التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
١
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

{بيان}
غرض السورة كما يلوح إليه هذا الصدر بيان أحكام الزواج, كعدد الزوجات ومحرمات النكاح, وغير ذلك, وأحكام المواريث, وفيها أمور اخرى من أحكام الصلاة, والجهاد, والشهادات, والتجارة وغيرها, وتعرض لحال أهل الكتاب.
ومضامين آياتها تشهد أنها مدنية نزلت بعد الهجرة, وظاهرها أنها نزلت نجوماً لا دفعة واحدة وإن كانت أغلب آياتها غير فاقدة للارتباط فيما بينها.
وأما هذه الآية في نفسها فهي وعدة من الآيات التالية لها, المتعرضة لحال اليتامى والنساء كالتوطئة, لما سيبين من أمر المواريث والمحارم, وأما عدد الزوجات الواقعة في الآية الثالثة فإنه وإن كان من مهمات السورة إلا أنه ذكر في صورة التطفل بالاستفادة من الكلام المقدمي الذي وقع في الآية كما سيجيء بيانه.
قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} إلى قوله: {ونساء} يريد دعوتهم إلى تقوى ربهم في أمر أنفسهم وهم ناس متحدون في الحقيقة الإنسانية من غير اختلاف فيها بين الرجل منهم والمرأة, والصغير والكبير, والعاجز والقوي, حتى لا يجحف الرجل منهم بالمرأة ولا يظلم كبيرهم الصغير في مجتمعهم الذي هداهم الله اليه لتتميم سعادتهم, والأحكام, والقوانين المعمولة بينهم التي ألهمهم إياها لتسهيل طريق حياتهم, وحفظ وجودهم وبقائهم فرادى ومجتمعين.
ومن هناك تظهر نكتة توجيه الخطاب إلى الناس دون المؤمنين خاصة, وكذا تعليق التقوى بربهم دون أن يقال: اتقوا الله ونحوه, فإن الوصف الذي ذكروا به أعني قوله: {الذي خلقكم من نفس واحدة} "الخ" يعم جميع الناس من غير أن يختص بالمؤمنين, وهو من أوصاف الربوبية التي تتكفل أمر التدبير والتكميل لا من شؤون الألوهية.
وأما قوله تعالى: {الذي خلقكم من نفس واحدة} "الخ" فالنفس على ما يستفاد من اللغة عين الشيء يقال: جاءني فلان نفسه وعينه وإن كان منشأ تعين الكلمتين - النفس والعين - لهذا المعنى (ما به الشيء شيء) ونفس الإنسان هو ما به الإنسان إنسان, وهو مجموع روح الإنسان وجسمه في هذه الحياة الدنيا والروح وحدها في الحياة البرزخية على ما تحقق - فيما تقدم من البحث - في قوله تعالى
{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } [البقرة: 154]. وظاهر السياق أن المراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام, ومن زوجها زوجته, وهما أبوا هذا النسل الموجود الذي نحن منه وإليهما ننتهي جميعاً, على ما هو ظاهر القرآن الكريم, كما في قوله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } [الزمر: 6]، وقوله تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } وقوله تعالى حكاية عن إبليس: { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلاَّ قليلاً } [الإسراء: 62]. وأما ما احتمله بعض المفسرين أن المراد بالنفس الواحدة وزوجها في الآية مطلق الذكور والإناث من الإنسان الزوجين اللذين عليهما مدار النسل, فيؤول المعنى إلى نحو قولنا: خلق كل واحد منكم من أب وأم بشرين من غير فرق في ذلك بينكم فيناظر قوله تعالى: { يا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [الحجرات: 13]، حيث إن ظاهره نفي الفرق بين الأفراد من جهة تولد كل واحد منهم من زوجين من نوعه: ذكر وأنثى.
ففيه فساد ظاهر وقد فاته أن بين الآيتين أعني آية النساء وآية الحجرات فرقاً بيناً, فإن آية الحجرات في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة الإنسانية, ونفي الفرق بينهم من جهة انتهاء تكون كل واحد منهم إلى أب وأم إنسانين, فلا ينبغي أن يتكبر أحدهم على الآخرين, ولا يتكرم إلا بالتقوى؛ وأما آية النساء فهي في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة, وأنهم على كثرتهم رجالاً ونساءً, إنما اشتقوا من أصل واحد وتشعبوا من منشأ واحد, فصاروا كثيراً على ما هو ظاهر قوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً} وهذا المعنى كما ترى لا يناسب كون المراد من النفس الواحدة وزوجها مطلق الذكر والأنثى الناسلين من الإنسان, على أنه لا يناسب غرض السورة أيضاً - كما تقدم بيانه.
وأما قوله: {وخلق منها زوجها}, فقد قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج, ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج كالخف والنعل, ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضاداً: زوج, إلى أن قال: وزوجة لغة رديئة, انتهى.
وظاهر الجملة أعني قوله: {وخلق منها زوجها}, أنها بيان لكونه زوجها من نوعها بالتماثل, وأن هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعاً إلى فردين متماثلين متشابهين, فلفظة من نشوئية, والآية في مساق قوله تعالى:
{ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [الروم: 21]، وقوله تعالى: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } [النحل: 72]، وقوله تعالى: { فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه } [الشعراء: 11]، ونظيرها قوله: { ومن كل شيء خلقنا زوجين } [الذاريات: 49]، فما في بعض التفاسير: أن المراد بالآية كون زوج هذه النفس مشتقة منها, وخلقها من بعضها وفاقاً لما في بعض الأخبار: أن الله خلق زوجة آدم من ضلع من أضلاعه, مما لا دليل عليه من الآية.
وأما قوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً}، البث هو التفريق بالإثارة ونحوها قال تعالى:
{ فكانت هباءً منبثاً } [الواقعة: 6]، ومنه بث الغم, ولذلك ربما يطلق البث, ويراد به الغم لأنه مبثوث يبثه الإنسان بالطبع, قال تعالى: { قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله } [يوسف: 86]، أي غمي وحزني.
وظاهر الآية أن النسل الموجود من الإنسان ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن يشاركهما فيه غيرهما حيث قال: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً}, ولم يقل: منهما ومن غيرهما, ويتفرع عليه أمران:
أحدهما: أن المراد بقوله: {رجالاً كثيراً ونساءً}, أفراد البشر من ذريتهما بلا واسطة أو مع واسطة فكأنه قيل: وبثكم منهما أيها الناس.
وثانيهما: أن الازدواج في الطبقة الأولى بعد آدم وزوجته أعني في أولادهما بلا واسطة إنما وقع بين الإخوة والأخوات (ازدواج البنين بالبنات) إذ الذكور والإناث كانا منحصرين فيهم يومئذ, ولا ضير فيه, فإنه حكم تشريعي راجع إلى الله سبحانه فله أن يبيحه يوماً ويحرمه آخر, قال تعالى:
{ والله يحكم لا معقب لحكمه } [الرعد: 41]، وقال: { إن الحكم إلاَّ لله } [يوسف: 40]، وقال: { ولا يشرك في حكمه أحداً } [الكهف: 26]، وقال: { وهو الله لا إله إلاَّ هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } } [القصص: 70]. قوله تعالى: {واتّقوا الله الذي تسألون به والأرحام} المراد بالتساؤل سؤال بعض الناس بعضاً بالله, يقول أحدهم لصاحبه: أسألك بالله أن تفعل كذا وكذا هو إقسام به تعالى, والتساؤل بالله كناية عن كونه تعالى معظماً عندهم محبوباً لديهم, فإن الإنسان إنما يقسم بشيء يعظمه ويحبه.
وأما قوله: {والأرحام}، فظاهره أنه معطوف على لفظ الجلالة, والمعنى: واتقوا الأرحام, وربما قيل: إنه معطوف على محل الضمير في قوله: "به" وهو النصب يقال: مررت بزيد وعمراً, وربما أيدته قراءة حمزة: "والأرحام" بالجر عطفاً على الضمير المتصل المجرور - وإن ضعفه النحاة - فيصير المعنى: واتقوا الله الذي تسألون به وبالأرحام يقول أحدكم لصاحبه: أسألك بالله وأسألك بالرحم, هذا ما قيل, لكن السياق ودأب القرآن في بياناته لا يلائمانه فإن قوله: "والأرحام" إن جعل صلة مستقلة للذي, وكان تقدير الكلام: واتقوا الله الذي تسألون بالأرحام كان خالياً من الضمير وهو غير جائز, وإن كان المجموع منه ومما قبله صلة واحدة "للذي" كان فيه تسوية بين الله عز اسمه وبين "الأرحام" في أمر العظمة والعزة وهي تنافي أدب القرآن.
وأما نسبة التقوى إلى الأرحام كنسبته إليه تعالى فلا ضير فيها بعد انتهاء الأرحام إلى صنعه وخلقه تعالى, وقد نسب التقوى في كلامه تعالى إلى غيره, كما في قوله:
{ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، وقوله: { واتقوا النار التي أعدّت للكافرين } [آل عمران: 131]، وقوله: { واتّقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } [الأنفال: 25]. وكيف كان فهذا الشطر من الكلام بمنزلة التقييد بعد الإطلاق, والتضييق بعد التوسعة بالنسبة إلى الشطر السابق عليه - أعني قوله: {يا أيها الناس اتقوا}, إلى قوله: ونساءً, فإن محصل معنى الشطر الأول: أن اتقوا الله من جهة ربوبيته لكم, ومن جهة خلقه وجعله إياكم - معاشر أفراد الإنسان - من سنخ واحد محفوظ فيكم, ومادة محفوظة متكثرة بتكثركم, وذلك هو النوعية الجوهرية الإنسانية, ومحصل معنى هذا الشطر: أن اتقوا الله من جهة عظمته وعزته عندكم (وذلك من شؤون الربوبية وفروعها) واتقوا الوحدة الرحمية التي خلقها بينكم (والرحم شعبة من شعب الوحدة والسنخية السارية بين أفراد الإنسان).
ومن هنا يظهر وجه تكرار الأمر بالتقوى وإعادته ثانياً في الجملة الثانية, فإن الجملة الثانية في الحقيقة تكرار للجملة الأولى مع زيادة فائدة, وهي إفادة الاهتمام التام بأمر الأرحام.
والرحم في الأصل رحم المرأة, وهي العضو الداخلي منها المعبأ لتربية النطفة وليداً, ثم استعير للقرابة بعلاقة الظرف والمظروف, لكون الأقرباء مشتركين في الخروج من رحم واحدة, فالرحم هو القريب والأرحام الأقرباء, وقد اعتنى القرآن الشريف بأمر الرحم كما اعتنى بأمر القوم والأمة, فإن الرحم مجتمع صغير كما أن القوم مجتمع كبير, وقد اعتنى القرآن بأمر المجتمع وعده حقيقة ذات خواص وآثار, كما اعتنى بأمر الفرد من الإنسان وعده حقيقة ذات خواص وآثار تستمد من الوجود, قال تعالى:
{ وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أُجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً * وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً } [الفرقان: 53 - 54]، وقال تعالى: { وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا } [الحجرات: 13]، وقال تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [الأنفال: 75]، وقال تعالى: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } [محمد: 22]، وقال تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم } [النساء: 9] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {إن الله كان عليكم رقيباً} الرقيب الحفيظ والمراقبة المحافظة, وكأنه مأخوذ من الرقبة بعناية أنهم كانوا يحفظون رقاب عبيدهم, أو أن الرقيب كان يتطلع على من كان يرقبه برفع رقبته ومد عنقه, وليس الرقوب مطلق الحفظ بل هو الحفظ على أعمال المرقوب من حركاته وسكناته لإصلاح موارد الخلل والفساد أو ضبطها, فكأنه حفظ الشيء مع العناية به علماً وشهوداً, ولذا يستعمل بمعنى الحراسة والانتظار والمحاذرة والرصد, والله سبحانه رقيب لأنه يحفظ على العباد أعمالهم ليجزيهم بها, قال تعالى:
{ وربك على كل شيء حفيظ } [سبأ: 21]، وقال: { الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } [الشورى: 6]، وقال: { فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد } [الفجر: 13 - 14]. وفي تعليل الأمر بالتقوى في الوحدة الانسانية السارية بين أفراده وحفظ آثارها اللازمة لها, بكونه تعالى رقيباً أعظم التحذير والتخويف بالمخالفة, وبالتدبر فيه يظهر ارتباط الآيات المتعرضة لأمر البغي والظلم والفساد في الأرض والطغيان وغير ذلك, وما وقع فيها من التهديد والإنذار, بهذا الغرض الإلهي وهو وقاية الوحدة الإنسانية من الفساد والسقوط.
(كلام في عمر النوع الإنساني والإنسان الأولي)
يذكر تاريخ اليهود أن عمر هذا النوع لا يزيد على ما يقرب من سبعة آلاف سنة, والاعتبار يساعده, فإنا لو فرضنا ذكراً وأنثى (زوجين اثنين) من هذا النوع وفرضناهما عائشين زماناً متوسطاً من العمر في مزاج متوسط في وضع متوسط من الأمن والخصب والرفاهية, ومساعده سائر العوامل والشرائط المؤثرة في حياة الإنسان, ثم فرضناهما وقد تزوجا وتناسلا وتوالدا في أوضاع متوسطة متناسبة, ثم جعلنا الفرض بعينه مطرداً فيما أولدا من البنين والبنات على ما يعطيه متوسط الحال في جميع ذلك, وجدنا ما فرضناه من العدد أولاً, وهو اثنان فقط يتجاوز في قرن واحد (رأس المائة) الألف أي إن كل نسمة يولد في المائة سنة ما يقرب من خمس مائة نسمة.
ثم إذا اعتبرنا ما يتصدم به الإنسان من العوامل المضادة له في الوجود والبلايا العامة لنوعه من الحر, والبرد, والطوفان, والزلزلة, والجدب, والوباء, والطاعون, والخسف, والهدم, والمقاتل الذريعة, والمصائب الأخرى غير العامة, وأعطيناها حظها من هذا النوع أوفر حظ, وبالغنا في ذلك حتى أخذنا الفناء يعم الأفراد بنسبة تسعمائة وتسعة وتسعين إلى الألف, وأنه لا يبقى في كل مائة سنة من الألف إلا واحد, أي إن عامل التناسل في كل مائة سنة يزيد على كل اثنين بواحد وهو واحد من ألف.
ثم إذا صعدنا بالعدد المفروض أولاً بهذا الميزان إلى مدة سبعة آلاف سنة (70 قرناً) وجدناه تجاوز بليونين ونصفاً, وهو عدد النفوس الإنسانية اليوم على ما يذكره الإحصاء العالمي.
فهذا الاعتبار يؤيد ما ذكر من عمر نوع الإنسان في الدنيا, لكن علماء الجيولوجي (علم طبقات الأرض) ذكروا أن عمر هذا النوع يزيد على مليونات من السنين, وقد وجدوا من الفسيلات الإنسانية والأجساد والآثار ما يتقدم عهده على خمس مائة ألف سنة على ما استظهروه, فهذا ما عندهم, غير أنه لا دليل معهم يقنع الإنسان ويرضي النفس باتصال النسل بين هذه الأعقاب الخالية والأمم الماضية من غير انقطاع, فمن الجائز أن يكون هذا النوع ظهر في هذه الأرض, ثم كثر ونما وعاش, ثم انقرض, ثم تكرر الظهور والانقراض ودار الأمر على ذلك عدة أدوار, على أن يكون نسلنا الحاضر هو آخر هذه الأدوار!
وأما القرآن الكريم فإنه لم يتعرض تصريحاً لبيان أن ظهور هذا النوع هل ينحصر في هذه الدورة التي نحن فيها أو أن له أدواراً متعددة نحن في آخرها؟ وإن كان ربما يستشم من قوله تعالى:
{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } [البقرة: 30]، سبق دورة انسانية أخرى على هذه الدورة الحاضرة, وقد تقدمت الإشارة إليه في تفسير الآية.
نعم في بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ما يثبت للإنسانية أدواراً كثيرة قبل هذه الدورة وسيجيء في البحث الروائي.
(كلام في أن النسل الحاضر ينتهي الى آدم وزوجته)
ربما قيل: إن اختلاف الألوان في أفراد الإنسان وعمدتها البياض كلون أهل النقاط المعتدلة من آسيا واوروبا, والسواد كلون أهل أفريقيا الجنوبية, والصفرة كلون أهل الصين واليابان, والحمرة كلون الهنود الأمريكيين يقضي بانتهاء النسل في كل لون إلى غير ما ينتهي اليه نسل اللون الآخر لما في اختلاف الألوان من اختلاف طبيعة الدماء وعلى هذا فالمبادئ الأول لمجموع الأفراد لا ينقصون من أربعة أزواج للألوان الأربعة.
وربما يستدل عليه بأن قارة أمريكا انكشفت ولها أهل وهم منقطعون عن الإنسان القاطن في نصف الكرة الشرقي بالبعد الشاسع الذي بينهما انقطاعاً لا يرجى ولا يحتمل معه أن النسلين يتصلان بانتهائهما إلى أب واحد وأم واحدة, والدليلان - كما ترى - مدخولان:
أما مسألة اختلاف الدماء باختلاف الألوان, فلأن الأبحاث الطبيعية اليوم مبنية على فرضية التطور في الأنواع, ومع هذا البناء كيف يطمئن بعدم استناد اختلاف الدماء, فاختلاف الألوان إلى وقوع التطور في هذا النوع وقد جزموا بوقوع تطورات في كثير من الأنواع الحيوانية كالفرس, والغنم, والفيل وغيرها, وقد ظفر البحث والفحص بآثار أرضية كثيرة يكشف عن ذلك؟ على أن العلماء اليوم لا يعتنون بهذا الاختلاف ذاك الاعتناء.
وأما مسألة وجود الإنسان في ما وراء البحار فن العهد الإنساني على ما يذكره علماء الطبيعة يزهو إلى ملايين من السنين, والذي يضبطه التاريخ النقلي لا يزيد على ستة آلاف سنة, وإذا كان كذلك فما المانع من حدوث حوادث فيما قبل التاريخ تجزئ قارة أمريكا عن سائر القارات, وهناك آثار أرضية كثيرة تدل على تغييرات هامة في سطح الأرض بمرور الدهور من تبدل بحر إلى بر وبالعكس, وسهل إلى جبل وبالعكس, وما هو أعظم من ذلك كتبدل القطبين والمنطقة على ما يشرحه علوم طبقات الأرض والهيئة والجغرافيا فلا يبقى لهذا المستدل إلا الاستبعاد فقط هذا.
وأما القرآن فظاهره القريب من النص أن هذا النسل الحاضر المشهود من الإنسان ينتهي بالارتقاء إلى ذكر وأنثى هما الأب والأم لجميع الأفراد, أما الأب فقد سماه الله تعالى في كتابه بآدم, وأما زوجته فلم يسمها في كتابه ولكن الروايات تسميها حواء, كما في التوراة الموجودة, قال تعالى:
{ وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } [السجدة: 7 - 8]، وقال تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]، وقال تعالى: { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون* وعلّم آدم الأسماء كلها } [البقرة: 30 - 31] الآية، وقال تعالى: { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } [ص: 71 - 72] الآيات، فإن الآيات - كما ترى - تشهد بأن سنة الله في بقاء هذا النسل أن يتسبب إليه بالنطفة, لكنه أظهره حينما أظهره بخلقه من تراب, وأن آدم خلق من تراب وأن الناس بنوه فظهور الآيات في انتهاء هذا النسل إلى آدم وزوجته مما لا ريب فيه وإن لم تمتنع من التأويل.
وربما قيل: إن المراد بآدم في آيات الخلقة والسجدة آدم النوعي دون الشخصي, كأن مطلق الإنسان من حيث انتهاء خلقه إلى الأرض ومن حيث قيامه بأمر النسل والايلاد سمي بآدم, وربما استظهر ذلك من قوله تعالى:
{ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } [الأعراف: 11]، فإنه لا يخلو عن إشعار بأن الملائكة إنما أمروا بالسجدة لمن هيأه الله لها بالخلق والتصوير, وقد ذكرت الآية أنه جميع الأفراد لا شخص إنساني واحد معين حيث قال: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]، وهكذا قوله تعالى: { قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } [ص: 75] إلى أن قال: { قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } [ص: 76] إلى أن قال: { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [ص: 82 - 83] حيث أبدل ما ذكره مفرداً أولاً من الجمع ثانياً.
ويرده مضافاً إلى كونه على خلاف ظاهر ما نقلناه من الآيات ظاهر قوله تعالى - بعد سرد قصة آدم وسجدة الملائكة وإباء إبليس - في سورة الأعراف:
{ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما } [الأعراف: 27]، فظهور الآية في شخصية آدم مما لا ينبغي أن يرتاب فيه.
وكذا قوله تعالى:
{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس قال أأسجد لمن خلقت طيناً قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليَّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلاَّ قليلاًَ } } [الإسراء: 62] وكذا الآية المبحوث عنها: {يا أيُّها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً} الآية, بالتقريب الذي مر بيانه.
فالآيات - كما ترى - تأبى أن يسمى الإنسان آدم باعتبار, وابن آدم باعتبار آخر, وكذا تأبى أن تنسب الخلقة إلى التراب باعتبار, وإلى النطفة باعتبار آخر, وخاصة في مثل قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} الآية، وإلا لم يستقم استدلال الآية على كون خلقة عيسى خلقة استثنائية ناقضة للعادة الجارية. فالقول بآدم النوعي في حد التفريط, والإفراط الذي يقابله قول بعضهم: إن القول بخلق أزيد من آدم واحد كفر. ذهب إليه زين العرب من علماء أهل السنه.
(كلام في أن الإنسان نوع مستقل)
(غير متحول من نوع آخر)
الآيات السابقة تكفي مؤونة هذا البحث, فإنها تنهي هذا النسل الجاري بالنطفة إلى آدم وزوجته وتبين أنهما خلقا من تراب فالإنسانية تنتهي إليهما وهما لا يتصلان بآخر يماثلهما أو يجانسهما وإنما حدثا حدوثاً.
والشائع اليوم عند الباحثين عن طبيعة الإنسان أن الإنسان الأول فرد تكامل إنساناً وهذه الفرضية بخصوصها وإن لم يتسلمها الجميع تسلماً يقطع الكلام, واعترضوا عليه بأمور كثيرة مذكورة في الكتب, لكن أصل الفرضية وهي "أن الإنسان حيوان تحول إنساناً" مما تسلموه وبنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان.
فإنهم فرضوا أن الأرض - وهي أحد الكواكب السيارة - قطعة من الشمس مشتقة منها وقد كانت في حال الاشتعال والذوبان, ثم أخذت في التبرد من تسلط عوامل البرودة, وكانت تنزل عليها أمطار غزيرة وتجري عليها السيول وتتكون فيها البحار, ثم حدثت تراكيب مائية وأرضية, فحدثت النباتات المائية, ثم حدثت بتكامل النبات واشتمالها على جراثيم الحياة السمك وسائر الحيوان المائي, ثم السمك الطائر ذو الحياتين, ثم الحيوان البري, ثم الإِنسان, كل ذلك بتكامل عارض للتركيب الأرضي الموجود في المرتبة السابقة يتحول به التركيب في صورته إلى المرتبة اللاحقة, فالنبات ثم الحيوان المائي ثم الحيوان ذو الحياتين ثم الحيوان البري ثم الإِنسان على الترتيب هذا.
كل ذلك لما يشاهد من الكمال المنظم في بنيها نظم المراتب الآخذة من النقص إلى الكمال ولما يعطيه التجريب في موارد جزئية التطور.
وهذه فرضية افترضت لتوجيه ما يلحق بهذه الأنواع من الخواص والآثار من غير قيام دليل عليها بالخصوص ونفي ما عداها مع إمكان فرض هذه الأنواع متبائنة من غير اتصال بينها بالتطور وقصر التطور على حالات هذه الأنواع دون ذواتها, وهي التي جرى فيها التجارب, فإن التجارب لم يتناول فرداً من أفراد هذه الأنواع تحول إلى فرد من نوع آخر, كقردة إلى إنسان, وإنما يتناول بعض هذه الأنواع من حيث خواصها ولوازمها وأعراضها.
واستقصاء هذا البحث يطلب من غير هذا الموضع, وإنما المقصود الإشارة إلى أنه فرض افترضوه لتوجيه ما يرتبط به من المسائل من غير أن يقوم عليه دليل قاطع, فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعاً مفصولاً عن سائر الأنواع غير معارضة بشيء علمي.
(كلام في تناسل الطبقة الثانية من الإنسان)
الطبقة الأولى من الإنسان وهي آدم وزوجته تناسلت بالازدواج فأولدت بنين وبنات (إخوة وأخوات) فهل نسل هؤلاء بالازدواج بينهم وهم إخوة وأخوات أو بطريق غير ذلك؟ ظاهر إطلاق قوله تعالى: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً} الآية على ما تقدم من التقريب, أن النسل الموجود من الإنسان إنما ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن يشاركهما في ذلك غيرهما من ذكر أو أنثى, ولم يذكر القرآن للبث إلا أياهما, ولو كان لغيرهما شركة في ذلك لقال: وبث منهما ومن غيرهما, أو ذكر ذلك بما يناسبه من اللفظ, ومن المعلوم أن انحصار مبدأ النسل في آدم وزوجته يقضي بازدواج بنيهما من بناتهما.
وأما الحكم بحرمته في الإسلام, وكذا في الشرائع السابقة عليه على ما يحكى, فإنما هو حكم تشريعي يتبع المصالح والمفاسد, لا تكويني غير قابل للتغيير, وزمامه بيد الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, فمن الجائز أن يبيحه يوماً لاستدعاء الضرورة ذلك ثم يحرمه بعد ذلك لارتفاع الحاجة واستيجابه انتشار الفحشاء في المجتمع.
والقول بأنه على خلاف الفطرة, وما شرعه الله لأنبيائه دين فطري, قال تعالى:
{ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } [الروم: 30]، فاسد فإن الفطرة لا تنفيه ولا تدعو إلى خلافه من جهه تنفرها عن هذا النوع من المباشرة (مباشرة الأخ الأخت) وإنما تبغضه وتنفيه من جهة تأديته إلى شيوع الفحشاء والمنكر وبطلان غريزة العفة بذلك وارتفاعها عن المجتمع الإنساني, ومن المعلوم أن هذا النوع من التماس والمباشرة إنما ينطبق عليه عنوان الفجور والفحشاء في المجتمع العالمي اليوم, وأما المجتمع يوم ليس هناك بحسب ما خلق الله سبحانه إلا الإخوة والأخوات, والمشيئة الإلهية متعلقة بتكثرهم وانبثاثهم, فلا ينطبق عليه هذا العنوان.
والدليل على أن الفطرة لا تنفيه من جهة النفرة الغريزية تداوله بين المجوس أعصاراً طويلة (على ما يقصه التاريخ) وشيوعه قانونياً في روسيا (على ما يحكى) وكذا شيوعه سفاحاً من غير طريق الازدواج القانوني في اوروبا.
وربما يقال: إنه مخالف للقوانين الطبيعية, وهي التي تجري في الإنسان قبل عقده المجتمع الصالح لإسعاده, فإن الاختلاط والاستيناس في المجتمع المنزلي يبطل غريزة التعشق والميل الغريزي بين الإخوة والأخوات, كما ذكره بعض علماء الحقوق.
وفيه أنه ممنوع كما تقدم أولاً, ومقصور في صورة عدم الحاجة الضرورية ثانياً, ومخصوص بما لا تكون القوانين الوضعية غير الطبيعية حافظة للصلاح الواجب الحفظ في المجتمع, ومتكفلة لسعادة المجتمعين, وإلاَّ فمعظم القوانين المعمولة والأصول الدائرة في الحياة اليوم غير طبيعية.
(بحث روائي)
في التوحيد عن الصادق عليه السلام في حديث قال: لعلك ترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم؟ بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين.
أقول: ونقل ابن ميثم في شرح نهج البلاغة عن الباقر عليه السلام ما معناه, ورواه الصدوق في الخصال أيضاً.
وفي الخصال عن الصادق عليه السلام قال: إن الله تعالى خلق اثنا عشر ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن الله عز وجل عالماً غيرهم.
وفيه عن أبي جعفر عليه السلام: لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه ثم خلق الله عز وجل آدم أبا البشر وخلق ذريته منه, الحديث.
وفي نهج البيان للشيباني عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: من أي شيء خلق الله حواء؟ فقال عليه السلام: أي شيء يقولون هذا الخلق؟ قلت يقولون: إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم فقال: كذبوا أكان الله يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟ فقلت: جعلت فداك من أي شيء خلقها؟ فقال: أخبرني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه - وكلتا يديه يمين - فخلق منها آدم, وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء"
]. أقول: ورواه الصدوق عن عمرو مثله, وهناك روايات أُخر تدل على أنها خلقت من خلف آدم, وهو أقصر أضلاعه من الجانب الأيسر, وكذا ورد في التوراة في الفصل الثاني من سفر التكوين, وهذا المعنى وإن لم يستلزم في نفسه محالاً, إلا أن الآيات القرآنية خالية عن الدلالة عليها كما تقدم.
وفي الاحتجاج عن السجاد عليه السلام في حديث له مع قرشي يصف فيه تزويج هابيل بلوزا أخت قابيل, وتزويج قابيل بإقليما أخت هابيل, فقال له القرشي: فأولداهما؟ قال: نعم, فقال له القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم, قال: فقال: إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله, ثم قال له: لا تنكر هذا إنما هي شرائع الله جرت, أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك, الحديث.
أقول: وهذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب والاعتبار, وهناك روايات أُخر تعارضها, وهي تدل على أنهم تزوجوا بمن نزل إليهم من الحور والجان, وقد عرفت الحق في ذلك.
وفي المجمع في قوله تعالى: {واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}، عن الباقر عليه السلام: واتقوا الأرحام أن تقطعوها.
أقول: وبناؤه على قراءة النصب.
وفي الكافي وتفسير العياشي: هي أرحام الناس, إن الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها, ألا ترى أنه جعلها معه؟
أقول: قوله: ألا ترى "الخ" بيان لوجه التعظيم, والمراد بجعلها معه الاقتران الواقع في قوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}.
وفي الدر المنثور: أخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: {الذي تساءلون به والأرحام}, قال: قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"يقول الله تعالى: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا وخير لكم في آخرتكم"
]. أقول: قوله: فإنه أبقى لكم "الخ", إشارة إلى ما ورد مستفيضاً: أن صلة الرحم تزيد في العمر وقطعها بالعكس من ذلك, ويمكن أن يستأنس لوجهه بما سيأتي في تفسير قوله تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم } [النساء: 9] الآية.
ويمكن أن يكون المراد بكونه أبقى, كون الصلة أبقى للحياة من حيث أثرها, فإن الصلة تحكم الوحدة السارية بين الأقارب, فيتقوى بذلك الإنسان قبال العوامل المخالفة لحياته المضادة لرفاهية عيشه من البلايا والمصائب والأعداء.
وفي تفسير العياشي عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل النار, فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه فإن الرحم إذا مستها الرحم استقرت, وإنها متعلقة بالعرش تنقضه انتقاض الحديد فتنادي: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني وذلك قول الله في كتابه: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان بكم رقيباً}, وأيما رجل غضب وهو قائم فليلزم الأرض من فوره فإنه يذهب رجز الشيطان.
أقول: والرحم كما عرفت, هي جهة الوحدة الموجودة بين أشخاص الإنسان من حيث اتصال مادة وجودهم في الولادة من أب وأم أو أحدهما, وهي جهة حقيقية سائرة بين أُولي الأرحام لها آثار حقيقية خُلقية وخلقية, وروحية وجسمية غير قابلة الإنكار وإن كان ربما توجد معها عوامل مخالفة تضعف أثرها أو تبطله بعض الإبطال حتى يلحق بالعدم ولن يبطل من رأس.
وكيف كان, فالرحم من أقوى أسباب الالتئام الطبيعي بين أفراد العشيرة, مستعدة للتأثير أقوى الاستعداد, ولذلك كان ما ينتجه المعروف بين الأرحام أقوى وأشد مما ينتجه ذلك بين الأجانب, وكذلك الإساءة في مورد الأقارب أشد أثراً منها في مورد الأجانب.
وبذلك يظهر معنى قوله عليه السلام: فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه "الخ" فإن الدنو من ذي الرحم رعاية لحكمها وتقوية لجانبها, فتتنبه بسببه وتحرك لحكمها ويتجدد أثرها بظهور الرأفة والمحبة.
وكذلك قوله عليه السلام في ذيل الرواية: وأيما رجل غضب وهو قائم فليلزم الأرض "الخ", فإن الغضب إذا كان عن طيش النفس ونزقها, كان في ظهوره وغليانه مستنداً إلى هواها وإغفال الشيطان إياها وصرفها إلى أسباب واهية وهمية, وفي تغيير الحال من القيام إلى القعود صرف النفس عن شأن إلى شأن جديد, يمكنها بذلك أن تشتغل بالسبب الجديد فتنصرف عن الغضب بذلك, لأن نفس الإنسان بحسب الفطرة أميل إلى الرحمة منها إلى الغضب, ولذلك بعينه ورد في بعض الروايات مطلق تغيير الحال في حال الغضب, كما في المجالس عن الصادق عن أبيه عليهما السلام: أنه ذكر الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبداً, ويدخل بذلك النار, فأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان, وإن كان جالساً فليقم, وأيما رجل غضب على ذي رحم فليقم إليه وليدن منه وليمسه فإن الرحم إذا مست الرحم سكنت, أقول: وتأثيره محسوس مجرب.
قوله عليه السلام: وإنها متعلقة بالعرش تنقضه انتقاض الحديد "الخ" أي تحدث فيه صوتاً مثل ما يحدث في الحديد بالنقر, وفي الصحاح: الإنقاض صويت مثل النقر, وقد تقدم في الكلام على الكرسي إشارة إجمالية سيأتي تفصيلها في الكلام على العرش: أن المراد بالعرش مقام العلم الإجمالي الفعلي بالحوادث, وهو من الوجود المرحلة التي تجتمع عندها شتات أزمة الحوادث, ومتفرقات الأسباب, والعلل الكونية, فهي تحرك وحدها سلاسل العلل والأسباب المختلفة المتفرقة أي تتعلق بروحها الساري فيها المحرك لها, كما أن أزمة المملكة على اختلاف جهاتها وشؤونها وأشكالها تجتمع في عرش الملك, والكلمة الواحدة الصادرة منه تحرك سلاسل القوى والمقامات الفعالة في المملكة وتظهر في كل مورد بما يناسبه من الشكل والأثر.
والرحم كما عرفت حقيقة هي: كالروح السالب في قوالب الأشخاص الذين يجمعهم جامع القرابة, فهي من متعلقات العرش فإذا ظلمت واضطهدت لاذت بما تعلقت به واستنصرت, وهو قوله عليه السلام: تنقضه انتقاض الحديد, وهو من أبدع التمثيلات شبه فيه ما يحدث في هذا الحال بالنقر الواقع على الحديد الذي يحدث فيه رنيناً يستوعب بالارتعاش والاهتزاز جميع جسامة الحديد, كما في نقر الأجراس والجامات وغيرها.
قوله عليه السلام: فتنادي اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني, حكاية لفحوى التجائها واستنصارها, وفي الروايات الكثيرة أن صلة الرحم تزيد في العمر, وأن قطعها يقطعه, وقد مر في البحث عن ارتباط الأعمال والحوادث الخارجية من أحكام الأعمال في الجزء الثاني من الكتاب, أن مدير هذا النظام الكوني يسوقه نحو الأغراض والغايات الصالحة, ولن يهمل في ذلك, وإذا فسد جزء أو أجزاء منه عالج ذلك, إما بإصلاح أو بالحذف والإزالة, وقاطع الرحم يحارب الله في تكوينه, فإن لم يصلح بالاستصلاح بتر الله عمره وقطع دابره, وأما أن الإنسان اليوم لا يحس بهذه الحقيقة وأمثالها فلا غرو لأن الأدواء قد أحاطت بجثمان الإنسانية, فاختلطت وتشابهت وأزمنت, فالحس لا يجد فراغاً يقوى به على إدراك الألم والعذاب.