التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ
١٧
يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ
١٨
ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ
١٩
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
٢٠
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢١
تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ
٢٢
ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ
٢٣
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٢٤
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٢٥
وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
٢٦
-الشورى

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل رابع من الآيات يعرِّف الوحي الإِلهي بأن الدين النازل به كتاب مكتوب على الناس وميزان يوزن به أعمالهم فيجزون بذلك يوم القيامة، والجزاء الحسن من الرزق ثم يستطرد الكلام في ما يستقبلهم يوم القيامة من الثواب والعقاب، وفيها آية المودَّة في القربى وما يلحق بذلك.
قوله تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} الخ، كان مفتتح الفصول السابقة في سياق الفعل إخباراً عن الوحي وغرضه وآثاره {كذلك يوحي إليك} {وكذلك أوحينا إليك} {شرع لكم من الدين} وقد غيّر السياق في مفتتح هذا الفصل فجيء بالجملة الاسمية المتضمنة لتوصيفه تعالى بإنزال الكتاب والميزان {الله الذي أنزل الكتاب} الخ، ولازمه تعريف الوحي بنزول الكتاب والميزان به.
ولعل الوجه فيه ما تقدم في الآية السابقة من ذكر المحاجة في الله {والذين يحاجّون في الله} فاستدعى ذلك تعريفه تعالى للمحاجين فيه بأنه الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان، ولازمه تعريف الوحي بأثره كما عرفت.
وكيف كان فالمراد بالكتاب هو الوحي المشتمل على الشريعة والدين الحاكم في المجتمع البشري، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:
{ كان الناس أُمة واحدة } [البقرة: 213] الآية أن هذا المعنى هو المراد بالكتاب في الكتاب، وكون إنزاله بالحق نزوله مصاحباً للحق لا يخالطه اختلاف شيطاني ولا نفساني.
والميزان ما يوزن ويقدّر به الأشياء، والمراد به بقرينة ذيل الآية والآيات التالية هو الدين المشتمل عليه الكتاب حيث يوزن به العقائد والأعمال فتحاسب عليه ويجزى بحسبه الجزاء يوم القيامة فالميزان هو الدين بأصوله وفروعه، ويؤيده قوله تعالى:
{ { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } [الحديد: 25]، على ما هو ظاهر قوله: {معهم}.
وقيل: المراد به العدل وسُمِّي العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإِنصاف والتسوية بين الناس والعدل كذلك وأُيّد بسبق ذكر العدل في قوله: {وأُمرت لأعدل بينكم}. وفيه أنه لا شاهد يشهد عليه من اللفظ، وقد تقدم أن المراد بالعدل في {لأعدل} هو التسوية بين الناس في التبليغ وفي جريان الحكم دون عدل الحاكم والقاضي.
وقيل: المراد به الميزان المعروف المقدّر للأثقال. وهو كما ترى.
وقيل: المراد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويمكن إرجاعه إلى ما قدمناه من الوجه لأن النبي مصداق كامل ومثل أعلى للدين بأصوله وفروعه ولكل فرد من أُمته من الزنة الدينية قدر ما يشابهه ويماثله لكن لا يلائم هذا الوجه ما تقدم نقله آنفاً من آية سورة الحديد كثير ملاءمة.
وقوله: {وما يدريك لعل الساعة قريب} لما كان الميزان المشعر بالحساب والجزاء يومي إلى البعث والقيامة انتقل إلى الكلام فيه وإنذارهم بما يستقبلهم فيه من الأهوال والتبشير بما أُعدَّ فيه للصالحين.
والإِدراء الإِعلام، والمراد بالساعة - على ما قيل - إتيانها ولذا جيء بالخبر مذكراً، والمعنى: ما الذي يعلمك لعل إتيان الساعة قريب والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعنوان أنه سامع فيشمل كل من له أن يسمع ويعمّ الإِنذار والتخويف.
قوله تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها} الخ المراد استعجالهم استعجال سخرية واستهزاء وقد تكرر في القرآن نقل قولهم: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}.
والإِشفاق نوع من الخوف، قال الراغب: الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه، قال تعالى: {وهم من الساعة مشفقون} فإذا عدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر، قال تعالى: {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} {مشفقون منها} انتهى.
وقوله: {ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} المماراة الإِصرار على الجدال، والمراد إلحاحهم على إنكارها بالجدال، وإنما كانوا في ضلال بعيد لأنهم أخطأوا طريق الحياة التي إصابتها أهم ما يتصور للإِنسان فتوهموها حياة مقطوعة فانية انكبُّوا فيها على شهوات الدنيا وإنما هي حياة خالدة باقية يجب عليهم أن يتزوَّدوا من دنياهم لأخراهم لكنهم ضلوا عن سبيل الرشد فوقعوا في سبيل الغيّ.
قوله تعالى: {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز} في معنى اللطف شيء من الرفق وسهولة الفعل وشيء من الدقة في ما يقع عليه الفعل فإذا تمَّ الرفق والدقة وكان الفاعل يفعل برفق وسهولة ويقع فعله على الأمور الدقيقة كان لطيفاً كالهواء النافذ في منافذ الأجسام برفق وسهولة المماس لدقائق أجزائها الباطنة. وإذا ألقيت الخصوصيات المادية عن هذا المعنى صح أن يتصف به الله سبحانه فإنه تعالى ينال دقائق الأمور بإحاطته وعلمه ويفعل فيها ما يشاء برفق فهو لطيف.
وقد رتب الرزق في الآية على كونه تعالى لطيفاً بعباده قوياً عزيزاً دلالة على أنه تعالى بلطفه يغيب عنه أحد ممن يشاء أن يرزق ولا يعصيه وبقوته عليه لا يعجز عنه وبعزته لا يمنعه مانع عنه.
والمراد بالرزق ما يعمّ موهبة الدين الذي يتلبس بها من يشاء من عباده على ما يشهد به الآية التالية، ولذا أُلحق القول فيه بقوله: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}.
قوله تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} الخ، الحرث الزرع والمراد به نتيجة الأعمال التي يؤتاها الإِنسان في الآخرة على سبيل الاستعارة كأن الأعمال الصالحة بذور وما تنتجه في الآخرة حرث.
والمراد بالزيادة له في حرثه تكثير ثوابه ومضاعفته، قال تعالى:
{ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، وقال: { والله يضاعف لمن يشاء } [البقرة: 261]. وقوله: {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} أي ومن كان يريد النتائج الدنيوية بأن يعمل للدنيا ويريد نتيجة ما عمله فيها دون الآخرة نؤته من الدنيا وما له في الآخرة نصيب, وفي التعبير بإرادة الحرث إشارة إلى اشتراط العمل لما يريده من الدنيا والآخرة كما قال تعالى: { وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى } [النجم: 39]. وقد أبهم ما يعطيه من الدنيا إذ قال: {نؤته منها} إشارة إلى أن الأمر إلى المشيئة الإِلهية فربما بسطت الرزق وربما قدرت كما قال تعالى: { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } [الإسراء: 18]. والالتفات من الغيبة إلى التكلم بالغير في قوله {نزد له} و {نؤته منها} للدلالة على العظمة التي يشعر بها قوله: {وهو القوي العزيز}.
والمحصل من معنى الآيتين: أن الله سبحانه لطيف بعباده جميعاً ذو قوة مطلقة وعزّة مطلقة يرزق عباده على حسب مشيتئه وقد شاء في من أراد الآخرة وعمل لها أن يرزقه منها ويزيد فيه، وفيمن أراد الدنيا وعمل لها فحسب أن يؤتيه منها وما له في الآخرة من نصيب.
ويظهر من ذلك أن الآية الأولى عامة تشمل الفريقين، والمراد بالعباد ما يعم أهل الدنيا والآخرة, وكذا الرزق وأن الآية الثانية في مقام تفصيل ما في قوله: {يرزق من يشاء} من الإِجمال.
قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} إلى آخر الآية لما بين أن الله سبحانه هو الذي أنزل الكتاب بالحق وشرع لهم الدين الذي هو ميزان أعمالهم وأنه بلطفه وقوته وعزته يرزق من أراد الآخرة وعمل لها ما أراده منها ويزيد، وأن من أراد الدنيا ونسي الآخرة لا نصيب له فيها سجّل على من كفر بالآخرة عدم النصيب فيها بإنكار أن لا دين غير ما شرعه الله يدين به هؤلاء حتى يرزقوا بالعمل به مثل ما يرزق أهل الإِيمان بالآخرة فيها إذ لا شريك لله حتى يشرع ديناً غير ما شرعه الله من غير إذن منه تعالى فلا دين إلا لله ولا يرزق في الآخرة رزقاً حسناً إلا من آمن بها وعمل لها.
فقوله: {أم لهم شركاء} الخ، في مقام الإِنكار، وقوله: {ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم} إشارة إلى الكلمة التي سبقت منه تعالى أنهم يعيشون في الأرض إلى أجل مسمّى، وفيه إكبار لجرمهم ومعصيتهم.
وقوله: {وإن الظالمين لهم عذاب أليم} وعيد لهم على ظلمهم، واشارة إلى أنهم لا يفوتونه تعالى فإن لم يقض بينهم ولم يعذبهم في الدنيا فلهم في الآخرة عذاب أليم.
قوله تعالى: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم} الخ، الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعنوان أنه سامع فيشمل كل مَن مِن شأنه أن يرى، والمراد بالظالمين التاركون لدين الله الذي شرعه لعباده المعرضون عن الساعة، والمعنى: يرى الراؤون هؤلاء الظالمين يوم القيامة خائفين مما كسبوا من السيئات وهو واقع بهم لا مناص لهم عنه.
والآية من الآيات الظاهرة في تجسم الأعمال، وقيل: في الكلام مضاف محذوف والتقدير مشفقين من وبال ما كسبوا، ولا حاجة إليه.
وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} في المجمع: إن الروضة الأرض الخضرة بحسن النبات، والجنة الأرض التي تحفها الشجر فروضات الجنات الحدائق المشجرة المخضرة متونها.
وقوله: {لهم فيها ما يشاءون عند ربهم} أي إن نظام الأسباب مطوي فيها بل السبب الوحيد هو إرادتهم وحدها يخلق الله لهم من عنده ما يشاؤون ذلك هو الفضل الكبير.
وقوله: {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تبشير للمؤمنين الصالحين، واضافة العباد تشريفية.
قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} الذي نفي سؤال الأجر عليه هو تبليغ الرسالة والدعوة الدينية، وقد حكى الله ذلك عن عدة ممن قبله صلى الله عليه وآله وسلم من الرسل كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب فيما حكي مما يخاطب كل منهم أمته: {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} الشعراء وغيرها.
وقد حكى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك إذ قال:
{ وما تسألهم عليه من أجر } [يوسف: 104]، وقد أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يخاطب الناس بذلك بتعبيرات مختلفة حيث قال: { قل ما أسألكم عليه من أجر } [ص: 86]، وقال: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله } [سبأ: 47]، وقال: { قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]، فأشار إلى وجه النفي وهو أنه ذكرى للعالمين لا يختص ببعض دون بعض حتى يتخذ عليه الأجر.
وقال:
{ قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً } [الفرقان: 57]، ومعناه على ما مر في تفسير الآية: إلا أن يشاء أحد منكم أن يتخذ إلى ربه سبيلاً أي يستجيب دعوتي باختياره فهو أجري أي لا شيء هناك وراء الدعوة أي لا أجر.
وقال تعالى في هذه السورة: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} فجعل أجر رسالته المودة في القربى، ومن المتيقن من مضامين سائر الآيات التي في هذا المعنى أن هذه المودة أمر يرجع إلى استجابة الدعوة إما استجابة كلها وإما استجابة بعضها الذي يهتم به وظاهر الاستثناء على أي حال أنه متصل بدعوى كون المودة من الأجر ولا حاجة إلى ما تمحّله بعضهم بتقريب الانقطاع فيه.
وأما معنى المودة في القربى فقد اختلف فيه تفاسيرهم:
فقيل - ونسب إلى الجمهور - أن الخطاب لقريش والأجر المسؤول هو مودَّتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لقرابته منهم وذلك لأنهم كانوا يكذبونه ويبغضونه لتعرُّضه لآلهتهم على ما في بعض الأخبار فأمِر صلى الله عليه وآله وسلم أن يسألهم: إن لم يؤمنوا به فليودُّوه لمكان قرابته منهم ولا يبغضوه ولا يؤذوه فالقربى مصدر بمعنى القرابة، وفي للسببية.
وفيه أن معنى الأجر إنما يتم إذا قوبل به عمل يمتلكه معطي الأجر فيعطي العامل ما يعادل ما امتلكه من مال ونحوه فسؤال الأجر من قريش وهم كانوا مكذبين له كافرين بدعوته إنما كان يصح على تقدير إيمانهم به صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم على تقدير تكذيبه والكفر بدعوته لم يأخذوا منه شيئاً حتى يقابلوه بالأجر، وعلى تقدير الإِيمان به - والنبوة أحد الأصول الثلاثة في الدين - لا يتصور بغض حتى تجعل المودة أجراً للرسالة ويسأل.
وبالجملة لا تحقق لمعنى الأجر على تقدير كفر المسؤولين ولا تحقق لمعنى البغض على تقدير إيمانهم حتى يسألوا المودة.
وهذا الإِشكال وارد حتى على تقدير أخذ الاستثناء منقطعاً فإن سؤال الأجر منهم على أي حال إنما يتصور على تقدير إيمانهم والاستدراك على الانقطاع إنما هو عن الجملة بجميع قيودها فأجد التأمل فيه.
وقيل: المراد بالمودة في القربى ما تقدم والخطاب للأنصار فقد قيل: إنهم أتوه بمال ليستعين به على ما ينوبه فنزلت الآية فردّه، وقد كان له منهم قرابة من جهة سلمى بنت زيد النجارية ومن جهة أخوال أُمه آمنة على ما قيل.
وفيه أن أمر الأنصار في حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أوضح من أن يرتاب فيه ذو ريب وهم الذين سألوه أن يهاجر إليهم، وبوّؤا له الدار، وفدوه بالأنفس والأموال والبنين وبذلوا كل جهدهم في نصرته وحتى في الإِحسان على من هاجر إليهم من المؤمنين به، وقد مدحهم الله تعالى بمثل قوله:
{ والذين تبوَّءوا الدار والإِيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [الحشر: 9]، وهذا مبلغ حبهم للمهاجرين إليهم لأجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما هو الظنُّ في حبهم له؟
وإذا كان هذا مبلغ حبهم فما معنى أن يؤمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتوسل إلى مودَّتهم بقرابته منهم هذه القرابة البعيدة؟
على أن العرب ما كانت تعتني بالقرابة من جهة النساء ذاك الاعتناء وفيهم القائل:

بنونـــا بنـــو أبنائنــا وبناتنا بنوهنَّ أبناء الرجال الأباعد

والقائل:

وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللأنساب آباء

وإنما هو الإِسلام أدخل النساء في القرابة وساوى بين أولاد البنين وأولاد البنات وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقيل: الخطاب لقريش والمودَّة في القربى هي المودَّة بسبب القرابة غير أن المراد بها مودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا مودة قريش كما في الوجه الأول، والاستثناء منقطع، ومحصل المعنى: أني لا أسألكم أجراً على ما أدعوكم إليه من الهدى الذي ينتهي بكم إلى روضات الجنات والخلود فيها ولا أطلب منكم جزاء لكن حبي لكم بسبب قرابتكم مني دفعني إلى أن أهديكم إليه وأدلكم عليه.
وفيه أنه لا يلائم ما يخده الله سبحانه له صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الدعوة والهداية فإنه تعالى يسجل عليه في مواضع كثيرة من كلامه أن الأمر في هداية الناس إلى الله وليس له من الأمر شيء وأن ليس له أن يحزن لكفرهم وردهم دعوته وإنما عليه البلاغ فلم يكن له أن يندفع إلى هداية أحد لحب قرابة أو يعرض عن هداية آخرين لبغض أو كراهة ومع ذلك كله كيف يتصور أن يأمره الله بقوله: {قل لا أسألكم} الآية أن يخبر كفار قريش أنه إنما اندفع إلى دعوتهم وهدايتهم بسبب حبه لهم لقرابتهم منه لا لأجر يسألهم إياه عليه.
وقيل: المراد بالمودة في القربى مودة الأقرباء والخطاب لقريش أو لعامة الناس والمعنى: لا أسألكم على دعائي أجراً إلا أن تودوا أقرباءكم.
وفيه أن مودة الأقرباء على إطلاقهم ليست مما يندب إليه في الإِسلام قال تعالى:
{ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإِيمان وأيدهم بروح منه } [المجادلة: 22]، وسياق هذه الآية لا يلائم كونها مخصصة أو مقيدة لعموم قوله: {إلا المودة في القربى} أو إطلاقه حتى تكون المودة للأقرباء المؤمنين هي أجر الرسالة على أن هذه المودة الخاصة لا تلائم خطاب قريش أو عامة الناس.
بل الذي يفيده سياق الآية أن الذي يندب إليه الإِسلام هو الحب في الله من غير أن يكون للقرابة خصوصية في ذلك، نعم هناك اهتمام شديد بأمر القرابة والرحم لكنه بعنوان صلة الرحم وإيتاء المال، على حبه ذوي القربى لا بعنوان مودة القربى فلا حب إلا لله عز اسمه.
ولا مساغ للقول بأن المودة في القربى في الآية كناية عن صلتهم والإِحسان إليهم بإيتاء المال إذ ليس في الكلام ما يدفع كون المراد هو المعنى الحقيقي غير الملائم لما ندب إليه الإِسلام من الحب في الله.
وقيل: معنى القربى هو التقرب إلى الله، والمودة في القربى هي التودّد إليه تعالى بالطاعة والتقرب فالمعنى: لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودّدوا إليه تعالى بالتقرب إليه.
وفيه أن في قوله: {إلا المودة في القربى} على هذا المعنى إبهاماً لا يصلح به أن يخاطب به المشركون فإن حاق مدلوله التودد إليه - أو وده تعالى - بالتقرب إليه والمشركون لا ينكرون ذلك بل يرون ما هم عليه من عبادة الآلهة تودداً إليه بالتقرب منه فهم القائلون على ما يحكيه القرآن عنهم:
{ ما نعبدهم إلا ليقرِبونا إلى الله زلفى } [الزمر: 3]، { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [يونس: 18]. فسؤال التودد إلى الله بالتقرب إليه من غير تقييده بكونه بعبادته وحده، وجعل ذلك أجراً مطلوباً ممن يرى شركه نوع تودد إلى الله بالتقرب إليه، وخطابهم بذلك على ما فيه من الإِبهام - والمقام مقام تمحيضه صلى الله عليه وآله وسلم نفسه في دعوتهم إلى دين التوحيد لا يسألهم لنفسه شيئاً قط - مما لا يرتضيه الذوق السليم.
على أن المستعمل في الآية هو المودة دون التودد فالمراد بالمودة حبهم لله في التقرب إليه ولم يرد في كلامه تعالى إطلاق المودة على حب العباد لله سبحانه وإن ورد العكس كما في قوله:
{ إن ربي رحيم ودود } [هود: 90]، وقوله: { وهو الغفور الودود } [البروج: 14]، ولعل ذلك لما في لفظ المودة من الإِشعار بمراعاة حال المودود وتعاهده وتفقده، حتى قال بعضهم - على ما حكاه الراغب - إن مودة الله لعباده مراعاته لهم.
والإِشكال السابق على حاله ولو فسرت المودة في القربى بموادة الناس بعضهم بعضاً ومحابتهم في التقرب إلى الله بأن تكون القربات أسباباً للمودة والحب فيما بينهم فإن للمشركين ما يماثل ذلك فيما بينهم على ما يعتقدون.
وقيل: المراد بالمودة في القربى، مودة قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم عترته من أهل بيته عليهم السلام وقد وردت به روايات من طرق أهل السنة وتكاثرت الأخبار من طرق الشيعة على تفسير الآية بمودتهم وموالاتهم، ويؤيده الأخبار المتواترة من طرق الفريقين على وجوب موالاة أهل البيت عليهم السلام ومحبتهم.
ثم التأمل الكافي في الروايات المتواترة الواردة من طرق الفريقين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتضمنة لإِرجاع الناس في فهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه إلى أهل البيت عليهم السلام كحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما لا يدع ريباً في أن إيجاب مودتهم وجعلها أجراً للرسالة إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إليهم فيما كان لهم من المرجعية العلمية.
فالمودة المفروضة على كونها أجراً للرسالة لم تكن أمراً وراء الدعوة الدينية من حيث بقائها ودوامها، فالآية في مؤدَّاها لا تغاير مؤدَّى سائر الآيات النافية لسؤال الأجر.
ويؤول معناها إلى أني لا أسألكم عليه أجراً إلا أن الله لما أوجب عليكم مودة عامة المؤمنين ومن جملتهم قرابتي فإني أحتسب مودَّتكم لقرابتي وأعدّها أجراً لرسالتي، قال تعالى:
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً } } [مريم: 96]، وقال: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } [التوبة: 71]. وبذلك يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه أنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئاً ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقراباتهم.
وأيضاً فيه منافاة لقوله تعالى:
{ وما تسألهم عليه من أجر } [يوسف: 104]. وجه الفساد أن إطلاق الأجر عليها وتسميتها به إنما هو بحسب الدعوى وأما بحسب الحقيقة فلا يزيد مدلول الآية على ما يدل عليه الآيات الأخر النافية لسؤال الأجر كما عرفت وما في ذلك من النفع عائد إليهم فلا مورد للتهمة.
على أن الآية على هذا مدنية خوطب بها المسلمون وليس لهم أن يتهموا نبيهم المصون بعصمة إلهية - بعد الإِيمان به وتصديق عصمته - فيما يأتيهم به من ربهم ولو جاز اتهامهم له في ذلك وكان ذلك غير مناسب لشأن النبوة لا يصلح لأن يخاطب به, لاطّرد مثل ذلك في خطابات كثيرة قرآنية كالآيات الدالة على فرض طاعته المطلقة والدالة على كون الأنفال والغنائم لله ولرسوله، والدالة على خمس ذوي القربى، وما أبيح له في أمر النساء وغير ذلك.
على أنه تعالى تعرض لهذه التهمة ودفعها في قوله الآتي: {أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأ الله يختم على قلبك} الآية على ما سيأتي.
وهب أنَّا صرفنا الآية عن هذا المعنى بحملها على غيره دفعاً لما ذكر من التهمة فما هو الدافع لها عن الأخبار التي لا تحصى كثرة الواردة من طرق الفريقين في إيجاب مودة أهل البيت عنه صلى الله عليه وآله وسلم؟
وأما منافاة هذا الوجه لقوله تعالى: {وما تسألهم عليه من أجر} فقد اتضح بطلانه مما ذكرناه، والآية بقياس مدلولها إلى الآيات النافية لسؤال الأجر نظيرة قوله تعالى:
{ قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً } [الفرقان: 57]. قال في الكشاف بعد اختياره هذا الوجه: فإن قلت: هلا قيل: إلا مودة القربى أو إلا المودة للقربى، وما معنى قوله: إلا المودة في القربى؟
قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقولك: لي في آل فلان مودة، ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله.
قال: وليست في بصلة للمودة كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى. إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها. انتهى.
قوله تعالى: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور} الاقتراف الاكتساب، والحسنة الفعلة التي يرتضيها الله سبحانه ويثيب عليها, وحسن العمل ملاءمته لسعادة الإِنسان والغاية التي يقصدها كما أن مساءته وقبحه خلاف ذلك، وزيادة حسنها إتمام ما نقص من جهاتها وإكماله ومن ذلك الزيادة في ثوابها كما قال تعالى:
{ ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } [العنكبوت: 7]، وقال: { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله } [النور: 38]. والمعنى: ومن يكتسب حسنة نزد له في تلك الحسنة حسناً - برفع نقائصها وزيادة أجرها - إن الله غفور يمحو السيئات شكور يظهر محاسن العمل من عامله.
وقيل: المراد بالحسنة مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويؤيده ما في روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام أن قوله: {قل لا أسألكم عليه أجراً} إلى تمام أربع آيات نزلت في مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولازم ذلك كون الآيات مدنية وأنها ذات سياق واحد وأن المراد بالحسنة من حيث انطباقها على المورد هي المودة، وعلى هذا فالإِشارة بقوله: {أم يقولون افترى} الخ، إلى بعض ما تفوَّه به المنافقون تثاقلاً عن قبوله وفي المؤمنين سمّاعون لهم، وبقوله: {وهو الذي يقبل التوبة} إلى آخر الآيتين إلى توبة الراجعين منهم وقبولها.
وفي قوله: {إن الله غفور شكور} التفات من التكلم إلى الغيبة والوجه فيه الإشارة إلى علة الإِتصاف بالمغفرة والشكر فإن المعنى: إن الله غفور شكور لأنه الله عزّ اسمه.
قوله تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذباً} إلى آخر الآية أم منقطعة، والكلام مسوق للتوبيخ ولازمه إنكار كونه صلى الله عليه وآله وسلم مفترياً على الله كذباً.
وقوله: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} معناه على ما يعطيه السياق أنك لست مفترياً على الله كذباً فإنه ليس لك من الأمر شيء حتى تشاء الفرية فتأتي بها وإنما هو وحي من الله سبحانه من غير أن يكون لك فيه صنع والأمر إلى مشيّته تعالى فإن يشأ يختم على قلبك وسدّ باب الوحي إليك، لكنه شاء أن يوحي إليك ويبيّن الحق، وقد جرت سنّته أن يمحو الباطل ويحق الحق بكلماته.
فقوله: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} كناية عن إرجاع الأمر إلى مشيّة الله وتنزيه لساحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي بشيء من عنده.
وهذا المعنى - كما سترى - أنسب للسياق بناء على كون المراد بالقربى قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتوبيخ متوجهاً إلى المنافقين ومرضى القلوب.
وقد ذكروا في معنى الجملة وجوهاً أُخر:
منها: ما ذكره الزمخشري في الكشاف حيث فسَّر قوله: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} بقوله: فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب فإنه لا يفتري على الله الكذب إلا من كان في مثل حالهم.
وهذا الأسلوب مؤدّاه استبعاد الافتراء من مثله وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم، ومثال هذا أن يخوّن بعض الأمناء فيقول: لعل الله خذلني لعل الله أعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب وإنما يريد استبعاد أن يخوّن مثله والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم. انتهى.
ومنها ما قيل: إن المعنى لو حدَّثت نفسك بأن تفتري على الله الكذب لطبع الله على قلبك ولأنساك القرآن فكيف تقدر أن تفتري على الله، وهذا كقوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك}.
ومنها ما قيل: إن معناه فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم: إنه مفتر وساحر، وهي وجوه لا تخلو من ضعف.
ومنها ما قيل: إن المعنى فإن يشأ الله يختم على قلبك كما ختم على قلوبهم وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليشكر ربه على ما آتاه من النعمة.
ومنها ما قيل: إن المعنى فإن يشأ الله يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم ويعاجلهم بالعذاب، وعدل عن الغيبة إلى الخطاب وعن الجمع إلى الأفراد، والمراد: يختم على قلبك أيها القائل: إنه افترى على الله كذباً.
وقوله: {ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته}: الإِتيان بالمضارع - يمحو ويحق - للدلالة على الاستمرار، فمحو الباطل وإحقاق الحق بالكلمات سنّة جارية له تعالى والمراد بالكلمات ما ينزل على الأنبياء من الوحي الإِلهي والتكليم الربوبي ويمكن أن يكون المراد نفوس الأنبياء من حيث إنها مفصحة عن الضمير الغيبي.
وقوله: {إنه عليم بذات الصدور} تعليل لقوله: {ويمح الله الباطل} الخ, أي إنه يمحو الباطل ويحق الحق بكلماته لأنه عليم بالقلوب وما انطوت عليه فيعلم ما تستدعيه من هدى أو ضلال أو شرح أو ختم بإنزال الوحي وتوجيه الدعوة.
قيل: وفي الآية إشعار بوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر ولا يخلو من وجه.
قوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} يقال: قبل منه وقبل عنه قال في الكشاف: يقال: قبلت منه الشيء وقبلته عنه فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى قبلته عنه عزلته وأبنته عنه. انتهى.
وفي قوله: {ويعلم ما تفعلون} تحضيض على التوبة وتحذير عن اقتراف السيئات والمعنى ظاهر.
قوله تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد} فاعل {يستجيب} ضمير راجع إليه تعالى {والذين آمنوا} الخ، في موضع المفعول بنزع الخافض والتقدير ويستجيب للذين آمنوا - على ما قيل - وقيل: فاعل {يستجيب} هو {الذين} وهو بعيد من السياق.
والاستجابة إجابة الدعاء ولما كانت العبادة دعوة له تعالى عبّر عن قبولها بالاستجابة لهم، والدليل على هذا المعنى قوله: {ويزيدهم من فضله} فإن ظاهره زيادة الثواب وكذا مقابلة استجابة المؤمنين بقوله: {والكافرون لهم عذاب شديد}.
وقيل: المراد أنه يستجيب لهم إذا دعوه وأعطاهم ما سألوه وزادهم على ما طلبوه وهو بعيد من السياق. على أن استجابة الدعاء لا يختص بالمؤمن.
(بحث روائي)
في المجمع روى زادان عن علي عليه السلام قال: فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن. ثم قرأ {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}.
قال الطبرسي: وإلى هذا أشار الكميت في قوله:

وجدنا لكم في آل حم آية تأولها منا تقي ومعـرب

وفيه وصحّ عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه خطب الناس فقال في خطبته: إنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}.
وفي الكافي بإسناده عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: هم الأئمة.
أقول: والأخبار في هذا المعنى من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام كثيرة جداً مروية عنهم.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {إلا المودة في القربى} فقال سعيد بن جبير: هم قربى آل محمد فقال ابن عباس: عجلت إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.
أقول: ورواه أيضاً عن ابن عباس بطرق أُخرى غير هذا الطريق، وقد تقدم في بيان الآية أن هذا المعنى غير مستقيم ولا منطبق على سياق الآية، ومن العجيب ما في بعض هذه الطرق أن الآية منسوخة بقوله تعالى: {قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله}.
وفيه أخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى أن تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم لي"
]. وفيه أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم قال: علي وفاطمة وولداها.
أقول: ورواه الطبرسي في المجمع وفيها "ووُلدها" مكان "وولداها".
وفيه أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين أسيراً فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت آل حم؟ قال: نعم قال: أما قرأت {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}؟ قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {ومن يقترف حسنة} قال: المودة لآل محمد.
أقول: وروى ما في معناه في الكافي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام.
وفي تفسير القمي حدثني أبي عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في قول الله عز وجل: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} يعني في أهل بيته.
قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إنا قد آوينا ونصرنا فخذ طائفة من أموالنا فاستعن بها على ما نابك فأنزل الله عز وجل {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} أي في أهل بيته.
ثم قال: ألا ترى أن الرجل يكون له صديق وفي نفس ذلك الرجل شيء على أهل بيته فلا يسلم صدره فأراد الله عز وجل أن لا يكون في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء على أُمته ففرض الله عليهم المودة في القربى فإن أخذوا أخذوا مفروضاً، وإن تركوا تركوا مفروضاً.
قال: فانصرفوا من عنده وبعضهم يقول: عرضنا عليه أموالنا فقال: لا. قاتلوا عن أهل بيتي من بعدي، وقال طائفة: ما قال هذا رسول الله وجحدوه وقالوا كما حكى الله عز وجل: {أم يقولون افترى على الله كذباً} فقال عز وجل: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} قال: لو افتريت {ويمح الله الباطل} يعني يبطله {ويحق الحق بكلماته} يعني بالأئمة والقائم من آل محمد عليه السلام {إنه عليم بذات الصدور}.
أقول: وروى قصة الأنصار السيوطي في الدر المنثور عن الطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير وضعّفه.