التفاسير

< >
عرض

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً
١٢٧
وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
١٢٨
وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
١٢٩
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً
١٣٠
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً
١٣١
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
١٣٢
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً
١٣٣
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
١٣٤
-النساء

الميزان في تفسير القرآن

بيان
الكلام معطوف إلى ما في أول السورة من الآيات النازلة في أمر النساء من آيات الازدواج والتحريم والإِرث وغير ذلك، الذي يفيده السياق أن هذه الآيات إنما نزلت بعد تلك الآيات، وأن الناس كلموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمر النساء حينما نزلت آيات أول السورة فأحيت ما أماته الناس من حقوق النساء في الأموال والمعاشرات وغير ذلك.
فأمره الله سبحانه أن يجيبهم ان الذي قرَّره لهنَّ على الرجال من احكام إنما هو فتيا إلهية ليس له في ذلك من الأمر شيء، ولا ذاك وحده بل ما يتلى عليهم في الكتاب في يتامى النساء أيضاً حكم إلهي ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه شيء من الأمر، ولا ذاك وحده بل الله يأمرهم أن يقوموا في اليتامى بالقسط.
ثم ذكر شيئاً من أحكام الاختلاف بين المرأة وبعلها يعم به البلوى.
قوله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهنَّ} قال الراغب: الفُتيا والفتوى الجواب عمَّا يشكل من الأحكام، ويقال: استفتيته فأفتاني بكذا (انتهى).
والمحصّل من موارد استعماله أنه جواب الانسان عن الأمور المشكلة بما يراه باجتهاد من نظره أو هو نفس ما يراه فيما يشكل بحسب النظر البدائي الساذج كما يفيده نسبة الفتوى إليه تعالى.
والآية وإن احتملت معاني شتى مختلفة بالنظر الى ما ذكروه من مختلف الوجوه في تركيب ما يتلوها من قوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} (الخ) إلا أن ضم الآية إلى الآيات الناظرة في أمر النساء في أول السورة يشهد بأن هذه الآية إنما نزلت بعد تلك.
ولازم ذلك أن يكون استفتاؤهم في النساء في عامَّة ما أحدثه الاسلام وأبدعه من أحكامهنَّ مما لم يكن معهوداً معروفاً عندهم في الجاهلية، وليس إلا ما يتعلق بحقوق النساء في الارث والازدواج دون أحكام يتاماهن وغير ذلك مما يختص بطائفة منهن دون جميعهن فإن هذا المعنى إنما يتكفَّله قوله {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} الخ فالاستفتاء إنما كان في ما يعم النساء بما هن نساء من أحكام الإِرث.
وعلى هذا فالمراد بما أفتاه الله فيهن في قوله {قل الله يفتيكم فيهن} ما بيَّنه تعالى في آيات أول السورة، ويفيد الكلام حينئذ ارجاع أمر الفتوى إلى الله سبحانه وصرفه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: يسألونك ان تفتيهم في امرهن قل: الفتوى إلى الله وقد أفتاكم فيهن بما افتى فيما أنزل من آيات أول السورة.
قوله تعالى: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} إلى قوله: {والمستضعفين من الولدان} تقدّم أن ظاهر السياق أن حكم يتامى النساء والمستضعفين من الولدان إنما تعرض له لاتّصاله بحكم النساء كما وقع في آيات صدر السورة لا لكونه داخلاً فيما استفتوا عنه، وأنهم إنما استفتوا في النساء فحسب.
ولازمه أن يكون قوله {وما يتلى عليكم}، معطوفاً على الضمير المجرور في قوله {فيهنّ} على ما جوَّزه الفراء وإن منع عنه جمهور النحاة، وعلى هذا يكون المراد من قوله {ما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} (الخ) الأحكام والمعاني التي تتضمّنها الآيات النازلة في يتامى النساء والولدان، المودعة في أول السورة. والتلاوة كما يطلق على اللفظ يطلق على المعنى إذا كان تحت اللفظ، والمعنى: قل الله يفتيكم في الأحكام التي تتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء.
وربما يظهر من بعضهم أنه يعطف قوله {وما يتلى عليكم}، على موضع قوله {فيهنّ} بعناية أن المراد بالافتاء هو التبيين، والمعنى: قل الله يبين لكم ما يتلى عليكم في الكتاب.
وربما ذكروا للكلام تراكيب اخر لا تخلو عن تعسف لا يرتكب في كلامه تعالى مثله كقول بعضهم: إن قوله {وما يتلى عليكم} معطوف على موضع اسم الجلالة في قوله {قل الله} أو على ضمير المستكنّ في قوله {يفتيكم}، وقول بعضهم: إنه معطوف على {النساء} في قوله {في النساء}، وقول بعضهم: إن الواو في قوله {وما يتلى عليكم في الكتاب} للاستئناف، والجملة مستأنفة، و {ما يتلى عليكم} مبتدأ خبره قوله: {في الكتاب} والكلام مسوق للتعظيم، وقول بعضهم إن الواو في قوله {وما يتلى عليكم} للقسم، ويكون قوله {في يتامى النساء} بدلاً من قوله {فيهنَّ} والمعنى: قل الله يفتيكم - أُقسم بما يتلى عليكم في الكتاب - في يتامى النساء (الخ) ولا يخفى ما في جميع هذه الوجوه من التعسّف الظاهر.
وأما قوله: {اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} فوصف ليتامى النساء، وفيه إشارة إلى نوع حرمانهنّ، الذي هو السبب لتشريع ما شرَّع الله تعالى لهن من الأحكام فألغى السنّة الجائرة الجارية عليهن، ورفع الحرج بذلك عنهن، وذلك انهم كانوا يأخذون إليهم يتامى النساء وأموالهن فإن كانت ذات جمال وحسن تزوجوا بها فاستمتعوا من جمالها ومالها، وإن كانت شوهاء دميمة لم يتزوجوا بها وعضلوها عن التزوُّج بالغير طعماً في مالها.
ومن هنا يظهر (أولاً): أن المراد بقوله {ما كتب لهن} هو الكتابة التكوينيّة وهو التقدير الإلهي فإن الصنع والإيجاد هو الذي يخدّ للإنسان سبيل الحياة فيعين له أن يتزوج إذا بلغ مبلغه، وأن يتصرَّف حراً في ماله من المال والقنية، فمنعه من الازدواج والتصرف في مال نفسه منع له مما كتب الله له في خلقه هذه الخلقة.
و (ثانياً): أن الجارّ المحذوف في قوله {أن تنكحوهنّ} هو لفظة "عن" والمراد الرغبة عن نكاحهن، والإعراض عنهن لا الرغبة في نكاحهن فإن التعرّض لذكر الرغبة عنهن هو الأنسب للإشارة إلى حرمانهن على ما يدل عليه قوله قبله {لا تؤتونهن ما كتب لهن}، وقوله بعده {والمستضعفين من الولدان}.
وأما قوله {والمستضعفين من الولدان} فمعطوف على قوله {يتامى النساء} وقد كانوا يستضعفون الولدان من اليتامى، ويحرمونهم من الإرث معتذرين بأنهم لا يركبون الخيل، ولا يدفعون عن الحريم.
قوله تعالى: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} معطوف على محل قوله {فيهن} والمعنى: قل الله يفتيكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، وهذا بمنزلة الإضراب عن الحكم الخاص إلى ما هو أعم منه أعني الانتقال من حكم بعض يتامى النساء والولدان إلى حكم مطلق اليتيم في ماله وغير ماله.
قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً} تذكرة لهم بأن ما عزم الله عليهم في النساء وفي اليتامى من الأحكام فيه خيرهم، وأن الله عليم به لتكون ترغيباً لهم في العمل به لأن خيرهم فيه، وتحذيراً عن مخالفته لأن الله عليم بما يعملون.
قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً}، حكم خارج عما استفتوا فيه لكنه متَّصل به بالمناسبة نظير الحكم المذكور في الآية التالية {ولن تستطيعوا أن تعدلوا}.
وإنما اعتبر خوف النشوز والإعراض دون نفس تحققهما لأن الصلح يتحقق موضوعه من حين تحقق العلائم والآثار المعقبة للخوف، والسياق يدل على أن المراد بالصلح هو الصلح بغض المرأة عن بعض حقوقها في الزوجية أو جميعها لجلب الأنس والألفة والموافقة، والتحفظ عن وقوع المفارقة، والصلح خير.
وقوله: {وأُحضرت الأنفس الشحّ} الشح هو البخل، معناه: أن الشح من الغرائز النفسانية التي جبلها الله عليها لتحفظ به منافعها، وتصونها عن الضيعة فما لكل نفس من الشح هو حاضر عندها، فالمرأة تبخل بمالها من الحقوق في الزوجية كالكسوة والنفقة والفراش والوقاع، والرجل يبخل بالموافقة والميل إذا احب المفارقة، وكره المعاشرة، ولا جناح عليهما حينئذ أن يصلحا ما بينهما بإغماض احدهما أو كليهما عن بعض حقوقه.
ثم قال تعالى: {وأن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} وهو موعظة للرجال أن لا يتعدوا طريق الاحسان والتقوى وليتذكروا أن الله خبير بما يعملونه، ولا يحيفوا في المعاشرة، ولا يكرهوهنّ على الغاء حقوقهن الحقة وان كان لهن ذلك.
قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} بيان الحكم العدل بين النساء الذي شرّع لهن على الرجال في قوله تعالى في أول السورة
{ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة } [النساء: 3] وكذا يومي إليه قوله في الآية السابقة {وأن تحسنوا وتتقوا} (الخ) فإنه لا يخلو من شوب تهديد، وهو يوجب الحيرة في تشخيص حقيقة العدل بينهن، والعدل هو الوسط بين الافراط والتفريط، ومن الصعب المستصعب تشخيصه، وخاصة من حيث تعلق القلوب تعلق الحب بهن فإن الحب القلبي مما لا يتطرق إليه الاختيار دائماً.
فبيَّن تعالى أن العدل بين النساء بحقيقة معناه، وهو اتخاذ حاق الوسط حقيقة مما لا يستطاع للإنسان ولو حرص عليه، وإنما الذي يجب على الرجل أن لا يميل كل الميل إلى أحد الطرفين وخاصة طرف التفريط فيذر المرأة كالمعلّقة لا هي ذات زوج فتستفيد من زوجها، ولا هي أرملة فتتزوج أو تذهب لشأنها.
فالواجب على الرجل من العدل بين النساء أن يسوي بينهن عملاً بإيتائهن حقوقهن من غير تطرف، والمندوب عليه أن يحسن إليهن ولا يظهر الكراهة لمعاشرتهن ولا يسيء إليهن خلقاً، وكذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا الذيل أعني قوله: {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} هو الدليل على أن ليس المراد بقوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} نفي مطلق العدل حتى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى {وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} (الآية) إلغاء تعدد الأزواج في الاسلام كما قيل.
وذلك أن الذيل يدل على أن المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرّف أصلاً بلزوم حاق الوسط حقيقة، وأن المشرَّع هو العدل التقريبي عملاً من غير تحرج.
على أن السنّة النبوية ورواج الأمر بمرأى ومسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسيرة المتصلة بين المسلمين يدفع هذا التوهم.
على أن صرف قوله تعالى في أول آية تعدد الأزواج
{ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } } [النساء: 3] إلى مجرد الفرض العقلي الخالي عن المصداق ليس إلا تعمية يجل عنها كلامه سبحانه.
ثم قوله {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً} تأكيد وترغيب للرجال في الإصلاح عند بروز امارات الكراهة والخلاف ببيان أنه من التقوى، والتقوى يستتبع المغفرة والرحمة، وهذا بعد قوله: {والصلح خير}، وقوله {وإن تحسنوا وتتقوا}، تأكيد على تأكيد.
قوله تعالى: {وإن يتفرّقا يغن الله كلا من سعته}، أي وإن تفرق الرجل والمرأة بطلاق يغن الله كلاً منهما بسعته، والإغناء بقرينة المقام إغناء في جميع ما يتعلق بالازدواج من الائتلاف والاستئناف والمس وكسوة الزوجة ونفقتها فإن الله لم يخلق أحد هذين الزوجين للآخر حتى لو تفرقا لم يوجد للواحد منهما زوج مدى حياته بل هذه السنة سنّة فطرية فاشية بين أفراد هذا النوع يميل إليها كل فرد بحسب فطرته.
وقوله: {وكان الله واسعاً حكيماً ولله ما في السماوات وما في الأرض} تعليل للحكم المذكور في قوله {يغن الله كلاً من سعته}.
قوله تعالى: {ولقد وصّينا الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}، تأكيد في دعوتهم إلى مراعاة صفة التقوى في جميع مراحل المعاشرة الزوجية، وفي كل حال، وأن في تركه كفراً بنعمة الله بناء على أن التقوى الذي يحصل بطاعة الله ليس إلا شكراً لأنعمه، أو أن ترك تقوى الله تعالى لا منشأ له إلا الكفر إما كفر ظاهر كما في الكفار والمشركين، أو كفر مستكن مستبطن كما في الفساق من المؤمنين.
وبهذا الذي بيناه يظهر معنى قوله {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض}، أي إن لم تحفظوا ما وصينا به إياكم والذين من قبلكم وأضعتم هذه الوصية ولم تتقوا وهو كفر بالله، أو عن كفر بالله فإن ذلك لا يضر الله سبحانه إذ لا حاجة له إليكم وإلى تقواكم، وله ما في السماوات والأرض، وكان الله غنياً حميداً.
فإن قلت: ما وجه تكرار قوله {لله ما في السماوات وما في الأرض}؟ فقد أُورد ثلاث مرات.
قلت: أما الأول فإنه تعليل لقوله {وكان الله واسعاً حكيماً}، وأما الثاني فإنه واقع موقع جواب الشرط في قوله {فإن تكفروا}، والتقدير: وإن تكفروا فإنه غني عنكم، وتعليل للجواب وقد ظهر في قوله {وكان الله غنياً حميداً}.
وأما الثالث فإنه استئناف وتعليل بوجه لقوله {إن يشأ}.
قوله تعالى {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً} قد مر بيان معنى ملكه تعالى مكرراً، وهو تعالى وكيل يقوم بأمور عباده وشؤونهم وكفى به وكيلاً لا يحتاج فيه إلى اعتضاد واسعاد، فلو لم يرتض أعمال قوم وأسخطه جريان الأمر بأيديهم أمكنه أن يذهب بهم ويأتي بآخرين، أو يؤخرهم ويقدم آخرين، وبهذا المعنى الذي يؤيده بل يدل عليه السياق يرتبط بما في هذه الآية قوله في الآية التالية {إن يشأ يذهبكم أيها الناس}.
قوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين}، السياق وهو الدعوة إلى ملازمة التقوى الذي أوصى الله به هذه الأمة ومن قبلهم من أهل الكتاب يدل على أن اظهار الاستغناء وعدم الحاجة المدلول عليه بقوله {إن يشأ}، إنما هو في أمر التقوى.
والمعنى أن الله وصاكم جميعاً بملازمة التقوى فاتقوه، وان كفرتم فإنه غني عنكم، وهو المالك لكل شيء المتصرف فيه كيفما شاء ولما شاء إن يشأ أن يعبد ويتقى ولم تقوموا بذلك حق القيام فهو قادر أن يؤخركم ويقدم آخرين يقومون لما يحبه ويرتضيه، وكان الله على ذلك قديراً.
وعلى هذا فالآية ناظرة إلى تبديل الناس إن كانوا غير متقين بآخرين من الناس يتقون الله، وقد روي أن الآية لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على ظهر سلمان وقال: انهم قوم هذا. وهو يؤيد هذا المعنى، وعليك بالتدبر فيه.
وأما ما احتمله بعض المفسرين. أن المعنى: إن يشأ يفنكم ويوجد قوماً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين مكان الإنس، فمعنى بعيد عن السياق. نعم، لا بأس به في مثل قوله تعالى:
{ ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز } [إبراهيم: 19 - 20]. قوله تعالى: {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً} بيان آخر يوضح خطأ من يترك تقوى الله ويضيع وصيته بأنه ان فعل ذلك ابتغاء ثواب الدنيا ومغنمها فقد اشتبه عليه الأمر فإن ثواب الدنيا والآخرة معاً عند الله وبيده، فماله يقصر نظره بأخس الأمرين ولا يطلب اشرفهما أو اياهما جميعاً؟ كذا قيل.
والأظهر أن يكون المراد - والله أعلم - أن ثواب الدنيا والآخرة وسعادتهما معاً إنما هو عند الله سبحانه فليتقرب إليه حتى من أراد ثواب الدنيا وسعادتها فإن السعادة لا توجد للإنسان في غير تقوى الله الحاصل بدينه الذي شرعه له فليس الدين إلا طريق السعادة الحقيقية، فكيف ينال نائل ثواباً من غير إيتائه تعالى وإفاضته من عنده وكان الله سميعاً بصيراً.
(بحث روائي)
في الدر المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، لا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء فانتظروا، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد، ثم قالوا: سلوا فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} - في أول السورة - {في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} (الحديث).
وفيه: أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها، وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثوها فأنزل الله هذا.
أقول: وهذه المعاني مروية بطرق كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة، وقد مر بعضها في أوائل السورة.
وفي المجمع في قوله تعالى {لا تؤتونهن ما كتب لهن} (الآية): ما كتب لهن من الميراث، قال: وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً} (الآية): نزلت في بنت محمد بن مسلمة كانت امرأة رافع بن خديج، وكانت امرأة قد دخلت في السن، وتزوج عليها امرأة شابة وكانت أعجب إليه من بنت محمد بن مسلمة فقالت له بنت محمد بن مسلمة: ألا أراك معرضاً عني مؤثراً علي؟ فقال رافع: هي امرأة شابة، وهي أعجب إلي فإن شئت أقررت على أن لها يومين أو ثلاثاً مني ولكِ يوم واحد فأبت بنت محمد بن مسلمة أن ترضى فطلقها تطليقة ثم طلقها أخرى فقالت: لا والله لا أرضى أو تسوي بيني وبينها يقول الله: {وأُحضرت الأنفس الشح} وابنة محمد لم تطلب نفسها بنصيبها، وشحَّت عليه، فأعرض عليها رافع إما أن ترضى، وإما أن يطلقها الثالثة فشحت على زوجها ورضيت فصالحته على ما ذكرت فقال الله: {ولا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير} فلما رضيت واستقرت لم يستطع أن يعدل بينهما فنزلت: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} أن يأتي واحدة، ويذَر الاخرى لا أيِّم ولا ذات بعل وهذه السنة فيما كان كذلك إذا أقرت المرأة ورضيت على ما صالحها عليه زوجها، فلا جناح على الزوج ولا على المرأة، وإن أبت هي طلقها أو تساوى بينهما لا يسعه إلا ذلك.
أقول: ورواها في الدر المنثور عن مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم - وصحّحه - باختصار.
وفي الدر المنثور: أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو الرجل عنده امرأتان فتكون احداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به فإن رجعت سوى بينهما.
وفي الكافي بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها فيقول لها: إني اريد أن اطلقك. فتقول له: لا تفعل إني اكره أن تشمت بي ولكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت، وما كان سوى ذلك من شيء فهو لك، ودعني على حالتي فهو قوله تبارك وتعالى {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً} وهذا هو الصلح.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أُخر رواها في الكافي وتفسير العياشي.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى {وأُحضرت الأنفس الشح} قال: قال: أُحضرت الشح فمنها ما اختارته، ومنها ما لم تختره.
وفي تفسير العياشي عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} قال: في المودة.
وفي الكافي بإسناده عن نوح بن شعيب ومحمد بن الحسن قال: سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم، قال له: أليس الله حكيماً؟ قال: بلى هو أحكم الحاكمين قال: فأخبرني عن قوله {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة} أليس هذا فرض؟ قال: بلى، قال: فأخبرني عن قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلّقة} أي حكيم يتكلم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب.
فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله عليه السلام، فقال: في غير وقت حج ولا عمرة؟ قال: نعم جعلت فداك لأمر أهمّني إن ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء، قال: وما هي؟ قال: فأخبره بالقصة.
فقال له أبو عبد الله عليه السلام أما قوله عزّ وجلّ {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة} يعني في النفقة، وأما قوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} يعني في المودة.
قال: فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب وأخبره قال: والله ما هذا من عندك.
أقول: وروي أيضاً نظير الحديث عن القمي أنه سأل بعض الزنادقة أبا جعفر الأحول عن المسألة بعينها فسافر إلى المدينة فسأل أبا عبد الله عليه السلام عنها، فأجابه بمثل الجواب فرجع أبو جعفر إلى الرجل فأخبره فقال: هذا حملته من الحجاز.
وفي المجمع في قوله تعالى {فتذروها كالمعلقة} أي تذرون التي لا تميلون إليها كالتي هي لاذات زوج ولا أيِّم. قال: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.
وفيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقسم بين نسائه ويقول:
"اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"
]. أقول: ورواه الجمهور بعدّة طرق والمراد بقوله "ما تملك ولا أملك" المحبة القلبية لكن الرواية لا تخلو عن شيء فإن الله أجلّ من أن يلوم أحداً في ما لا يملكه أصلاً وقد قال تعالى: { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } }.[البقرة: 286] والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أعرف بمقام ربه من أن يسأله أن يوجد ما هو موجود.
وفي الكافي مسنداً عن ابن أبي ليلى قال: حدّثني عاصم بن حميد قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه رجل فشكا إليه الحاجة فأمره بالتزويج قال: فاشتدّت به الحاجة فأتى أبا عبد الله عليه السلام فسأله عن حاله فقال: اشتدت بي الحاجة قال: فارق. ففارق قال: ثم أتاه فسأله عن حاله فقال: أثريت وحسن حالي فقال أبو عبد الله عليه السلام: إني أمرتك بأمرين أمر الله بهما قال الله عزّ وجلّ: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم - إلى قوله - والله واسع عليم} وقال: {وإن يتفرَّقا يغن الله كلاّ من سعته}.