التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ
٢
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٣
بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
٤
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ
٥
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ
٦
ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٨
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٩
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ
١٠
ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ
١١
فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
١٢
-فصلت

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تتكلم السورة حول إعراضهم عن الكتاب المنزل عليهم وهو القرآن الكريم فهو الغرض الأصلي ولذلك ترى طائف الكلام يطوف حوله ويبتدئ به ثم يعود إليه فصلاً بعد فصل فقد افتتح بقوله: {تنزيل من الرحمن الرحيم} الخ ثم قيل: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن} الخ، وقيل: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} الخ، وقيل: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} الخ، وقيل - وهو في خاتمة الكلام -: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به} الخ.
ولازم إعراضهم عن كتاب الله إنكار الأصول الثلاثة التي هي أساس دعوته الحقة وهي الوحدانية والنبوة والمعاد فبسطت الكلام فيها وضمنته التبشير والإِنذار.
والسورة مكية لشهادة مضامين آياتها على ذلك وهي من السور النازلة في أوائل البعثة على ما يستفاد من الروايات.
قوله تعالى: {حم تنزيل من الرحمن الرحيم} خبر مبتدأ محذوف، والمصدر بمعنى المفعول، والتقدير هذا منزل من الرحمن الرحيم، والتعرض للصفتين الكريمتين: الرحمن الدال على الرحمة العامة للمؤمن والكافر، والرحيم الدال على الرحمة الخاصة بالمؤمنين للإِشارة إلى أن هذا التنزيل يصلح للناس دنياهم كما يصلح لهم آخرتهم.
قوله تعالى: {كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون} خبر بعد خبر، والتفصيل يقابل الإِحكام والإِجمال، والمراد بتفصيل آيات القرآن تمييز أبعاضه بعضها من بعض بإنزاله إلى مرتبة البيان بحيث يتمكن السامع العارف بأساليب البيان من فهم معانيه وتعقل مقاصده وإلى هذا يشير قوله تعالى:
{ كتاب أُحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } [هود: 1]، وقوله: { والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } [الزخرف: 2 - 4]. وقوله: {قرآناً عربياً} حال من الكتاب أو من آياته، وقوله: {لقوم يعلمون} اللام للتعليل أو للاختصاص، ومفعول {يعلمون} إما محذوف والتقدير لقوم يعلمون معانيه لكونهم عارفين باللسان الذي نزّل به وهم العرب وإما متروك والمعنى لقوم لهم علم.
ولازم المعنى الأول أن يكون هناك عناية خاصة بالعرب في نزول القرآن عربياً وهو الذي يشعر به أيضاً قوله الآتي: {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي} الآية وقريب منه قوله:
{ ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به يؤمنون } [الشعراء: 198 - 199]. ولا ينافي ذلك عموم دعوته صلى الله عليه وآله وسلم لعامة البشر لأن دعوته صلى الله عليه وآله وسلم كانت مرتبة على مراحل فأول ما دعا دعا الناس بالموسم فقوبل بإنكار شديد منهم ثم كان يدعو بعد ذلك سراً مدة ثم أمر بدعوة عشيرته الأقربين كما يشير إليه قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] ثم أُمر بدعوة قومه كما يشير إليه قوله: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } [الحجر: 94] ثم أُمر بدعوة الناس عامة كما يشير إليه قوله: { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً } [الأعراف: 158]، وقوله: { وأُوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } [الأنعام: 9]. على أن من المسلّم تاريخاً أنه كان من المؤمنين به سلمان وكان فارسياً، وبلال وكان حبشياً، وصهيب وكان رومياً، ودعوته لليهود ووقائعه صلى الله عليه وآله وسلم معهم، وكذا كتابه إلى ملك إيران ومصر وحبشة والروم في دعوتهم إلى الإِسلام كل ذلك دليل على عموم الدعوة.
قوله تعالى: {بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} بشيراً ونذيراً, حالان من الكتاب في الآية السابقة، والمراد بالسمع المنفي سمع القبول كما يدل عليه قرينة الإِعراض.
قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} إلى آخر الآية. قال الراغب: الكن ما يحفظ فيه الشيء. قال: الكنان الغطاء الذي يكن فيه الشيء والجمع أكنة نحو غطاء وأغطية قال تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه}. انتهى.
فقوله: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} كناية عن كون قلوبهم بحيث لا تفقه ما يدعو صلى الله عليه وآله وسلم إليه من التوحيد كأنها مغطاة بأغطية لا يتطرق إليها شيء من خارج.
وقوله: {وفي آذاننا وقر} أي ثقل من الصمم فلا تسمع شيئاً من هذه الدعوة، وقوله: {ومن بيننا وبينك حجاب} أي حاجز يحجزنا منك فلا نجتمع معك على شيء مما تريد فقد أيأسوه صلى الله عليه وآله وسلم من قبول دعوته بما أخبروه أولاً بكون قلوبهم في أكنة فلا تقع فيها دعوته حتى يفقهوها، وثانياً بكون طرق ورودها إلى القلوب وهي الآذان مسدودة فلا تلجها دعوة ولا ينفذ منها إنذار وتبشير، وثالثاً بأن بينهم وبينه صلى الله عليه وآله وسلم حجاباً مضروباً لا يجمعهم معه جامع وفيه تمام الإِيئاس.
وقوله: {فاعمل إننا عاملون} تفريع على ما سبق، ولا يخلو من شوب تهديد، وعليه فالمعنى إذا كان لا سبيل إلى التفاهم بيننا فاعمل بما يمكنك العمل به في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك.
وقيل: المعنى فاعمل على دينك فإننا عاملون على ديننا، وقيل: المعنى فاعمل في هلاكنا فإننا عاملون في هلاكك، ولا يخلوان من بعد.
قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أَنَّمَا إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه} في مقام الجواب عن قولهم: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} على ما يعطيه السياق فمحصله قل لهم: إنما أنا بشر مثلكم أُعاشركم كما يعاشر بعضكم بعضاً وأُكلمكم كما يكلم أحدكم صاحبه فلست من جنس يباينكم كالملك حتى يكون بيني وبينكم حجاب مضروب أو لا ينفذ كلامي في آذانكم أو لا يرد قولي في قلوبكم غير أن الذي أقول لكم وأدعوكم إليه وحي يوحى إليّ وهو أنما إلهكم الذي يستحق أن تعبدوه إله واحد لا آلهة متفرقون.
وقوله: {فاستقيموا إليه واستغفروه} أي فإذا لم يكن إلا إلهاً واحداً لا شريك له فاستووا إليه بتوحيده ونفي الشركاء عنه واستغفروه فيما صدر عنكم من الشرك والذنوب.
قوله تعالى: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} تهديد للمشركين الذين يثبتون لله شركاء ولا يوحدونه، وقد وصفهم من أخص صفاتهم بصفتين هما عدم إيتائهم الزكاة وكفرهم بالآخرة.
والمراد بإيتاء الزكاة مطلق إنفاق المال للفقراء والمساكين لوجه الله فإن الزكاة بمعنى الصدقة الواجبة في الإِسلام لم تكن شرعت بعد عند نزول السورة وهي من أقدم السور المكية.
وقيل: المراد بإيتاء الزكاة تزكية النفس وتطهيرها من أوساخ الذنوب وقذارتها وإنماؤها نماء طيباً بعبادة الله سبحانه، وهو حسن لو حسن إطلاق إيتاء الزكاة على ذلك.
وقوله: {وهم بالآخرة هم كافرون} وصف آخر للمشركين هو من لوازم مذهبهم وهو إنكار المعاد، ولذلك أتى بضمير الفصل ليفيد أنهم معروفون بالكفر بالآخرة.
قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} أي غير مقطوع بل متصل دائم كما فسره بعضهم، وفسره آخرون بغير معدود كما قال تعالى:
{ يرزقون فيها بغير حساب } [غافر: 40]. وجوز أن يكون المراد أنه لا أذى فيه من المن الذي يكدر الصنيعة، ويمكن أن يوجه هذا الوجه بأن في تسمية ما يؤتونه بالأجر دلالة على ذلك لإِشعاره بالاستحقاق وإن كان هذا الاستحقاق بجعل من الله تعالى لا لهم من عند أنفسهم قال تعالى: { إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً } [الإنسان: 22]. قوله تعالى: {قل ءإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً} الآية. أمره ثانياً أن يستفهم عن كفرهم بالله بمعنى شركهم مع ظهور آيات وحدانية في خلق السماوات والأرض وتدبير أمرهما بعد ما أمره أولاً بدفع قولهم: {قلوبنا في أكنة} الخ.
والاستفهام للتعجيب ولذا أُكد المستفهم عنه بإن واللام كأن المستفهم لا يكاد يذعن بكفرهم بالله وقولهم بالأنداد مع ظهور المِحَجّة واستقامة الحجة.
وقوله: {وتجعلون له أنداداً} تفسير لقوله: {لتكفرون بالذي خلق الأرض} الخ، والأنداد جمع ند وهو المثل، والمراد بجعل الأنداد له اتخاذ شركاء له يماثلونه في الربوبية والألوهية.
وقوله: {ذلك رب العالمين} في الإِشارة بلفظ البعيد رفع لساحته تعالى وتنزيهه عن أمثال هذه الأوهام فهو رب العالمين المدبر لأمر الخلق أجمعين فلا مسوّغ لأن يتوهم ربّاً آخر سواه وإلهاً آخر غيره.
والمراد باليوم في قوله: {خلق الأرض في يومين} برهة من الزمان دون مصداق اليوم الذي نعهده ونحن على بسيط أرضنا هذه وهو مقدار حركة الكرة الأرضية حول نفسها مرة واحدة فإنه ظاهر الفساد، وإطلاق اليوم على قطعة من الزمان تحوي حادثة من الحوادث كثير الورود شائع الاستعمال، ومن ذلك قوله تعالى:
{ وتلك الأيام نداولها بين الناس } [آل عمران: 140]، وقوله: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } [يونس: 102]، وغير ذلك.
فاليومان اللذان خلق الله فيهما الأرض قطعتان من الزمان تم فيهما تكوّن الأرض أرضاً تامة، وفي عدهما يومين لا يوماً واحداً دليل على أن الأرض لاقت زمان تكونها الأوّلي مرحلتين متغايرتين كمرحلة النيء والنضج أو الذوبان والانعقاد أو نحو ذلك.
قوله تعالى: {وجعل فيها رواسي من فوقها} إلى آخر الآية. معطوف على قوله: {خلق الأرض في يومين} ولا ضير في تخلل الجملتين: {وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين} بين المعطوف والمعطوف عليه لأن الأولى تفسير لقوله: {لتكفرون} والثانية تقرير للتعجيب الذي يفيده الاستفهام.
والرواسي صفة لموصوف محذوف والتقدير جبالاً رواسي أي ثابتات على الأرض وضمائر التأنيث الخمس في الآية للأرض.
وقوله: {وبارك فيها} أي جعل فيها الخير الكثير الذي ينتفع به ما على الأرض من نبات وحيوان وإنسان في حياته أنواع الانتفاعات.
وقوله: {وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} قيل: الظرف أعني قوله: {في أربعة أيام} بتقدير مضاف وهو متعلق بقدّر، والتقدير قدر الأقوات في تتمة أربعة أيام من حين بدء الخلق - فيومان لخلق الأرض ويومان - وهما تتمة أربعة أيام - لتقدير الأقوات.
وقيل: متعلق بحصول الأقوات وتقدير المضاف على حاله، والتقدير قدّر حصول أقواتها في تتمة أربعة أيام - فيها خلق الأرض وأقواتها جميعاً-.
وقيل: متعلق بحصول جميع الأُمور المذكورة من جعل الرواسي من فوقها والمباركة فيها وتقدير أقواتها والتقدير وحصول ذلك كله في تتمة أربعة أيام وفيه حذف وتقدير كثير.
وجعل الزمخشري في الكشاف الظرف متعلقاً بخبر مبتدأ محذوفين من غير تقدير مضاف والتقدير كل ذلك كائن في أربعة أيام فيكون قوله: {في أربعة أيام} من قبيل الفذلكة كأنه قيل: خلق الأرض في يومين وأقواتها وغير ذلك في يومين فكل ذلك في أربعة أيام.
قالوا: وإنما لم يجز حمل الآية على أن جعل الرواسي وما ذكر عقيبه أو تقدير الأقوات في أربعة أيام لأن لازمه كون خلق الأرض وما فيها في ستة أيام وقد ذكر بعده أن السماوات خلقت في يومين فيكون المجموع ثمانية أيام وقد تكرر في كلامه تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام فهذا هو الوجه في حمل الآية على أحد الوجوه السابقة على ما فيها من ارتكاب الحذف والتقدير.
والإِنصاف أن الآية أعني قوله: {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} ظاهرة في غير ما ذكروه والقرائن الحافة بها تؤيد كون المراد بها تقدير أقواتها في الفصول الأربعة التي يكوّنها ميل الشمس الشمالي والجنوبي بحسب ظاهر الحس فالأيام الأربعة هي الفصول الأربعة.
والذي ذكر في هذه الآيات من أيام خلق السماوات والأرض أربعة أيام يومان لخلق الأرض ويومان لتسوية السماوات سبعاً بعد كونها دخاناً وأما أيام الأقوات فقد ذكرت أياماً لتقديرها لا لخلقها، وما تكرر في كلامه تعالى هو خلق السماوات والأرض في ستة أيام لا مجموع خلقها وتقدير أمرها فالحق أن الظرف قيد للجملة الأخيرة فقط ولا حذف ولا تقدير في الآية والمراد بيان تقدير أقوات الأرض وأرزاقها في الفصول الأربعة من السنة.
وقوله: {سواء للسائلين} مفعول مطلق لفعل مقدر أي استوت الأقوات المقدرة استواء للسائلين أو حال من الأقوات أي قدرها حال كونها مستوية للسائلين يقتاتون بها جميعاً وتكفيهم من دون زيادة أو نقيصة.
والسائلون هم أنواع النبات والحيوان والإِنسان فإنهم محتاجون في بقائهم إلى الأرزاق والأقوات فهم سائلون ربهم قال تعالى:
{ يسأله من في السماوات والأرض } [الرحمن: 29]، وقال: { وآتاكم من كل ما سألتموه } [إبراهيم: 34]. قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} الاستواء - على ما ذكره الراغب - إذا عدّي بعلى أفاد معنى الاستيلاء نحو الرحمن على العرش استوى، وإذا عدي بإلى أفاد معنى الانتهاء إليه.
وأيضاً في المفردات أن الكره بفتح الكاف المشقة التي تنال الإِنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكره بضم الكاف ما تناله من ذاته وهو يعافه.
فقوله: {ثم استوى إلى السماء} أي توجه إليها وقصدها بالخلق دون القصد المكاني الذي لا يتم إلا بانتقال القاصد من مكان إلى مكان ومن جهة إلى جهة لتنزهه تعالى عن ذلك.
وظاهر العطف بثم تأخر خلق السماوات عن الأرض لكن قيل: إن {ثم} لإِفادة التراخي بحسب الخبر لا بحسب الوجود والتحقق ويؤيده قوله تعالى: {أم السماء بناها} إلى أن قال {والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها} فإنه يفيد تأخر الأرض عن السماء خلقاً.
والاعتراض عليه بأن مفاده تأخر دحو الأرض عن بناء السماء ودحوها غير خلقها مدفوع بأن الأرض كروية فليس دحوها وبسطها غير تسويتها كرة وهو خلقها على أنه تعالى أشار بعد ذكر دحو الأرض إلى إخراج مائها ومرعاها وإرساء جبالها وهذه بعينها جعل الرواسي من فوقها والمباركة فيها وتقدير أقواتها التي ذكرها في الآيات التي نحن فيها مع خلق الأرض وعطف عليها خلق السماء بثم فلا مناص عن حمل ثم على غير التراخي الزماني فإن قوله في آية النازعات: {بعد ذلك} أظهر في التراخي الزماني من لفظة {ثم} فيه في آية حم السجدة والله أعلم.
وقوله: {وهي دخان} حال من السماء أي استوى إلى السماء بالخلق حال كونها شيئاً سماه الله دخاناً وهو مادتها التي ألبسها الصورة وقضاها سبع سماوات بعد ما لم تكن معدودة متميزاً بعضها من بعض، ولذا أفرد السماء فقال: {استوى إلى السماء}.
وقوله: {فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً} تفريع على استوائه إلى السماء والمورد مورد التكوين بلا شك فقوله لها وللأرض: {ائتيا طوعاً أو كرهاً} كلمة إيجاد وأمر تكويني كقوله لشيء أراد وجوده: كن، قال تعالى:
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن } [يس: 82]. ومجموع قوله لهما: {ائتيا} الخ وقولهما له: {أتينا} الخ تمثيل لصفة الإِيجاد والتكوين على الفهم الساذج العرفي وحقيقة تحليلية بناء على ما يستفاد من كلامه تعالى من سراية العلم في الموجودات وكون تكليم كل شيء بحسب ما يناسب حاله، وقد أوردنا بعض الكلام فيه فيما تقدم من المباحث، وسيجيء شطر من الكلام فيه في تفسير قوله: {قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} الآية 21 من السورة إن شاء الله.
وقول بعضهم: إن المراد بقوله: {ائتيا} الخ أمرهما بإظهار ما فيهما من الآثار والمنافع دون الأمر بأن توجدا وتكوّنا مدفوع بأن تكوّن السماء مذكور فيما بعد ولا معنى لتقديم الأمر بإظهار الآثار والمنافع قبل ذكر التكون.
وفي قوله: {ائتيا طوعاً أو كرهاً} إيجاب الإِتيان عليهما وتخييرهما بين أن تفعلا ذلك بطوع أو كره، ولعل المراد بالطوع والكره - وهما بوجه قبول الفعل ونوع ملاءمة وعدمه - هو الاستعداد السابق للكون وعدمه فيكون قوله: {ائتيا طوعاً أو كرهاً} كناية عن وجوب إتيانهما بلا مناص وأنه أمر لا يتخلف البتة أرادتا أو كرهتا سألتاه أو لم تسألا فأجابتا أنهما يمتثلان الأمر عن استعداد سابق وقبول ذاتي وسؤال فطري إذ قالتا: أتينا طائعين.
وقول بعضهم: إن قوله: {طوعاً أو كرهاً} تمثيل لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما. مدفوع بقوله بعد: {قالتا أتينا طائعين} إذ لو كان الترديد المذكور تمثيلاً فقط من غير إثبات كما ذكره لم يكن لإِثبات الطوع في الجواب وجه.
وقوله: {قالتا أتينا طائعين} جواب السماء والأرض لخطابه تعالى باختيار الطوع، والتعبير باللفظ الخاص بأُولي العقل - طائعين - لمكان المخاطبة والجواب وهما من خواص أُولي العقل، والتعبير بلفظ الجمع دون أن تقولا: أتينا طائعتين لعله تواضع منهما بعدّ أنفسهما غير متميزة من سائر مخلوقاته تعالى المطيعة لأمره فأجابتا عن لسان الجميع، نظير ما قيل في قوله تعالى:
{ إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة: 5]. ثم إن تشريك الأرض مع السماء في خطاب {ائتيا} الخ مع ذكر خلقها وتدبير أمرها قبلاً لا يخلو من إشعار بأن بينهما نوع ارتباط في الوجود واتصال في النظام الجاري فيهما وهو كذلك فإن الفعل والانفعال والتأثير والتأثر دائر بين أجزاء العالم المشهود.
وفي قوله: {فقال لها وللأرض} تلويح على أي حال إلى كون {ثم} في قوله: {ثم استوى} للتراخي بحسب رتبة الكلام.
قوله تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها} الأصل في معنى القضاء فصل الأمر، وضمير {هن} للسماء على المعنى، و {سبع سماوات} حال من الضمير و {في يومين} متعلق بقضاهن فتفيد الجملة أن السماء لما استوى سبحانه إليها وهي دخان كان أمرها مبهماً غير مشخص من حيث فعلية الوجود ففصل تعالى أمرها بجعلها سبع سماوات في يومين.
وقيل: إن القضاء في الآية مضمّن معنى التصيير و {سبع سماوات} مفعوله الثاني، وقيل فيها وجوه أُخر لا يهمنا إيرادها.
والآية وما قبلها ناظرة إلى تفصيل ما أُجمل في قوله:
{ أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما } [الأنبياء: 30]. وقوله: {وأوحى في كل سماء أمرها} قيل: المراد بأمر السماء ما تستعد له أو تقتضيه الحكمة فيها من وجود ملك أو كوكب وما أشبه ذلك، والوحي هو الخلق والإِيجاد، والجملة معطوفة على قوله: {قضاهن} مقيدة بالوقت المذكور للمعطوف عليه، والمعنى وخلق في كل سماء ما فيها من الملائكة والكواكب وغيرها.
وأنت خبير بأن إرادة الخلق من الوحي وأمثال الملك والكوكب من الأمر تحتاج إلى عناية زائدة لا تثبت إلا بدليل بيّن، وكذا تقيد الجملة المعطوفة بالوقت المذكور في المعطوف عليها.
وقيل: المراد بالأمر التكليف الإِلهي المتوجه إلى أهل كل سماء من الملائكة والوحي بمعناه المعروف والمعنى وأوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم به من العبادة.
وفيه أن ظاهر الآية وقد قال تعالى: {في كل سماء} ولم يقل: إلى كل سماء لا يوافقه تلك الموافقة.
وقيل: المراد بأمرها ما أراده الله منها، وهذا الوجه في الحقيقة راجع إلى أحد الوجهين السابقين فإن أُريد بالوحي الخلق والإِيجاد رجع إلى أول الوجهين وإن أريد به معناه المعروف رجع إلى ثانيهما.
والذي وقع في كلامه تعالى من الأمر المتعلق بوجه بالسماء يلوّح إلى معنى أدق مما ذكروه فقد قال تعالى:
{ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه } [السجدة: 5]، وقال: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزّل الأمر بينهن } [الطلاق: 12]، وقال: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } [المؤمنون: 17]. دلت الآية الأولى: على أن السماء مبدأ لأمره تعالى النازل إلى الأرض بوجه, والثانية: على أن الأمر يتنزل بين السماوات من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى الأرض، والثالثة: على أن السماوات طرائق لسلوك الأمر من عند ذي العرش أو لسلوك الملائكة الحاملين الأمر إلى الأرض كما يشير إليه قوله: { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } [القدر: 4]، وقوله: { فيها يفرق كل أمر حكيم } [الدخان: 4]. ولو كان المراد بالأمر أمره تعالى التكويني وهو كلمة الإِيجاد كما يستفاد من قوله: { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن } [يس: 82]، أفادت الآيات بانضمام بعضها إلى بعض أن الأمر الإِلهي الذي مضيه في العالم الأرضي هو خلق الأشياء وحدوث الحوادث تحمله الملائكة من عند ذي العرش تعالى وتسلك في تنزيله طرق السماوات فتنزله من سماء إلى سماء حتى تنتهي به إلى الأرض.
وإنما تحمله ملائكة كل سماء إلى من دونهم كما يستفاد من قوله:
{ حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير } [سبأ: 23] وقد تقدم الكلام فيه والسماوات مساكن الملائكة كما يستفاد من قوله: { وكم من ملك في السماوات } [النجم: 26]، وقوله: { لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب } [الصافات: 8]. فللأمر نسبة إلى كل سماء باعتبار الملائكة الساكنين فيها، ونسبة إلى كل قبيل من الملائكة الحاملين له باعتبار تحميله لهم وهو وحيه إليهم فإن الله سبحانه سماه قولاً كما قال: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن } [النحل: 40]. فتحصّل بما مر أن معنى قوله: {وأوحى في كل سماء أمرها} أوحى في كل سماء إلى أهلها من الملائكة الأمر الإِلهي. المنسوب إلى تلك السماء المتعلق بها، وأما كون اليومين المذكورين في الآية ظرفاً لهذا الوحي كما هما ظرف لخلق السماوات سبعاً فلا دليل عليه من لفظ الآية.
قوله تعالى: {وزينّا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم} توصيف هذه السماء بالدنيا للدلالة على أنها أقرب السماوات من الأرض وهي طباق بعضها فوق بعض كما قال:
{ خلق سبع سماوات طباقاً } [نوح: 15]. والظاهر من معنى تزيينها بمصابيح وهي الكواكب كما قال: { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } [الصافات: 6] أن الكواكب في السماء الدنيا أو دونها كالقناديل المعلقة ولو كانت متفرقة في جميع السماوات من غير حجب بعضها بعضاً لكون السماوات شفافة كما قيل كانت زينة لجميعها ولم تختص الزينة ببعضها كما يفيده السياق فلا وجه لقول القائل: إنها في الجميع لكن لكونها ترى متلألئة على السماء الدنيا عدّت زينة لها.
وأما قوله:
{ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً } [نوح: 15 - 16] فهو بالنسبة إلينا معاشر المستضيئين بالليل والنهار كقوله: { وجعلنا سراجاً وهاجاً } [النبأ: 13]. وقوله: {وحفظاً} أي وحفظناها من الشياطين حفظاً كما قال: { وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } [الحجر: 17 - 18]. وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم} إشارة إلى ما تقدم من النظم والترتيب.
(كلام فيه تتميم)
قد تحصّل مما تقدم:
أولاً: أن المستفاد من ظاهر الآيات الكريمة - وليست بنص - أن السماء الدنيا من هذه السبع هي عالم النجوم والكواكب فوقنا.
وثانياً: أن هذه السماوات السبع المذكورة جميعاً من الخلق الجسماني فكأنها طبقات سبع متطابقة من عالم الأجسام أقربها منا عالم النجوم والكواكب، ولم يصف القرآن شيئاً من السماوات الست الباقية دون أن ذكر أنها طباق.
وثالثاً: أن ليس المراد بالسماوات السبع الأجرام العلوية أو خصوص بعضها كالشمس والقمر أو غيرهما.
ورابعاً: أن ما ورد من كون السماوات مساكن للملائكة وأنهم ينزلون منها بأمر الله حاملين له ويعرجون إليها بكتب الأعمال، وأن للسماء أبواباً لا تفتّح للكفار وأن الأشياء والأرزاق تنزل منها وغير ذلك مما تشير إليه متفرقات الآيات والروايات يكشف عن أن لهذه الأُمور نوع تعلّق بهذه السماوات لا كتعلق ما نراه من الأجسام بمحالها وأماكنها الجسمانية الموجبة لحكومة النظام المادي فيها وتسرب التغير والتبدل والدثور والفتور إليها.
وذلك أن من الضروري اليوم أن لهذه الأجرام العلوية كائنة ما كانت كينونة عنصرية جسمانية تجري فيها نظائر الأحكام والآثار الجارية في عالمنا الأرضي العنصري والنظام الذي يثبت للسماء وأهلها والأُمور الجارية فيها مما أشرنا إليه يباين هذا النظام العنصري المشهود. أضف إلى ذلك ما ورد أن الملائكة خلقوا من نور، وأن غذاءهم التسبيح، وما ورد من توصيف خلقهم، وما ورد في توصيف خلق السماوات وما خلق فيها إلى غير ذلك.
فللملائكة عوالم ملكوتية سبعة مترتبة سميت سماوات سبعاً ونسبت ما لها من الخواص والآثار إلى ظاهر هذه السماوات بلحاظ ما لها من العلو والإِحاطة بالنسبة إلى الأرض تسهيلاً للفهم الساذج.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: اجتمع قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة قالوا: أنت يا أبا الوليد.
فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع منك.
أما والله ما رأينا سلحة قط أشأم على قومك منك فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف يا أيها الرجل إن كان نما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً وإن كان نما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فرغت؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون} حتى بلغ {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}.
فقال عتبة: حسبك. ما عندك غير هذا؟ قال: لا فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا: فهل أجابك؟ قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال غير أنه قال: {أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة.
أقول: ورواه عن عدة من الكتب قريباً منه، وفي بعض الطرق قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله إني قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، والله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، وفي بعضها غير ذلك.
وفي تلاوته صلى الله عليه وآله وسلم آيات أول السورة على وليد بن المغيرة رواية أُخرى ستوافيك إن شاء الله في تفسير سورة المدّثر في ذيل قوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيداً} الآيات.
وفيه أخرج ابن جرير عن أبي بكر قال: جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السماوات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول ساعة الآجال وفي الثانية الآفة وفي الثالثة آدم. قالوا: صدقت إن تممت فعرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يريدون فغضب فأنزل الله {وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون}.
أقول: وروى ما يقرب منه عن ابن عباس وعبد الله بن سلام وعن عكرمة وغيره وقد ورد في بعض أخبار الشيعة، وقوله: قالوا: صدقت إن تممت أي تممت كلامك في الخلق بأن تقول: إنه تعالى فرغ من الخلق يوم السبت واستراح فيه.
والروايات لا تخلو من شيء:
أما أولاً: فمن جهة اشتمالها على تصديق اليهود ما ذكر فيها من ترتيب الخلق وهو مخالف لما ورد في أول سفر التكوين من التوراة مخالفة صريحة ففيها أنه خلق النور والظلمة - النهار والليل - يوم الأحد، وخلق السماء يوم الاثنين، وخلق الأرض والبحار والنبات يوم الثلاثاء وخلق الشمس والقمر والنجوم يوم الأربعاء وخلق دواب البحر والطير يوم الخميس، وخلق حيوان البر والإِنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم السبت واستراح فيه، والقول بأن التوراة الحاضرة غير ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ترى.
وأما ثانياً: فلأن اليوم من الأسبوع وهو نهار مع ليلته يتوقف في كينونته على حركة الأرض الوضعية دورة واحدة قبال الشمس فما معنى خلق الأرض في يومين ولم يخلق السماء والسماويات بعد ولا تمّت الأرض كرة متحركة؟ ونظير الإِشكال جار في خلق السماء والسماويات ومنها الشمس ولا يوم حيث لا شمس بعد.
وأما ثالثاً: فلأنه عد فيها يوم لخلق الجبال وقد جزم الفحص العلمي بأنها تخلق تدريجاً، ونظير الإِشكال جار في خلق المدائن والأنهار والأقوات.
وفي روضة الكافي بإسناده عن محمد بن عطية عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسباً يضاف إليه، وخلق الريح من الماء.
ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضاً بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا ثقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء.
ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا ثقب وذلك قوله: {والسماء بناها}.
أقول: وفي هذه المعنى بعض روايات أُخر، ويمكن تطبيق ما في الرواية وكذا مضامين الآيات على ما تسلمته الأبحاث العلمية اليوم في خلق العالم وهيئته غير أنّا تركنا ذلك احترازاً من تحديد الحقائق القرآنية بالأحداس والفرضيات العلمية ما دامت فرضية غير مقطوع بها من طريق البرهان العلمي.
وفي نهج البلاغة: فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد قائمات بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات، ولولا إقرارهن له بالربوبية، وإذعانهن له بالطواعية لما جعلهن موضعاً لعرشه، ولا مسكناً لملائكته ولا مصعداً للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه.
وفي كمال الدين بإسناده إلى فضيل الرسّان قال: كتب محمد بن إبراهيم إلى أبي عبد الله عليه السلام: أخبرنا ما فضلكم أهل البيت؟ فكتب إليه أبو عبد الله عليه السلام: إن الكواكب جعلت أماناً لأهل السماء فإذا ذهبت نجوم السماء جاء أهل السماء ما كانوا يوعدون، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"جعل أهل بيتي أماناً لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي جاء أُمتي ما كانوا يوعدون"
]. أقول: وورد هذا المعنى في غير واحد من الروايات.
وفي البحار عن كتاب الغارات بإسناده عن ابن نباتة قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام كم بين السماء والأرض؟ قال: مد البصر ودعوة المظلوم.
أقول: وهو من لطائف كلامه عليه السلام يشير به إلى ظاهر السماء وباطنها كما تقدم.