التفاسير

< >
عرض

لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً
٧
وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً
٨
وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً
٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
١٠
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
شروع في تشريع أحكام الإرث بعد تمهيد ما مهدت من المقدمات, وقد قدم بيان جملي لحكم الإرث من قبيل ضرب القاعدة لإيذان أن لا حرمان في الإرث بعد ثبوت الولادة أو القرابة حرماناً ثابتاً لبعض الأرحام والقرابات كتحريم صغار الورثة والنساء, وزيد مع ذلك في التحذير عن تحريم الأيتام من الوراثة, فإنه يستلزم أكل سائر الورثة أموالهم ظلماً وقد شدد الله في النهي عنه. وقد ذكر مع ذلك مسألة رزق أولي القربى واليتامى والمساكين إذا حضروا قسمة التركة ولم يكونوا ممن يرث تطفلاً.
قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية، النصيب هو الحظ والسهم, وأصله من النصب بمعنى الإقامة لأن كل سهم عند القسمة ينصب على حدته حتى لا يختلط بغيره, والتركة ما بقي من مال الميت بعده كأنه يتركه ويرتحل, فاستعماله الأصلي استعمال استعاري ثم ابتذل, والأقربون هم القرابة الأدنون, واختيار هذا اللفظ على مثل الأقرباء وأولي القربى ونحوهما لا يخلو من دلالة على أن الملاك في الإرث أقربية الميت من الوارث على ما سيجيء البحث عنه في قوله تعالى:
{ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } [النساء: 11]، والفرض قطع الشيء الصلب وإفراز بعضه من بعض, ولذا يستعمل في معنى الوجوب لكون إتيانه وامتثال الأمر به مقطوعاً معيناً من غير تردد, والنصيب المفروض هو المقطوع المعين.
وفي الآية إعطاء للحكم الكلي وتشريع لسنة حديثة غير مألوفة في أذهان المكلفين, فإن حكم الوراثة على النحو المشروع في الإسلام لم يكن قبل ذلك مسبوقاً بالمثل, وقد كانت العادات والرسوم على تحريم عدة من الوراث عادت بين الناس كالطبيعة الثانية تثير النفوس وتحرك العواطف الكاذبة لو قرع بخلافها اسماعهم.
وقد مهد له في الإسلام أولاً بتحكيم الحب في الله والإيثار الديني بين المؤمنين فعقد الأخوة بين المؤمنين ثم جعل التوارث بين الأخوين, وانتسخ بذلك الرسم السابق في التوارث, وانقلع المؤمنون من الأنفة والعصبية القديمة, ثم لما اشتد عظم الدين, وقام صلبه شرع التوارث بين أولي الأرحام في حين كان هناك عدة كافية من المؤمنين يلبون لهذا التشريع أحسن التلبية.
وبهذه المقدمة يظهر أن المقام مقام التصريح ورفع كل لبس متوهم بضرب القاعدة الكلية بقوله: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}, فالحكم مطلق غير مقيد بحال أو وصف أو غير ذلك أصلاً, كما أن موضوعه أعني الرجال عام غير مخصص بشيء متصل, فالصغار ذووا نصيب كالكبار.
ثم قال: {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} وهو كسابقه عام من غير شائبة تخصيص فيعم جميع النساء من غير تخصيص أو تقييد, وقد أظهر في قوله مما ترك الوالدان والأقربون مع أن المقام مقام الإضمار إيفاءً لحق التصريح والتنصيص, ثم قال: مما قل منه أو كثر زيادة في التوضيح, وأن لا مجال للمسامحة في شيء منه لقلة وحقارة, ثم قال: "نصيباً" الخ, وهو حال من النصيب لما فيه من المعنى المصدري, وهو بحسب المعنى تأكيد على تأكيد وزيادة في التنصيص على أن السهام مقطوعة معينة لا تقبل الاختلاط والإبهام.
وقد استدل بالآية على عموم حكم الإرث لتركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره, وعلى بطلان التعصيب في الفرائض.
قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} "الخ"، ظاهر الآية أن المراد من حضورهم القسمة أن يشهدوا قسمة التركة حينما يأخذ الورثة في اقتسامها لا ما ذكره بعضهم أن المراد حضورهم عند الميت حينما يوصي ونحو ذلك, وهو ظاهر.
وعلى هذا فالمراد من "أولي القربى" الفقراء منهم, ويشهد بذلك أيضاً ذكرهم مع اليتامى والمساكين, ولحن قوله: {فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً} الظاهر في الاسترحام والاسترفاق, ويكون الخطاب حينئذٍ لأولياء الميت والورثة.
وقد اختلف في أن الرزق المذكور في الآية على نحو الوجوب أو الندب, وهو بحث فقهي خارج عن وضع هذا الكتاب, كما اختلف في أن الآية هل هي محكمة أو منسوخة بآية المواريث؟ مع أن النسبة بين الآيتين ليست نسبة التناقض لأن آية المواريث تعين فرائض الورثة, وهذه الآية تدل على غيرهم وجوباً أو ندباً في الجملة من غير تعيين سهم فلا موجب للنسخ وخاصة بناءً على كون الرزق مندوباً كما أن الآية لا تخلو من ظهور فيه.
قوله تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم} الآية، الخشية التأثر القلبي مما يخاف نزوله مع شائبة تعظيم وإكبار, وسداد القول وسدده كونه صواباً مستقيماً.
ولا يبعد أن تكون الآية متعلقة نحو تعلق بقوله: {للرجال نصيب} الآية, لاشتماله على إرث الأيتام الصغار بعمومه فتكون مسوقة سوق التهديد لمن يسلك مسلك تحريم صغار الورثة من الإِرث, ويكون حينئذٍ قوله: {وليقولوا قولاً سديداً}, كناية عن اتخاذ طريقة التحريم والعمل بها وهضم حقوق الأيتام الصغار, والكناية بالقول عن الفعل للملازمة بينهما غالباً شائع في اللسان كقوله تعالى:
{ وقولوا للناس حسناً } [البقرة: 83] الآية، ويؤيده توصيف القول بالسديد دون المعروف واللين ونحوهما فإن ظاهر السداد في القول كونه قابلاً للاعتقاد والعمل به لا قابلاً لأن يحفظ به كرامة الناس وحرمتهم.
وكيف كان فظاهر قوله: الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم أنه تمثيل للرحمة والرأفة على الذرية الضعاف الذين لا ولي لهم يتكفل أمرهم ويذود عنهم الذل والهوان, وليس التخويف والتهديد المستفاد من الآية مخصوصاً بمن له ذرية ضعفاء بالفعل لمكان لو في قوله: لو تركوا, ولم يقل: لو تركوا ذريتهم الضعاف بل هو تمثيل يقصد به بيان الحال, والمراد الذين من صفتهم أنهم كذا أي أن في قلوبهم رحمة إنسانية ورأفة وشفقة على ضعفاء الذرية الذين مات عنهم آباؤهم وهم الأيتام والذين من صفتهم كذا هم الناس وخاصة المسلمون المتأدبون بأدب الله المتخلقون بأخلاقه فيعود المعنى إلى مثل قولنا: وليخش الناس وليتقوا الله في أمر اليتامى فإنهم كأيتام أنفسهم في أنهم ذرية ضعاف يجب أن يخاف عليهم ويعتنى بشأنهم ولا يضطهدوا ولا يهضم حقوقهم فالكلام في مساق قولنا: من خاف الذل والامتهان فليشتغل بالكسب وكل يخاف ذلك.
ولم يؤمر الناس في الآية بالترحم والترؤف ونحو ذلك بل بالخشية واتقاء الله وليس إلا أنه تهديد بحلول ما أحلوا بأيتام الناس من إبطال حقوقهم وأكل مالهم ظلماً بايتام أنفسهم بعدهم, وارتداد المصائب التي أوردوها عليهم إلى ذريتهم بعدهم.
وأما قوله: وليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً فقد تقدم أن الظاهر أن المراد بالقول هو الجري العملي ومن الممكن أن يراد به الرأي.
(كلام في انعكاس العمل إلى صاحبه)
من ظلم يتيماً في ماله فإن ظلمه سيعود إلى الأيتام من أعقابه, وهذا من الحقائق العجيبة القرآنية, وهو من فروع ما يظهر من كلامه تعالى أن بين الأعمال الحسنة والسيئة وبين الحوادث الخارجية ارتباطاً, وقد تقدم بعض الكلام فيه في البحث عن أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
الناس يتسلمون في الجملة أن الإنسان إنما يجني ثمر عمله وأن المحسن الخير من الناس يسعد في حياته, والظلوم الشرير لا يلبث دون أن يذوق وبال عمله, وفي القرآن الكريم آيات تدل على ذلك باطلاقها كقوله تعالى:
{ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها } [فصلت: 46]، وقوله: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } [الزلزلة: 7 - 8]، وكذا قوله تعالى: { قال أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [يوسف: 90]، وقوله: { له في الدنيا خزي } [الحج: 9]، وقوله: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } [الشورى: 30]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الخير والشر من العمل له نوع انعكاس وارتداد إلى عامله في الدنيا.
والسابق إلى أذهاننا - المأنوسة بالأفكار التجريبية الدائرة في المجتمع - من هذه الآيات أن هذا الانعكاس إنما هو من عمل الإنسان إلى نفسه إلا أن هناك آيات دالة على أن الأمر أوسع من ذلك, وأن عمل الإنسان خيراً أو شراً ربما عاد إليه في ذريته وأعقابه قال تعالى:
{ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } [الكهف: 82]، فظاهر الآية أن لصلاح أبيهما دخلاً فيما أراده الله رحمة بهما, وقال تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم} الآية.
وعلى هذا فأمر إنعكاس العمل أوسع وأعم, والنعمة أو المصيبة ربما تحلان بالإنسان بما كسبت يدا شخصه أو أيدي آبائه.
والتدبر في كلامه تعالى يهدي إلى حقيقة السبب في ذلك, فقد تقدم في الكلام على الدعاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب في قوله تعالى:
{ وإذا سألك عبادي عني } [البقرة: 186]، دلالة كلامه تعالى على أن جميع ما يحل الإنسان من جانبه تعالى إنما هو لمسألة سألها ربه, وأن ما مهده من مقدمة وداخله من الأسباب سؤال منه لما ينتهي إليه من الحوادث والمسببات قال تعالى: { يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن } [الرحمن: 29]، وقال تعالى: { وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } [إبراهيم: 34]، ولم يقل: وإن تعدوه لا تحصوه لأن فيما سألوه ما ليس بنعمة, والمقام مقام الامتنان بالنعم واللوم على كفرها ولذا ذكر بعض ما سألوه وهو النعمة.
ثم إن ما يفعله الإنسان لنفسه ويوقعه على غيره من خير أو شر يرتضيه لمن أوقع عليه وهو إنسان مثله فليس إلا أنه يرتضيه لنفسه ويسأله لشخصه فليس هناك إلا الانسانية ومن ها هنا يتضح للإنسان أنه إن أحسن لأحد فإنما سأل الله ذلك الاحسان لنفسه دعاءً مستجاباً وسؤالاً غير مردود, وإن أساء على أحد أو ظلمه فإنما طلب ذلك لنفسه وارتضاه لها وما يرتضيه لأولاد الناس ويتاماهم يرتضيه لأولاد نفسه ويسأله لهم من خير أو شر, قال تعالى:
{ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، فإن معناه أن استبقوا الخيرات لتكون وجهتكم خيراً.
والاشتراك في الدم ووحدة الرحم يجعل عمود النسب وهو العترة شيئاً واحداً, فأي حال عرضت لجانب من جوانب هذا الواحد, وأي نازلة نزلت في طرف من أطرافها فإنما عرضت ونزلت على متنه وهو في حساب جميع الأطراف, وقد مر شطر من الكلام في الرحم في أول هذه السورة.
فقد ظهر بهذا البيان أن ما يعامل به الإنسان غيره أو ذرية غيره فلا محيص من أن ينعكس إلى نفسه أو ينقلب إلى ذريته إلا أن يشاء الله, وإنما استثنينا لأن في الوجود عوامل وجهات غير محصورة لا يحيط بجميعها إحصاء الإنسان, ومن الممكن أن تجري هناك عوامل وأسباب لم نتنبه لها أو لم نطلع عليها توجب خلاف ذلك, كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى:
{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } [الشورى: 30]. قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً} الآية يقال: أكله وأكله في بطنه وهما بمعنى واحد غير أن التعبير الثاني أصرح والآية كسابقتها متعلقة المضمون بقوله: {للرجال نصيب} الآية, وهي تخويف وردع للناس عن هضم حقوق اليتامى في الإرث.
والآية مما يدل على تجسم الأعمال على ما مر في الجزء الأول من هذا الكتاب في قوله تعالى:
{ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما } [البقرة: 26]، ولعل هذا مراد من قال من المفسرين أن قوله: {إنما يأكلون في بطونهم ناراً} كلام على الحقيقة دون المجاز وعلى هذا لا يرد عليه ما أورده بعض المفسرين: أن قوله: "يأكلون" اريد به الحال دون الاستقبال بقرينة عطف قوله: {وسيصلون سعيراً} عليه وهو فعل دخل عليه حرف الاستقبال, فلو كان المراد به حقيقة الأكل - ووقته يوم القيامة - لكان من اللازم أن يقال: سيأكلون في بطونهم ناراً ويصلون سعيراً فالحق أن المراد به المعنى المجازي, وأنهم في أكل مال اليتيم كمن يأكل في بطنه ناراً انتهى ملخصاً وهو غفلة عن معنى تجسم الأعمال.
وأما قوله: {وسيصلون سعيراً}, فهو إشارة إلى العذاب الأخروي, والسعير من أسماء نار الآخرة, يقال: صلى النار يصلاها, صلى وصلياً - أي احترق بها وقاسى عذابها.
(بحث روائي)
في المجمع في قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان} الآية: اختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة, وهو المرويُّ عن الباقر عليه السلام.
أقول: وعن تفسير علي بن إبراهيم أنها منسوخة بقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولاًدكم} الآية, ولا وجه له, وقد ظهر في البيان السابق أن الآية بيان كلي لحكم المواريث, ولا تنافي بينها وبين سائر آيات الإرث المحكمة حتى يقال بانتساخها بها.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير, وابن المنذر, وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أُم كلثوم, وابنة أُم كحلة أو أُم كحلة وثعلبة بن أوس وسويد وهم من الأنصار كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث من ماله, فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرساً ولا تنكي عدواً ويكسب عليها ولا تكتسب, فنزلت {للرجال نصيب} الآية.
أقول: وفي بعض الروايات عن ابن عباس أنها نزلت في رجل من الأنصار مات وترك ابنتين فجاء ابنا عمه وهما عصبته فقالت امرأته تزوجا بهما, وكان بهما دمامة فأبيا, فرفعت الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت آيات المواريث. الرواية. ولا بأس بتعدد هذه الأسباب كما مر مراراً.
وفي المجمع في قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} الآية: اختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة, قال: وهو المروي عن الباقر عليه السلام.
وفي نهج البيان للشيباني: أنه مروي عن الباقر والصادق عليهما السلام.
أقول: وفي بعض الروايات أنها منسوخة بآية المواريث, وقد تقدم في البيان المتقدم أنها غير صالحة للنسخ.
وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام: إن الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين اثنتين: أما إحداهما فعقوبة الآخرة النار, وأما الأخرى فعقوبة الدنيا قوله: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم وليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً}, قال: يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى.
أقول: وروي مثله في الكافي عن الصادق عليه السلام, وفي المعاني عن الباقر عليه السلام.
وفيه عن عبد الأعلى مولى آل سام قال أبو عبد الله عليه السلام مبتدئاً: من ظلم سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه, قال: فذكرت في نفسي فقلت: يظلم هو فيسلط على عقبه وعقب عقبه؟ فقال لي قبل أن أتكلم: إن الله يقول: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم وليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً}.
وفي الدر المنثور: أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة أيتمه ثم أوصى به, وابتلاه وابتلى به.
أقول: والأخبار في أكل مال اليتيم وأنها كبيرة موبقة من طرق الفريقين كثيرة مستفيضة.