق الظالم والمقتصد إلى درجات القرب فهو أمام غيره بإذن الله بسبب فعل الخيرات قال تعالى: { والسابقون السابقون أُولئك المقربون } [الواقعة: 10 - 11]. وقوله تعالى: {ذلك هو الفضل الكبير} أي ما تقدم من الإِيراث هو الفضل الكبير من الله لا دخل للكسب فيه.
هذا ما يعطيه السياق وتفيده الأخبار من معنى الآية وفيها للقوم اختلاف عجيب فقد اختلف في {ثم} فقيل: هي للتراخي بحسب الإِخبار، وقيل: للتراخي الرتبي، وقيل: للتراخي الزماني. ثم العطف على {أوحينا} أو على {الذي أوحينا}.
واختلف في {أورثنا} فقيل: هو على ظاهره، وقيل: معناه حكمنا بإيراثه وقدرناه، واختلف في الكتاب فقيل: المراد به القرآن، وقيل: جنس الكتب السماوية، واختلف في {الذين اصطفينا} قيل: المراد بهم الأنبياء، وقيل: بنو إسرائيل، وقيل: أُمة محمد، وقيل: العلماء منهم، وقيل: ذرية النبي من ولد فاطمة عليها السلام.
واختلف في {من عبادنا} فقيل: من للتبعيض أو للابتداء أو للتبيين ويختلف المراد من العباد بحسب اختلاف معنى {من} وكذا إضافة {عبادنا} للتشريف على بعض الوجوه ولغيره على بعضها.
واختلف في {فمنهم} فقيل: مرجع الضمير {الذين} وقيل: {عبادنا} واختلف في الظالم لنفسه والمقتصد والسابق فقيل: الظالم من كان ظاهره خيراً من باطنه والمقتصد من استوى ظاهره وباطنه والسابق من كان باطنه خيراً من ظاهره، وقيل: السابق هم السابقون الماضون في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه والمقتصد من تبع أثرهم ولحق بهم من الصحابة والظالم لنفسه غيرهم، وقيل: الظالم من غلبت عليه السيئة والمقتصد المتوسط حالاً والسابق هو المقرب إلى الله السابق في الدرجات.
وهناك أقوال متفرقة أُخر تركنا إيرادها ولو ضربت الاحتمالات بعضها في بعض جاوز الألف.
قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير} التحلية هي التزيين والأساور جمع أسورة وهي جمع سوار بكسر السين قال الراغب: سوار المرأة معرب وأصله دستواره. انتهى.
وقوله: {جنات عدن} الخ. ظاهره أنه بيان للفضل الكبير قال في المجمع: هذا تفسير للفضل كأنه قيل: ما ذلك الفضل؟ فقال: هي جنات أي جزاء جنات أو دخول جنات ويجوز أن يكون بدلاً من الفضل كأنه قال: ذلك دخول جنات. انتهى. والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} قيل: المراد بالحزن الذي يحمدون الله على إذهابه بإدخالهم الجنة الحزن الذي كان يتوجه إليهم في الحياة الدنيا وما يحف بها من الشدائد والنوائب.
وقيل: المراد به الحزن الذي كان قد أحاط بهم بعد الارتحال من الدنيا، وقيل الدخول في جنة الآخرة إشفاقاً مما اكتسبوه من السيئات.
وعلى هذا فالقول قول الظالم لنفسه منهم أو قوله وقول المقتصد وأما السابق بالخيرات منهم فلا سيئة في صحيفة أعماله حتى يعذب بها. وهذا الوجه أنسب لقولهم في آخر حمدهم: {إن ربنا لغفور شكور}.
قوله تعالى: {الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} المقامة الإِقامة، ودار المقامة المنزل الذي لا خروج منه ولا تحول.
والنصب بفتحتين التعب والمشقة، واللغوب بضم اللام: العي والتعب في طلب المعاش وغيره.
والمعنى: الذي جعلنا حالين في دار الخلود من فضله من غير استحقاق منا عليه لا يمسنا في هذه الدار وهي الجنة مشقة وتعب ولا يمسنا فيها عي ولا كلال في طلب ما نريد أي إن لنا فيها ما نشاء.
وفي قوله: {من فضله} مناسبة خاصة مع قوله السابق: {ذلك هو الفضل الكبير}.
قوله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم} إلى آخر الآية اللام في {لهم} للاختصاص ويفيد كون النار جزاء لهم لا ينفك عنهم، وقوله: {لا يقضى عليهم فيموتوا} أي لا يحكم عليهم بالموت حتى يموتوا فهم أحياء على ما هم فيه من شدة العذاب ولا يخفف عنهم من عذاب النار كذلك نجزي كل كفور شديد الكفران أو كثيره.
قوله تعالى: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا} إلى آخر الآية في المجمع: الاصطراخ الصياح والنداء بالاستغاثة افتعال من الصراخ انتهى.
وقوله: {ربنا أخرجنا} الخ. بيان لاصطراخهم، وقوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} الخ. جواب اصطراخهم وقوله: {فذوقوا} وقوله: {فما للظالمين من نصير} كل منهما متفرع على ما قبله.
والمعنى: وهؤلاء الذين في النار من الكفار يصطرخون ويصيحون بالاستغاثة فيها قائلين: ربنا أخرجنا من النار نعمل صالحاً غير سيء غير الذي كنا نعمل فيقال لهم رداً عليهم:- كلا - أولم نعمركم عمراً يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فأنذركم هذا العذاب فلم تتذكروا ولم تؤمنوا؟ فذوقوا العذاب فما للظالمين من نصير ينصرهم ليتخلصوا من العذاب.
قوله تعالى: {إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور} فيعاملكم بما في باطنكم من الاعتقاد وآثار الأعمال ويحاسبكم عليه سواء وافق ظاهركم باطنكم أو خالف قال تعالى:
{ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } [البقرة: 284]، وقال: { يوم تبلى السرائر } [الطارق: 9]. (بحث روائي)
في المجمع في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} الآية روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم. وفي الحديث أعلمكم بالله أخوفكم لله.
أقول: وفي روضة الكافي بإسناده عن أبي حمزة عن علي بن الحسين عليه السلام ما في معناه.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"العلم علمان: علم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجة الله على خلقه"
]. وفي المجمع روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في قوله: {ويزيدهم من فضله}: "هو الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليه معروفاً في الدنيا"
]. وفي الكافي بإسناده عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية قال: فقال: ولد فاطمة عليها السلام، والسابق بالخيرات الإِمام والمقتصد العارف بالإِمام والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإِمام.
وعن كتاب سعد السعود لابن طاوس في حديث لأبي إسحاق السبيعي عن الباقر عليه السلام في الآية قال: هي لنا خاصة يا أبا إسحاق أما السابق بالخيرات فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والشهيد منا، وأما المقتصد فصائم بالنهار وقائم بالليل، وأما الظالم لنفسه ففيه ما في الناس وهو مغفور له.
أقول: المراد بالشهيد بقرينة الروايات الأُخر الإِمام.
وفي معاني الأخبار مسنداً عن الصادق عليه السلام في الآية قال: الظالم يحوم حوم نفسه والمقتصد يحوم حوم قلبه والسابق بالخيرات يحوم حوم ربه.
أقول: الحوم والحومان الدوران، ودوران الظالم لنفسه حوم نفسه اتباعه أهواءها وسعيه في تحصيل ما يرضيها، ودوران المقتصد حوم قلبه اشتغاله بما يزكي قلبه ويطهره بالزهد والتعبد، ودوران السابق بالخيرات حوم ربه إخلاصه له تعالى فيذكره وينسى غيره فلا يرجو إلا إياه ولا يقصد إلا إياه.
واعلم ان الروايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في كون الآية خاصة بولد فاطمة عليها السلام كثيرة جداً.
وفي الدر المنثور أخرج الفاريابي واحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} فأما الذين سبقوا فاولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فاولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فاولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يلقاهم الله برحمة فهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب"
]. أقول: ورواه في المجمع عن أبي الدرداء عنه صلى الله عليه وآله وسلم وفي معناه أحاديث أُخر، وهناك ما يخالفها ولا يعبأ به كما فيه عن ابن مردويه " عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {ومنهم ظالم لنفسه} قال:الكافر"
]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} قال: النصب العناء واللغوب الكسل والضجر.
وفي نهج البلاغة، وقال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.
أقول: ورواه عنه عليه السلام في المجمع ورواه في الدر المنثور عن ابن جرير عنه عليه السلام.
وفي الدر المنثور أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين وهو المعمر الذي قال الله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر}"
]. أقول: وروى ذلك بطرق أُخرى عن سهل بن سعد وأبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي المجمع: وقيل: هو توبيخ لابن ثماني عشر سنة وروي ذلك عن الباقر عليه السلام.
أقول: ورواه في الفقيه عنه عليه السلام مضمراً.