التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٦
وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٧
-المائدة

الميزان في تفسير القرآن

بيان
تتضمن الآية الأولى حكم الطهارات الثلاث: الوضوء وغسل الجنابة والتيمم والآية التالية كالمتممة أو المؤكدة لحكم الآية الأولى، وفي بيان حكم الطهارات الثلاث آية أُخرى تقدمت في سورة النساء، وهي قوله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً } } [النساء: 45]. وهذه الآية أعني آية المائدة أوضح وأبين من آية النساء، وأشمل لجهات الحكم ولذلك أخّرنا بيان آية النساء إلى ها هنا لسهولة التفهم عند المقايسة.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} القيام إذا عدي بإلى ربما كني به عن إرادة الشيء المذكور للملازمة والقران بينهما، فإن إرادة الشيء لا تنفك عن الحركة إليه، وإذا فرض الإنسان مثلاً قاعداً لأنه حال سكونه ولازم سباته عادة، وفرض الشيء المراد فعلاً متعارفاً يتحرك إليه عادة كان مما يحتاج في اتيانه إلى القيام غالباً، فأخذ الإنسان في ترك السكون والانتصاب لإدراك العمل هو القيام إلى الفعل، وهو يلازم الإرادة. ونظيره قوله تعالى:
{ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } [النساء: 102] أي أردت أن تقيم لهم الصلاة. وعكسه من وجه قوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً } [النساء: 20] أي إذا طلقتم زوجاً وتزوجتم بأخرى، فوضعت إرادة الفعل وطلبه مقام القيام به.
وبالجملة الآية تدل على اشتراط الصلاة بما تذكره من الغسل والمسح أعني الوضوء، ولو تم لها إطلاق لدل على اشتراط كل صلاة بوضوء مع الغض عن قوله: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} لكن الآيات المشرعة قلما يتم لها الإطلاق من جميع الجهات. على أنه يمكن أن يكون قوله الآتي: {ولكن يريد ليطهركم} مفسراً لهذا الاشتراط على ما سيجيء من الكلام. هذا هو المقدار الذي يمكن أن يبحث عنه في تفسير الآية، والزائد عليه مما أطنب فيه المفسرون بحث فقهي خارج عن صناعة التفسير.
قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} الغسل بفتح الغين إمرار الماء على الشيء، ويكون غالباً لغرض التنظيف وإزالة الوسخ والدرن والوجه ما يستقبلك من الشيء، وغلب في الجانب المقبل من رأس الإنسان مثلاً، وهو الجانب الذي فيه العين والأنف والفم، ويعين بالظهور عند المشافهة، وقد فسر في الروايات المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بما بين قصاص الشعر من الناصية وآخر الذقن طولاً، وما دارت عليه الإِبهام والوسطى والسبابة، وهناك تحديدات أُخر ذكرها المفسرون والفقهاء.
والأيدي جمع يد وهي العضو الخاص الذي به القبض والبسط والبطش وغير ذلك، وهو ما بين المنكب وأطراف الأصابع، وإذ كانت العناية في الأعضاء بالمقاصد التي يقصدها الإنسان منها كالقبض والبسط في اليد مثلاً، وكان المعظم من مقاصد اليد تحصل بما دون المرفق إلى أطراف الأصابع سمي أيضاً باليد، ولذلك بعينه ما سمي ما دون الزند إلى أطراف الأصابع فصار اللفظ بذلك مشركاً أو كالمشرك بين الكل والأبعاض.
وهذا الاشتراك هو الموجب لذكر القرينة المعينة إذا أُريد به أحد المعاني، ولذلك قيد تعالى قوله: {وأيديكم} بقوله: {إلى المرافق} ليتعين أن المراد غسل اليد التي تنتهي إلى المرافق، ثم القرينة أفادت أن المراد به القطعة من العضو التي فيها الكف، وكذا فسرتها السنة. والذي يفيده الاستعمال في لفظة "إلى" أنها لانتهاء الفعل الذي لا يخلو من امتداد الحركة، وأما دخول مدخول "إلى" في حكم ما قبله أو عدم دخوله فأمر خارج عن معنى الحرف، فشمول حكم الغسل للمرافق لا يستند إلى لفظة "إلى" بل إلى ما بينه السنة من الحكم.
وربما ذكر بعضهم أن "إلى" في الآية بمعنى مع كقوله تعالى:
{ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [النساء: 2] وقد استند في ذلك إلى ما ورد في الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يغسلهما إذا توضأ، وهو من عجيب الجرأة في تفسير كلام الله، فإن ما ورد من السنة في ذلك إما فعل والفعل مبهم ذو وجوه فكيف يسوغ أن يحصل بها معنى لفظ من الألفاظ حتى يعد ذلك أحد معاني اللفظ؟ وإما قول وارد في بيان الحكم دون تفسير الآية، ومن الممكن أن يكون وجوب الغسل للمقدمة العلمية أو مما زاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان له ذلك كما فعله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلوات الخمس على ما وردت به الروايات الصحيحة.
وأما قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} فهو من قبيل تضمين الأكل معنى الضم ونحوه مما يتعدى بإلى لا أن لفظة {إلى} هنالك بمعنى مع.
وقد تبين بما مر أن قوله {إلى المرافق} قيد لقوله {أيديكم} فيكون الغسل المتعلق بها مطلقاً غير مقيد بالغاية يمكن أن يبدأ فيه من المرفق إلى أطراف الاصابع وهو الذي يأتي به الانسان طبعاً إذا غسل يده في غير حال الوضوء من سائر الأحوال أو يبدء من أطراف الاصابع ويختم بالمرفق، لكن الأخبار الواردة من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام تفتي بالنحو الأول دون الثاني.
وبذلك يندفع ما ربما يقال: إن تقييد الجملة بقوله {إلى المرافق} يدل على وجوب الشروع في الغسل من أطراف الأصابع والانتهاء إلى المرافق. وجه الاندفاع أن الإشكال مبني كون قوله {إلى المرافق} قيداً لقوله {فاغسلوا} وقد تقدم أنه قيد للأيدي، ولا مناص منه لكونه مشتركاً محتاجاً إلى القرينة المعينة، ولا معنى لكونه قيداً لهما جميعاً.
على أن الأُمة أجمعت على صحة وضوء من بدأ في الغسل بالمرافق وانتهى إلى أطراف الأصابع كما في المجمع، وليس إلا لأن الآية تحتمله: وليس إلا لأن قوله {إلى المرافق} قيد للأيدي دون الغسل.
قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} المسح: إمرار اليد أو كل عضو لامس على الشيء بالمباشرة، يقال: مسحت الشيء ومسحت بالشيء، فإذا عدى بنفسه أفاد الاستيعاب، وإذا عدي بالباء دل على المسح ببعضه من غير استيعاب وإحاطة.
فقوله: {وامسحوا برؤوسكم} يدل على مسح بعض الرأس في الجملة، وأما أنه أي بعض من الرأس فمما هو خارج من مدلول الآية، والمتكفل لبيانه السنة، وقد صح أنه جانب الناصية من الرأس.
وأما قوله: {وأرجلكم} فقد قرىء بالجر، وهو لا محالة بالعطف على رؤسكم. وربما قال القائل: إن الجر للاتباع، كقوله:
{ وجعلنا من الماء كل شيء حي } [الأنبياء: 30] وهو خطأ فإن الاتباع على ما ذكروه لغة رديئة لا يحمل عليها كلام الله تعالى. وأما قوله {كل شيء حي} فإنما الجعل هناك بمعنى الخلق، وليس من الإتباع في شيء.
على أن الإتباع - كما قيل - إنما ثبت فيما ثبت في صورة اتصال التابع والمتبوع كما قيل في قولهم: جُحر ضب خرب، بجر الخرب إتباعاً لا في مثل المورد مما يفضل العاطف بين الكلمتين.
وقرئ: وأرجلكم - بالنصب وأنت إذا تلقيت الكلام مخلى الذهن غير مشوب الفهم لم يلبث دون أن تقضي أن {أرجلكم} معطوف على موضع {رؤوسكم} وهو النصب، وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، ولم يخطر ببالك أن ترد {أرجلكم} إلى {وجوهكم} في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} بحكم آخر وهو قوله: {وامسحوا بوجوهكم}، فإن الطبع السليم يأبى عن حمل الكلام البليغ على ذلك، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ أن يقول مثلاً: قبلت وجه زيد ورأسه ومسحت بكتفه ويده بنصب يد عطفاً على "وجه زيد" مع انقطاع الكلام الأول، وصلاحية قوله "يده" لأن يعطف على محل المجرور المتصل به، وهو أمر جائز دائر كثير الورود في كلامهم.
وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وأما الروايات من طرق أهل السنّة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية، وإنما تحكي عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفتوى بعض الصحابة، لكنها مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين، ومنها ما يوجب غسلهما.
وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح، ولا كلام لنا معهم في هذا المقام لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه. خارج عن صناعة التفسير.
لكنهم مع ذلك حاولوا تطبيق الآية على ما ذهبوا إليه من الحكم الفقهي بتوجيهات مختلفة ذكروها في المقام، والآية لا تحتمل شيئاً منها إلا مع ردها من أوج بلاغتها إلى مهبط الرداءة.
فربما قيل: إن {أرجلكم} عطف على {وجوهكم} كما تقدم هذا على قراءة النصب، وأما على قراءة الجر فتحمل على الإتباع، وقد عرفت أن شيئاً منهما لا يحتمله الكلام البليغ الذي يطابق فيه الوضع الطبع.
وربما قيل في توجيه قراءة الجر: إنه من قبيل العطف في اللفظ دون المعنى كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً.
وفيه أن مرجعه إلى تقدير فعل يعمل عملاً يوافق إعراب حال العطف كما يدل عليه ما استشهد به من الشعر. وهذا المقدر في الآية إما {اغسلوا} وهو يتعدى بنفسه لا بحرف الجر، وإما غيره وهو خلاف ظاهر الكلام لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة وأيضاً ما استشهد به من الشعر إما من قبيل المجاز العقلي، وإما بتضمين علفت معنى أعطيت وأشبعت ونحوهما. وأيضاً الشعر المستشهد به يفسد معناه لو لم يعالج بتقدير ونحوه، فهناك حاجة إلى العلاج قطعية، وأما الآية فلا حاجة فيها إلى ذلك من جهة اللفظ يقطع بها.
وربما قيل في توجيه الجر بناء على وجوب غسل الأرجل: إن العطف في محله غير أن المسح خفيف الغسل فهو غسل بوجه فلا مانع من أن يراد بمسح الأرجل غسلها، ويقوي ذلك أن التحديد والتوقيت إنما جاء في المغسول وهو الوجه، ولم يجئ في الممسوح فلما رفع التحديد في المسح وهو قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين} علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد.
وهذا من أردأ الوجوه، فإن المسح غير الغسل ولا ملازمة بينهما أصلاً. على أن حمل مسح الأرجل على الغسل دون مسح الرؤوس ترجيح بلا مرجح. وليت شعري ماذا يمنعه أن يحمل كل ما ورد فيه المسح مطلقاً في كتاب أو سنّة على الغسل وبالعكس وما المانع حينئذ أن يحمل روايات الغسل على المسح، وروايات المسح على الغسل فتعود الأدلة عن آخرها مجملات لا مبين لها.
وأما ما قواه به فهو من تحميل الدلالة على اللفظ بالقياس، وهو من أفسد القياسات.
وربما قيل إن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم فإذا فعل ذلك بهما المتوضئ كان مستحقاً اسم ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو اصابتهما بالماء، ومسحهما امرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح، فالنصب في قوله: {أرجلكم} بعناية أن الواجب هو غسلهما، والجر بعناية أنه ماسح بالماء غسلاً، انتهى ملخصاً.
وما أدري كيف يثبت بهذا الوجه أن المراد بمسح الرأس في الآية هو المسح من غير غسل، وبمسح الرجلين هو المسح بالغسل؟ وهذا الوجه هو الوجه السابق بعينه ويزيد عليه فساداً، ولذلك يرد على هذا ما يرد على ذاك.
ويزيد عليه اشكالاً أن قوله: إن الله أمر بعموم مسح الرجلين في الوضوء (الخ) الذي قاس فيه الوضوء على التيمم إن أراد به قياس الحكم على الحكم أعني ما ثبت عنده بالروايات فأي دلالة له على دلالة الآية على ذلك؟ وليست الروايات - كما عرفت - بصدد تفسير لفظ الكتاب، وإن أراد به قياس قوله: {فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} في الوضوء على قوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} في التيمم فهو ممنوع في المقيس والمقيس عليه جميعاً فإن الله تعالى عبر في كليهما بالمسح المتعدّي بالباء، وقد تقدم أن المسح المتعدّي بالباء لا يدل في اللغة على استيعاب المسح الممسوح، وأن الذي يدل على ذلك هو المسح المتعدّي بنفسه.
وهذه الوجوه وأمثالها مما وجهت بها الآية بحملها على خلاف ظاهرها حفظاً للروايات فراراً من لزوم مخالفة الكتاب فيها، ولو جاز لنا تحميل معنى الرواية على الآية بتأويل الآية بحملها على خلاف ظاهرها لم يتحقق لمخالفة الكتاب مصداق.
فالأحرى للقائل بوجوب غسل الرجلين في الوضوء أن يقول كما قال بعض السلف كأنس والشعبي وغيرهما على ما نقل عنهم: أنه نزل جبرئيل بالمسح والسنة الغسل، ومعناه نسخ الكتاب بالسنّة. وينتقل البحث بذلك عن المسألة التفسيرية إلى المسألة الاصولية: هل يجوز نسخ الكتاب بالسنّة أو لا يجوز، والبحث فيه من شأن الأصولي دون المفسر، وليس قول المفسر بما هو مفسر: إن الخبر الكذائي مخالف للكتاب إلا للدلالة على أنه غير ما يدل عليه ظاهر الكتاب دلالة معولاً عليها في الكشف عن المراد دون الفتيا بالحكم الشرعي الذي هو شأن الفقيه.
وأما قوله تعالى: {إلى الكعبين} فالكعب هو العظم الناتئ في ظهر القدم. وربما قيل: إن الكعب هو العظم الناتئ في مفصل الساق والقدم، وهما كعبان في كل قدم في المفصل.
قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} الجنب في الأصل مصدر غلب عليه الاستعمال بمعنى اسم الفاعل، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد وغيره، يقال: رجل جنب وامرأة جنب ورجلان أو امرأتان جنب، ورجال أو نساء جنب، واختص الاستعمال بمعنى المصدر للجنابة.
والجملة أعني قوله: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} معطوفة على قوله: {فاغسلوا وجوهكم} لأن الآية مسوقة لبيان اشتراط الصلاة بالطهارة فالتقدير: وتطهروا إن كنتم جنباً، فيؤول إلى تقدير شرط الخلاف في جانب الوضوء وتقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إن لم تكونوا جنباً وإن كنتم جنباً فاطّهروا ويستفاد من ذلك أن تشريع الوضوء إنما هو في حال عدم الجنابة، وأما عند الجنابة فالغسل فحسب كما دلت عليه الأخبار.
وقد بين الحكم بعينه في آية النساء بقوله: {ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} فهذه الآية تزيد على تلك الآية بياناً بتسمية الاغتسال تطهراً، وهذا غير الطهارة الحاصلة بالغسل، فإنها أثر مترتب، وهذا نفس الفعل الذي هو الاغتسال وقد سمي تطهراً كما يسمى غسل أوساخ البدن بالماء تنظفاً.
ويستفاد من ذلك ما ورد في بعض الأخبار من قوله عليه السلام:
"ما جرى عليه الماء فقد طهر" .
قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} شروع في بيان حكم من لا يقدر على الماء حتى يغسل أو يغتسل.
والذي ذكر من الموارد وعدّ بالترديد ليس بعضها يقابل بعضاً مقابلة حقيقية، فإن المرض والسفر ليسا بنفسهما يوجبان حدثاً مستدعياً للطهارة بالوضوء أو الغسل بل إنما يوجبانه إذا أحدث المكلف معهما حدثاً صغيراً أو كبيراً، فالشقان الأخيران لا يقابلان الأولين بل كل من الأولين كالمنقسم إلى الاخيرين، ولذلك احتمل بعضهم أن يكون {أو} في قوله: {أو جاء أحد منكم}، بمعنى الواو كما سيجيء، على أن العذر لا ينحصر في المرض والسفر بل له مصاديق أُخر.
لكن الله سبحانه ذكر المرض والسفر وهما مظنة عدم التمكن من الماء غالباً، وذكر المجيء من الغائط وملامسة النساء وفقدان الماء معهما اتفاقي، ومن جهة أُخرى - وهي عكس الجهة الأولى - عروض المرض والسفر للإنسان بالنظر إلى بنيته الطبيعية أمر اتفاقي بخلاف التردد إلى الغائط وملامسة النساء فإنهما من حاجة الطبيعة: أحدهما يوجب الحدث الأصغر الذي يرتفع بالوضوء، والآخر الحدث الأكبر الذي يرتفع بالغسل.
فهذه الموارد الأربع موارد يبتلى الإنسان ببعضها اتفاقاً وببعضها طبعاً. وهي تصاحب فقدان الماء غالباً كالمرض والسفر أو اتفاقاً كالتخلي والمباشرة إذا انضم إليها عدم وجدان الماء فالحكم هو التيمم.
وعلى هذا يكون عدم وجدان الماء كناية عن عدم القدرة على الاستعمال. كنّى به عنه لأن الغالب هو استناد عدم القدرة إلى عدم الوجدان، ولازم ذلك أن يكون عدم الوجدان قيداً لجميع الأمور الأربعة المذكورة حتى المرض.
وقد تبين بما قدمناه أولاً: أن المراد بالمرض في قوله: {كنتم مرضى} هو المرض الذي يتحرج معه الإنسان من استعمال الماء ويتضرر به على ما يعطيه التقييد بقوله: {فلم تجدوا ماءً} ويفيده أيضاً سياق الكلام في الآية.
وثانياً: أن قوله: {أو على سفر} شق برأسه يبتلى به الإنسان اتفاقاً، ويغلب عليه فيه فقدان الماء، فليس بمقيد بقوله: {أو جاء أحد منكم} (الخ) بل هو معطوف على قوله: {فاغسلوا} والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وكنتم على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا، فحال هذا الفرض في إطلاقه وعدم تقيده بوقوع أحد الحدثين حال المعطوف عليه أعني قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} (الخ) فكما لم يحتج إلى التقييد ابتداءً لم يحتج إليه ثانياً عند العطف.
وثالثاً: أن قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} شق آخر مستقلاً وليس كما قيل: إن "أو" فيه بمعنى الواو كقوله تعالى:
{ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } [الصافات: 147]، لما عرفت من عدم الحاجة إلى ذلك. على أن "أو" في الآية المستشهد بها ليس إلا بمعناها الحقيقي، وإنما الترديد راجع إلى كون المقام مقاماً يتردد فيه بالطبع لا لجهل في المتكلم كما يقال بمثله في الترجي والتمني الواقعين في القرآن كقوله: { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، وقوله: { لو كانوا يعلمون } } [البقرة: 102]. وحكم هذه الجملة في العطف حكم سابقتها، والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وكان جاء أحد منكم من الغائط ولم تجدوا ماءً فتيمموا.
وليس من البعيد أن يستفاد من ذلك عدم وجوب اعادة التيمم أو الوضوء لمن لم تنتقض طهارته بالحدث الأصغر إن كان على طهارة بناء على مفهوم الشرط فيتأيد به من الروايات ما يدل على عدم وجوب التطهر لمن كان على طهارة.
وفي قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} من الأدب البارع ما لا يخفى للمتدبر حيث كني عن المراد بالمجيء من الغائط، والغائط هو المكان المنخفض من الأرض وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ليتستروا به من الناس تأدّباً، واستعمال الغائط في معناه المعروف اليوم استعمال مستحدث من قبيل الكنايات المبتذلة كما أن لفظ العذرة كذلك، والأصل في معناها عتبة الباب سميت بها لأنهم كانوا يخلون ما اجتمع في كنيف البيت فيها على ما ذكره الجوهري في الصحاح.
ولم يقل: أو جئتم من الغائط لما فيه من تعيين المنسوب إليه، وكذا لم يقل: أو جاء أحدكم من الغائط لما فيه من الإضافة التي فيها شوب التعيين بل بالغ في الإبهام فقال: {أو جاء أحد منكم من الغائط} رعاية لجانب الأدب.
ورابعاً: أن قوله: {أو لامستم النساء} كسابقه شق من الشقوق المفروضة مستقل وحكمه في العطف والمعنى حكم سابقه، وهو كناية عن الجماع أدباً صوناً للسان من التصريح بما تأبى الطباع عن التصريح به.
فإن قلت: لو كان كذلك كان التعبير بمثل ما عبر به عنه سابقاً بقوله: {وإن كنتم جنباً} أولى لكونه أبلغ في رعاية الأدب.
قلت: نعم لكنه كان يفوت نكتة مرعية في الكلام، وهي الدلالة على كون الأمر مما يقتضيه الطبيعة كما تقدّم بيانه، والتعبير بالجنابة فاقد للإشعار بهذه النكتة.
وظهر أيضاً فساد ما نسب إلى بعضهم: أن المراد بملامسة النساء هو الملامسة حقيقة بنحو التصريح من غير أن تكون كناية عن الجماع. وجه فساده أن سياق الآية لا يلائمه، وإنما يلائم الكناية فإن الله سبحانه ابتدأ في كلامه ببيان حكم الحدث الأصغر بالوضوء و حكم الجنابة بالغسل في الحال العادي، وهو حال وجدان الماء، ثم انتقل الكلام إلى بيان الحكم في الحال غير العادي، وهو حال فقدان الماء فبين فيه حال بدل الوضوء وهو التيمم فكان الأحرى والأنسب بالطبع أن يذكر حال بدل الغسل أيضاً، وهو قرين الوضوء، وقد ذكر ما يمكن أن ينطبق عليه، وهو قوله: {أو لامستم النساء} على سبيل الكناية، فالمراد به ذلك لا محالة، ولا وجه لتخصيص الكلام ببيان حكم بدل الوضوء وهو أحد القرينين، وإهمال حكم بدل القرين الآخر وهو الغسل رأساً.
وخامساً: يظهر بما تقدم فساد ما أورد على الآية من الإشكالات: فمنها أن ذكر المرض والسفر مستدرك، فإنهما إنما يوجبان التيمم بانضمام احد الشقين الأخيرين وهو الحدث والملامسة، مع انهما يوجبانه ولو لم يكن معهما مرض أو سفر فذكر الأخيرين يغني عن ذكر الأولين. والجواب أن ذكر الشقّين الأخيرين ليس لغرض انضمامهما إلى أحد الأولين بل كل من الأربعة شق مستقل مذكور لغرض خاص به يفوت بحذفه من الكلام على ما تقدم بيانه.
ومنها: أن الشق الثاني وهو قوله: {أو على سفر} مستدرك وذلك بمثل ما وجّه به الإشكال السابق غير أن المرض لما كان عذره الموجب للانتقال إلى البدل هو عدم التمكن من استعمال الماء الموجود لا عدم وجدان الماء كان من اللازم أن يقدر له ذلك في الكلام، ولا يغني عن ذكره ذكر الشقين الأخيرين مع عدم وجدان الماء، ونتيجة هذا الوجه كون السفر مستدركاً فقط. والجواب أن عدم الوجدان في الآية كناية عن عدم التمكن من استعمال الماء أعم من صورة وجدانه أو فقدانه كما تقدم.
ومنها: أن قوله: {فلم تجدوا ماء} يغني عن ذكر جميع الشقوق، ولو قيل مكان قوله: {وإن كنتم مرضى} (الخ): {وإن لم تجدوا ماء} لكان أوجز وأبين، والجواب: أن فيه اضاعة لما تقدم من النكات.
ومنها: أن لو قيل: وإن لم تقدروا على الماء أو ما يفيد معناه كان أولى، لشموله عذر المرض مضافاً إلى عذر غيره. والجواب: انه افيد بالكناية، وهي ابلغ.
قوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} التيمم هو القصد، والصعيد هو وجه الأرض، وتوصيفه بالطيب - والطيب في الشيء كونه على حال يقتضيه طبعه - للإشارة إلى اشتراط كونه على حاله الأصلي كالتراب والأحجار العادية دون ما خرج من الأرضية بطبخ أو نضج أو غير ذلك من عوامل التغير كالجص والنورة والخزف والمواد المعدنية، قال تعالى:
{ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً } [الأعراف: 58] ومن ذلك يستفاد الشروط التي اخذت السنّة في الصعيد الذي يتيمم به.
وربما يقال: ان المراد بالطيب الطهارة، فيدل على اشتراط الطهارة في الصعيد.
وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ينطبق ما ذكره في التيمم للمسح على ما ذكره في الوضوء للغسل، فالتيمم في الحقيقة وضوء اسقطت فيه المسحتان: مسح الرأس ومسح الرجلين، وابدلت فيه الغسلتان: غسلة الوجه واليدين إلى المرفقين بالمسحتين، وابدل الماء بالتراب تخفيفاً.
وهذا يشعر بأن العضوين في التيمم هما العضوان في الوضوء، ولمّا عبّر تعالى بالمسح المتعدي بالباء دل ذلك على أن المعتبر في التيمم هو مسح بعض عضوي الغسل في الوضوء أعني بعض الوجه، وبعض اليد إلى المرفق، وينطبق على ما ورد من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام من تحديد الممسوح من الوجه بما بين الجبينين والممسوح من اليد بما دون الزند منها.
وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم من تحديد اليد بما دون الإبطين. وما ذكره آخرون أن المعتبر من اليد في التيمم عين ما اعتبر في الوضوء وهو ما دون المرفق، وذلك أنه لا يلائم المسح المتعدي بالباء الدال على مرور الماسح ببعض الممسوح.
و "من" في قوله: {منه} كأنها ابتدائية والمراد ان يكون المسح بالوجه واليدين مبتدىء من الصعيد، وقد بينته السنّة بأنه بضرب اليدين على الصعيد ومسحهما بالوجه واليدين.
ويظهر من بعضهم: أن "من" ها هنا تبعيضية فتفيد أن يكون في اليدين بعد الضرب بقية من الصعيد كغبار ونحوه بمسح الوجه واليدين واستنتج منه وجوب كون الصعيد المضروب عليه مشتملاً على شيء من الغبار يمسح منه بالوجه واليدين فلا يصح التيمم على حجر املس لم يتعلق به غبار، والظاهر ما قدمناه - والله أعلم - وما استنتجه من الحكم لا يختص بما احتمله.
قوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} دخول "من" على مفعول {ما يريد} لتأكيد النفي، فلا حكم يراد به الحرج بين الأحكام الدينية أصلاً، ولذلك علق النفي على إرادة الجعل دون نفس الحرج.
والحرج حرجان: حرج يعرض ملاك الحكم ومصلحته المطلوبة، ويصدر الحكم حينئذ حرجياً بذاته لتبعية ملاكه كما لو حرم الالتذاذ من الغذاء لغرض حصول ملكة الزهد، فالحكم حرجي من رأس، وحرج بعرض الحكم من خارج عن أسباب اتفاقية فيكون بعض أفراده حرجياً ويسقط الحكم حينئذ في تلك الأفراد الحرجية لا في غيرها مما لا حرج فيه، كمن يتحرج عن القيام في الصلاة لمرض يضره معه ذلك، ويسقط حينئذ وجوب القيام عنه لا عن غيره ممن يستطيعه.
وإضرابه تعالى بقوله: {ولكن يريد ليطهركم}، عن قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} يدل على أن المراد بالآية نفي الحرج الذي في الملاك أي إن الأحكام التي يجعلها عليكم ليست بحرجية شرعت لغرض الحرج، وذلك لأن معنى الكلام أن مرادنا بهذه الأحكام المجعولة تطهيركم وإتمام النعمة وهو الملاك، لا أن نشق عليكم ونحرّجكم، ولذلك لما وجدنا الوضوء والغسل حرجيين عليكم عند فقدان الماء انتقلنا من إيجاب الوضوء والغسل إلى إيجاب التيمم الذي هو في وسعكم، ولم يبطل حكم الطهارة من رأس لإرادة تطهيركم وإتمام النعمة عليكم لعلكم تشكرون.
قوله تعالى: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} لازم ما تقدم من معنى نفي إرادة الحرج أن يكون المراد بقوله: {يريد ليطهركم} أن تشريع الوضوء والغسل والتيمم إنما هو حصول الطهارة فيكم لكونها أسباباً لذلك، وهذه الطهارة أياً ما كانت ليست بطهارة عن الخبث بل هي طهارة معنوية حاصلة بأحد هذه الأعمال الثلاثة، وهي التي تشترط بها الصلاة في الحقيقة.
ومن الممكن أن يستفاد من ذلك عدم وجوب الإتيان بعمل الطهارة عند القيام إلى كل صلاة إذا كان المصلي على طهارة غير منقوضة، ولا ينافي ذلك ظهور صدر الآية في الإطلاق لأن التشريع أعم مما يكون على سبيل الوجوب.
وأما قوله: {وليتم نعمته عليكم}، فقد مر معنى النعمة وإتمامها في الكلام على قوله تعالى:
{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } [المائدة: 3] ومعنى الشكر في الكلام على قوله تعالى: { وسيجزي الله الشاكرين } [آل عمران: 144] في الجزء الرابع من الكتاب.
فالمراد بالنعمة في الآية هو الدين لا من حيث أجزائه من المعارف والأحكام، بل من حيث كونه إسلام الوجه لله في جميع الشؤون، وهو ولاية الله على العباد بما يحكم فيهم، وإنما يتم ذلك باستيفاء التشريع جميع الأحكام الدينية التي منها حكم الطهارات الثلاث.
ومن هنا يظهر أن بين الغايتين أعني قوله: {ليطهركم} وقوله: {ليتم نعمته} فرقاً، وهو أن الطهارة غاية لتشريع الطهارات الثلاث بخلاف إتمام النعمة، فإنه غاية لتشريع جميع الأحكام، وليس للطهارات الثلاث منها إلا سهمها، فالغايتان خاصة وعامة.
وعلى هذا فالمعنى: ولكن نريد بجعل الطهارات الثلاث حصول الطهارة بها خاصة لكم، ولأنها بعض الدين الذي يتم بتشريع جميعها نعمة الله عليكم لعلَّكم تشكرون الله على نعمته فيخلصكم لنفسه، فافهم ذلك.
قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا}، هذا هو الميثاق الذي كان مأخوذاً منهم على الإِسلام كما تشهد به تذكرته لهم بقوله: {إذ قلتم سمعنا وأطعنا} فإنه السمع المطلق، والطاعة المطلقة، وهو الإِسلام لله فالمعنى بالنعمة في قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم} هو المواهب الجميلة التي وهبهم الله سبحانه إياها في شعاع الإِسلام، وهو التفاضل الذي بين حالهم في جاهليتهم وحالهم في إسلامهم من الأمن والعافية والثروة وصفاء القلوب وطهارة الأعمال كما قال تعالى:
{ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } } [آل عمران: 103]. أو أن الإسلام بحقيقته هو المراد بالنعمة، فإنه أُم النعم ترتضع منها كل نعمة كما تقدم بيانه، وغير مخفي عليك أن المراد بكون النعمة هي الإسلام بحقيقته أو الولاية إنما هو تعيين المصداق دون تشخيص مفهوم اللفظ، فإن المفهوم هو الذي يشخصه اللغة، ولا كلام لنا فيه.
ثم ذكرهم نفسه وأنه عالم بخفايا زوايا القلوب، فأمرهم بالتقوى بقوله: {واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}.
(بحث روائي)
في التهذيب مسنداً عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} قال: إذا قمتم من النوم. قال الراوي: - وهو ابن بكير - قلت: ينقض النوم الوضوء فقال: نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت.
أقول: وهذا المعنى مروي في غيره من الروايات، ورواه السيوطي في الدر المنثور عن زيد بن أسلم والنحاس: وهذا لا ينافي ما قدمنا أن المراد بالقيام إلى الصلاة ارادتها، لأن ما ذكرناه هو معنى القيام من حيث تعديه بإلى، وما في الرواية معناه من حيث تعديه بمن.
وفي الكافي بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: من أين علمت وقلت: إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك ثم قال: يا زرارة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونزل به الكتاب من الله، لأن الله عزّ وجلّ يقول: {فاغسلوا وجوهكم} فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال: {وأيديكم إلى المرافق} فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن تغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: {وامسحوا برؤوسكم} فعرفنا حين قال: {برؤوسكم} أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: {وأرجلكم إلى الكعبين} فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس فضيّعوه ثم قال: {فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً وامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} فلما وضع الوضوء إن لم يجدوا ماءً أثبت بعض الغسل مسحاً لأنه قال: {بوجوهكم} ثم وصل بها {وأيديكم} ثم قال: {منه} أي من ذلك التيمم، لأنه علم أن ذلك أجمع لم يجر على الوجه لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها، ثم قال الله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} والحرج الضيق.
أقول: قوله: ثم قال: {فإن لم تجدوا ماءً} نقل الآية بالمعنى.
وفيه: بإسناده عن زرارة وبكير أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعا بطست - أو تور - فيه ماء فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه فغسل بها وجهه، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرافق إلى الكف لا يردها إلى المرافق، ثم غمس كفه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق، وصنع بها ما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لا يحدث لهما ماءً جديداً، ثم قال: ولا يدخل أصابعه تحت الشراك. ثم قال: إن الله عزّ وجلّ يقول: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلا غسله، وأمر أن يغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلا غسله لأن الله يقول: {اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}، ثم قال: {فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه. قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: هنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك، فقلنا: أصلحك الله والغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها، واثنتان تأتيان على ذلك كله.
أقول: والرواية من المشهورات، ورواها العيّاشي عن بكير وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام، وعن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر عليه السلام مثله، وفي معناها ومعنى الرواية السابقة روايات أُخر.
في تفسير البرهان: العياشي عن زرارة بن أعين، وأبو حنيفة عن أبي بكر بن حزم قال: توضأ رجل فمسح على خفيه فدخل المسجد فصلى فجاء علي عليه السلام فوطأ على رقبته فقال: ويلك تصلي على غير وضوء؟ فقال: أمرني عمر بن الخطاب قال: فأخذ بيده فانتهى به إليه، فقال: انظر ما يروي هذا عليك، ورفع صوته، فقال: نعم أنا أمرته إن رسول الله مسح، قال: قبل المائدة أو بعدها؟ قال: لا أدري، قال: فلمَ تفتي وأنت لا تدري؟ سبق الكتاب الخفين.
أقول: وقد شاع على عهد عمر الخلاف في المسح على الخفين وقول علي عليه السلام بكونه منسوخاً بآية المائدة على ما يظهر من الروايات، ولذلك روي عن بعضهم كالبراء وبلال وجرير بن عبد الله أنهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسح على الخفين بعد نزول المائدة ولا يخلو من شيء فكأنه ظن أن النسخ إنما ادّعي بأمر غير مستند إلى الآية، وليس كذلك فإن الآية انما تثبت المسح على القدمين إلى الكعبين، وليس الخف بقدم البتة، وهذا معنى الرواية التالية.
وفي تفسير العياشي: عن محمد بن أحمد الخراساني - رفع الحديث - قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام رجل فسأله عن المسح على الخفين فأطرق في الأرض ملياً ثم رفع رأسه فقال: إن الله تبارك وتعالى أمر عباده بالطهارة، وقسمها على الجوارح فجعل للوجه منه نصيباً، وجعل للرأس منه نصيباً، وجعل للرجلين منه نصيباً، وجعل لليدين منه نصيباً فإن كانتا خفاك من هذه الأجزاء فامسح عليهما.
وفيه أيضاً عن الحسن بن زيد عن جعفر بن محمد: إن علياً خالف القوم في المسح على الخفين على عهد عمر بن الخطاب قالوا: رأينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على الخفين قال: فقال علي عليه السلام: قبل نزول المائدة أو بعدها؟ فقالوا: لا ندري، قال: ولكني أدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك المسح على الخفين حين نزلت المائدة، ولأن أمسح على ظهر حمار أحبّ إليّ من أن أمسح على الخفين، وتلا هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا} إلى قوله:- {المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن علي أنه كان يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} (الآية).
أقول: وقد تقدم توضيحها.
وفي الكافي بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: {أو لامستم النساء} قال: هو الجماع ولكن الله ستير يحب الستر فلم يسمّ كما تسمون.
وفي تفسير العياشي عن زرارة قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن التيمم فقال: إن عمار بن ياسر أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أجنبت وليس معي ماء، فقال: كيف صنعت يا عمار؟ قال: نزعت ثيابي ثم تمعكت على الصعيد فقال: هكذا يصنع الحمار إنما قال الله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ثم وضع يديه جميعاً على الصعيد ثم مسحهما ثم مسح من بين عينيه إلى أسفل حاجبيه، ثم دلك إحدى يديه بالأخرى على ظهر الكف، بدأ باليمين.
وفيه: عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: فرض الله الغسل على الوجه والذراعين والمسح على الرأس والقدمين فلما جاء حال السفر والمرض والضرورة وضع الله الغسل وأثبت الغسل مسحاً فقال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} إلى قوله {وأيديكم منه}.
وفيه: عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إني عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة كيف أصنع بالوضوء؟ قال: فقال عليه السلام: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله تبارك وتعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}.
أقول: إشارة إلى آية سورة الحج النافية للحرج، وفي عدوله عن ذيل آية الوضوء إلى ما في آخر سورة الحج دلالة على ما قدمناه من معنى نفي الحرج. وفيما نقلناه من الأخبار نكات جمة تتبين بما قدمناه في بيان الآيات فليتلق بمنزلة الشرح للروايات.