التفاسير

< >
عرض

وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ
١
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ
٢
وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ
٣
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ
٤
عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ
٥
ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ
٦
وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ
٧
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ
٨
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ
٩
فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ
١٠
مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ
١١
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ
١٢
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ
١٣
عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ
١٤
عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ
١٥
إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ
١٦
مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ
١٧
لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ
١٨
-النجم

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
غرض السورة تذكير الأصول الثلاثة: وحدانيته تعالى في ربوبيته والمعاد والنبوة فتبدأ بالنبوة فتصدق الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتصفه ثم تتعرض للوحدانية فتنفي الأوثان والشركاء أبلغ النفي ثم تصف انتهاء الخلق والتدبير إليه تعالى من إحياء وإماتة وإضحاك وإبكاء وإغناء وإقناء وإهلاك وتعذيب ودعوة وإنذار، وتختم الكلام بالإشارة إلى المعاد والأمر بالسجدة والعبادة.
والسورة مكية بشهادة سياق آياتها ولا يصغى إلى قول بعضهم بكون بعض آياتها أو كلها مدنية، وقد قيل: إنها أول سورة أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقراءتها فقرأها على المؤمنين والمشركين جميعاً، ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى: {وأن إلى ربك المنتهى} وقوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}.
وما أوردناه من الآيات هي الفصل الأول من فصول السورة الثلاثة وهي الآيات اللاتي تصدق الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتصفه، لكن هناك روايات مستفيضة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ناصّة على أن المراد بالآيات ليس بيان صفة كل وحي بل بيان وحي المشافهة الذي أوحاه الله سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج فالآيات متضمنة لقصة المعراج وظاهر الآيات لا يخلو من تأييد لهذه الروايات وهو المستفاد أيضاً من أقوال بعض الصحابة كابن عباس وأنس وأبي سعيد الخدري وغيرهم على ما روي عنهم وعلى ذلك جرى كلام المفسرين وإن اشتد الخلاف بينهم في تفسير مفرداتها وجملها.
قوله تعالى: {والنجم إذا هوى} ظاهر الآية أن المراد بالنجم هو مطلق الجرم السماوي المضيء وقد أقسم الله في كتابه بكثير من خلقه ومنها عدة من الأجرام السماوية كالشمس والقمر وسائر السيارات، وعلى هذا فالمراد بهويّ النجم سقوطه للغروب.
وقيل: المراد بالنجم القرآن لنزوله نجوماً، وقيل: الثريَّا، وقيل: الشعرى، وقيل: الشهاب الذي يرمى به شياطين الجن لأن العرب تسميه نجماً، وللهويّ ما يناسب لكل من هذه الأقوال من المعنى، لكن لفظ الآية لا يساعد على شيء من هذه المعاني.
قوله تعالى: {ما ضلَّ صاحبكم وما غوى} الضلال الخروج والانحراف عن الصراط المستقيم، والغيّ خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع، قال الراغب: الغي جهلٍ من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا النحو الثاني يقال له غيّ، قال تعالى: {ما ضلَّ صاحبكم وما غوى}. انتهى. والمراد بالصاحب هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والمعنى: ما خرج صاحبكم عن الطريق الموصل إلى الغاية المطلوبة ولا أخطأ في اعتقاده ورأيه فيها، ويرجع المعنى إلى أنه لم يخطئ لا في الغاية المطلوبة التي هي السعادة الإنسانية وهو عبوديته تعالى، ولا في طريقها التي تنتهي إليها.
قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} المراد بالهوى هوى النفس ورأيها، والنطق وإن كان مطلقاً ورد عليه النفي وكان مقتضاه نفي الهوى عن مطلق نطقه صلى الله عليه وآله وسلم لكنه لما كان خطاباً للمشركين وهم يرمونه في دعوته وما يتلو عليهم من القرآن بأنه كاذب متقول مفتر على الله سبحانه كان المراد بقرينة المقام أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما ينطق فيما يدعوكم إلى الله أو فيما يتلوه عليكم من القرآن عن هوى نفسه ورأيه بل ليس ذلك إلا وحياً يوحى إليه من الله سبحانه.
قوله تعالى: {علمه شديد القوى} ضمير {علمه} للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو للقرآن بما هو وحي أو لمطلق الوحي والمفعول الآخر لعلّمه محذوف على أي حال والتقدير علم النبي الوحي أو علم القرآن أو الوحي إياه.
والمراد بشديد القوى - على ما قالوا - جبريل وقد وصفه الله بالقوة في قوله:
{ ذي قوة عند ذي العرش مكين } [التكوير: 20]، وقيل: المراد به هو الله سبحانه.
قوله تعالى: {ذو مرة فاستوى} المرة بكسر الميم الشدة، وحصافة العقل والرأي، وبناء نوع عن المرور وقد فسرت المرة في الآية بكل من المعاني الثلاثة مع القول بأن المراد بذي مرة جبريل، والمعنى: هو أي جبريل ذو شدة في جنب الله أو هو ذو حصافة في عقله ورأيه، أو هو ذو نوع من المرور بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الهواء.
وقيل: المراد بذو مرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو ذو شدة في جنب الله أو ذو حصافة في عقله ورأيه أو ذو نوع من المرور عرج فيه إلى السماوات.
قوله: {فاستوى} بمعنى استقام أو استولى وضمير الفاعل راجع إلى جبريل والمعنى: فاستقام جبريل على صورته الأصلية التي خلق عليها على ما روي أن جبريل كان ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صور مختلفة، وإنما ظهر له في صورته الأصلية مرتين أو المعنى: فاستولى جبريل بقوته على ما جعل له من الأمر.
وإن كان الضمير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فالمعنى فاستقام واستقر.
قوله تعالى: {وهو بالأفق الأعلى} الأفق الناحية قيل: المراد بالأفق الأعلى ناحية الشرق من السماء لأن أُفق المشرق فوق المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء وهو كما ترى والظاهر أن المراد به أُفق أعلى من السماء من غير اعتبار كونه أُفقاً شرقياً.
وضمير هو في الآية راجع إلى جبريل أو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والجملة حال من ضمير {استوى}.
قوله تعالى: {ثم دنا فتدلى} الدنو القرب، والتدلي التعلق بالشيء ويكنى به عن شدة القرب، وقيل: الامتداد إلى جهة السفل مأخوذ من الدلو.
والمعنى: على تقدير رجوع الضميرين لجبريل: ثم قرب جبريل فتعلق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعرج به إلى السماوات، وقيل: ثم تدلى جبريل من الأفق الأعلى فدنا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعرج به.
والمعنى: على تقدير رجوع الضميرين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ثم قرب النبي من الله سبحانه وزاد في القرب.
قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى} قال في المجمع: القاب والقيب والقاد والقيد عبارة عن مقدار الشيء انتهى. والقوس معروفة وهي آلة الرمي، ويقال قوس على الذراع في لغة أهل الحجاز على ما قيل.
والمعنى: فكان البعد قدر قوسين أو قدر ذراعين أو أقرب من ذلك.
وقيل: القاب ما بين مقبض القوس وسيتها ففي الكلام قلب والمعنى: فكان قابي قوس، واعترض عليه بأن قابي قوس وقاب قوسين واحد فلا موجب للقلب.
قوله تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} ضمير أوحى في الموضعين لجبريل على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى جبريل، والمعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أوحى، قيل: ولا ضير في رجوع الضمير إليه تعالى من عدم سبق الذكر لكونه في غاية الوضوح. أو الضمائر الثلاث لله والمعنى: فأوحى الله بتوسط جبريل إلى عبده ما أوحى أو الضمير الأول لجبريل والثاني والثالث لله والمعنى فأوحى جبريل ما أوحى الله إليه إلى عبد الله.
والضمائر الثلاث كلها لله على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى: فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وهذا المعنى أقرب إلى الذهن من المعنى السابق الذي لا يرتضيه الذوق السليم وإن كان صحيحاً.
قوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} الكذب خلاف الصدق يقال: كذب فلان في حديثه، ويقال: كذبه الحديث بالتعدي إلى مفعولين أي حدثه كذباً، والكذب كما يطلق على القول والحديث الذي يلفظه اللسان كذلك يطلق على خطأ القوة المدركة يُقال: كذبته عينه أي أخطأت في رؤيتها.
ونفي الكذب عن الفؤاد إنما هو بهذا المعنى سواء أُخذ الكذب لازماً والتقدير ما كذب الفؤاد فيما رأى أو متعدياً إلى مفعولين، والتقدير ما كذب الفؤاد - فؤاد النبي - النبي ما رآه أي إن رؤية فؤاده فيما رآه رؤية صادقة.
وعلى هذا فالمراد بالفؤاد فؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وضمير الفاعل في {ما رأى} راجع إلى الفؤاد والرؤية رؤيته.
ولا بدع في نسبة الرؤية وهي مشاهدة العيان إلى الفؤاد فإن للإنسان نوعاً من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة والتخيل والتفكر بالقوى الباطنة كما أننا نشاهد من أنفسنا أننا نرى وليست هذه المشاهدة العيانية إبصاراً بالبصر ولا معلوماً بفكر، وكذا نرى من أنفسنا أننا نسمع ونشم ونذوق ونلمس ونشاهد أننا نتخيل ونتفكر وليست هذه الرؤية ببصر أو بشيء من الحواس الظاهرة أو الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة كذلك نشاهد إدراك كل منها لمدركها وليس هذه المشاهدة بنفس تلك القوة بل بأنفسنا المعبر عنها بالفؤاد.
وليس في الآية ما يدل على أن متعلق الرؤية هو الله سبحانه وأنه لمرئي له صلى الله عليه وآله وسلم بل المرئي هو الأفق الأعلى والدنو والتدلي وأنه أُوحي إليه فهذه هي المذكورة في الآيات السابقة وهي آيات له تعالى، ويؤيد ذلك ما ذكره تعالى في النزلة الأخرى من قوله: {ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى}.
على أنها لو دلَّت على تعلق الرؤية به تعالى لم يكن به بأس فإنها رؤية القلب ورؤية القلب غير رؤية البصر الحسية التي تتعلق بالأجسام ويستحيل تعلقها به تعالى وقد قدمنا كلاماً في رؤية القلب في تفسير سورة الأعراف الآية 143.
وما قيل: إن ضمير {ما رأى} للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى: ما قال فؤاده صلى الله عليه وآله وسلم لما رآه ببصره لم أعرفك ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، ومحصله أن فؤاده صدق بصره فيما رآه.
وكذا ما قيل: إن المعنى أن فؤاده لم يكذب بصره فيما رآه بل صدقه واعتقد به، ويؤيده قراءة من قرأ {ما كذّب} بتشديد الذال.
ففيه أن الذي يعطيه سياق الآيات تأييده تعالى صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يدَّعيه من الوحي ورؤية آيات الله الكبرى، ولو كان ضمير {ما رأى} للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان محصل معنى الآية الاحتجاج على صدق رؤيته باعتقاده ذلك بفؤاده وهو بعيد من دأب القرآن وهذا بخلاف ما لو رجع ضمير {ما رأى} إلى الفؤاد فإن محصل معناه تصديقه تعالى لفؤاده فيما رآه ويجري الكلام على السياق السابق الأخذ من قوله: {ما ضلَّ صاحبكم وما غوى إن هو إلا وحي يوحى} الخ.
فإن قلت: إنه تعالى يحتج في الآية التالية {أفتمارونه على ما يرى} برؤيته صلى الله عليه وآله وسلم على صدقه فيما يدَّعيه فليكن مثله الاحتجاج باعتقاد فؤاده بما يراه بعينه.
قلت: ليس قوله: {أفتمارونه على ما يرى} مسوقاً للاحتجاج برؤيته على صدقه بل توبيخ على مماراتهم إياه صلى الله عليه وآله وسلم على أمر يراه ويبصره ومجادلتهم إياه فيه، والمماراة والمجادلة إنما تصح - لو صحَّت - في الآراء النظرية والاعتقادات الفكرية وأما فيما يرى ويشاهد عياناً فلا معنى للمماراة والمجادلة فيه، وهو صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان يخبرهم بما يشاهده عياناً لا عن فكر وتعقل.
قوله تعالى: {أفتمارونه على ما يرى} الاستفهام للتوبيخ والخطاب للمشركين والضمير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمماراة الإصرار على المجادلة، والمعنى: أفتصرُّون في جدالكم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يذعن بخلاف ما يدَّعيه ويخبركم به وهو يشاهد ذلك عياناً.
قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أُخرى} النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد، وتدل الآية على أن هذه قصة رؤية في نزول آخر والآيات السابقة تقصُّ نزولاً آخر غيره.
وقد قالوا: إن ضمير الفاعل المستكن في قوله {رآه} للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وضمير المفعول لجبريل، وعلى هذا فالنزلة نزول جبريل عليه صلى الله عليه وآله وسلم ليعرج به إلى السماوات، وقوله: {عند سدرة المنتهى} ظرف للرؤية لا للنزلة، والمراد برؤيته رؤيته وهو في صورته الأصليه.
والمعنى: أنه نزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم نزلة أخرى وعرج به إلى السماوات وتراءى له صلى الله عليه وآله وسلم عند سدرة المنتهى وهو في صورته الأصلية.
وقد ظهر مما تقدم صحة إرجاع ضمير المفعول إليه تعالى والمراد بالرؤية رؤية القلب والمراد بنزلة أخرى نزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند سدرة المنتهى في عروجه إلى السماوات فالمفاد أنه صلى الله عليه وآله وسلم نزل نزلة أخرى أثناء معراجه عند سدرة المنتهى فرآه بقلبه كما رآه في النزلة الأولى.
قوله تعالى: {عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى} السدر شجر معروف والتاء للوحدة, والمنتهى - كأنه - اسم مكان ولعل المراد به منتهى السماوات بدليل كون الجنة عندها والجنة في السماء، قال تعالى:
{ وفي السماء رزقكم وما توعدون } [الذاريات: 22]. ولا يوجد في كلامه تعالى ما يفسر هذه الشجرة، وكأن البناء على الإِبهام كما يؤيده قوله بعد: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} وقد فسّر في الروايات أيضاً بأنها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم وستمر ببعض هذه الروايات.
وقوله: {عندها جنة المأوى} أي الجنة التي يأوي إليها المؤمنون وهي جنة الآخرة فإن جنة البرزخ جنة معجلة محدودة بالبعث، قال تعالى:
{ فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون } [السجدة: 19]، وقوله: {فإذا جاءت الطامة الكبرى} إلى أن قال { فإن الجنة هي المأوى } [النازعات: 39] وهي في السماء على ما يدل عليه قوله تعالى: { وفي السماء رزقكم وما توعدون } [الذاريات: 22]، وقيل: المراد بها جنة البرزخ.
وقوله: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} غشيان الشيء الإحاطة به، و {ما} موصوله، والمعنى: إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها، وقد أبهم تعالى هذا الذي يغشى السدرة ولم يبين ما هو كما تقدمت الإشارة إليه.
قوله تعالى: {ما زاغ البصر وما طغى} الزيغ الميل عن الاستقامة، والطغيان تجاوز الحد في العمل، وزيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه، وطغيانه إدراكه ما لا حقيقة له، والمراد بالبصر بصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والمعنى: أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية ولا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر غير خاطئ في إبصاره.
والمراد بالإبصار رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم بقلبه لا بجارحة العين فإن المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله: {ولقد رآه نزلة أخرى} المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الأولى التي يشير إليها بقوله: {ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى} فافهم ولا تغفل.
قوله تعالى: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} {من} للتبعيض، والمعنى: أُقسم لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربه، وبذلك تمّ مشاهدة ربه بقلبه فإن مشاهدته تعالى بالقلب إنما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته فإن الآية بما هي آية لا تحكي إلا ذا الآية ولا تحكي عن نفسه شيئاً وإلا لم تكن من تلك الجهة آية.
وأما مشاهدة ذاته المتعالية من غير توسّط آية وتخلل حجاب فمن المستحيل ذلك قال تعالى:
{ ولا يحيطون به علماً } [طه: 110].
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {والنجم إذا هوى} قال: النجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {إذا هوى} لما أُسري به إلى السماء وهو في الهويّ.
أقول: وروى تسميته صلى الله عليه وآله وسلم بالنجم بإسناده عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام، وهو من البطن.
وفي الكافي عن القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: قول الله عز وجل: {والليل إذا يغشى} {والنجم إذا هوى} وما أشبه ذلك؟ قال: إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به.
أقول: وفي الفقيه عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني مثله.
وفي المجمع وروت العامة عن جعفر الصادق أنه قال: إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نزل من السماء السابعة ليلة المعراج ولما نزلت السورة أُخبر بذلك عتبة بن أبي لهب فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطلّق ابنته وتفل في وجهه وقال: كفرت بالنجم ورب النجم, فدعا صلى الله عليه وآله وسلم عليه وقال: اللهم سلِّط عليه كلباً من كلابك.
فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض الطريق وألقى الله عليه الرعب فقال لأصحابه أنيموني بينكم ليلاً ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس.
أقول: ثم أورد الطبرسي شعر حسان في ذلك، وروى في الدر المنثور القصة بطرق مختلفة.
وفي الكافي بإسناده إلى هشام وحماد وغيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الله عز وجل.
وفي تفسير القمي بإسناده إلى ابن سنان في حديث: قال أبو عبد الله عليه السلام: وذلك أنه يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرب الخلق إلى الله تعالى وكان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما أُسري به إلى السماء: تقدم يا محمد فقد وطأت موطئاً لم يطأه ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، ولولا أن روحه ونفسه كان من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، وكان من الله عز وجل كما قال الله عز وجل: {قاب قوسين أو أدنى} أي بل أدنى.
وفي الاحتجاج عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث طويل: أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى فكان من ربه قاب قوسين أو أدنى.
أقول: وقد ورد هذا المعنى في كثير من روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى. قال: ألم ترَ إلى القوس ما أقربها من الوتر؟
وفيه أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ثم دنا فتدلى} قال: هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم دنا فتدلى إلى ربه عز وجل.
وفي المجمع وروي مرفوعاً عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {فكان قاب قوسين أو أدنى} قال:
"قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين"
]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} قال: وحي مشافهة.
وفي التوحيد بإسناده إلى محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه عز وجل؟ فقال: نعم بقلبه رآه، أما سمعت الله عز وجل يقول: {ما كذب الفؤاد ما رأى}؟ لم يرَه بالبصر ولكن رآه بالفؤاد.
وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قالوا: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال:
"لم أرَه بعيني ورأيته بفؤادي مرتين ثم تلا {ثم دنا فتدلى}"
]. أقول: وروى هذا المعنى النسائي عن أبي ذر - على ما في الدر المنثور - ولفظه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه بقلبه ولم يرَه ببصره.
وعن صحيح مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال:
"نوراني أراه"
]. أقول: {نوراني} منسوب إلى النور على خلاف القياس كجسماني في النسبة إلى جسم، وقرئ "نور إني أراه" بتنوين الراء وكسر الهمزة وتشديد النون ثم ياء المتكلم، والظاهر أنه تصحيف وإن أيِّد برواية أخرى عن مسلم في صحيحه وابن مردويه عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: "رأيت نوراً"
]. وكيف كان فالمراد بالرؤية رؤية القلب فلا الرؤية رؤية حسية ولا النور نور حسي.
وفي الكافي بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدث أن أدخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام. إلى قوله: قال أبو قرّة: فإنه يقول: {ولقد رآه نزلة أخرى} فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: {ما كذب الفؤاد ما رأى} يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأى فقال: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} وآيات الله غير الله.
أقول: الظاهر أن كلامه عليه السلام مسوق لإلزام أبي قرة حيث كان يريد إثبات رؤيته تعالى بالعين الحسية فألزمه بأن الرؤية إنما تعلقت بالآيات وآيات الله غير الله ولا ينافي ذلك كون رؤية الآيات بما هي آياته رؤيته وإن كانت آياته غيره، وهذه الرؤية إنما كانت بالقلب كما مرَّت عدة من الروايات في هذا المعنى.
وفي تفسير القمي حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"انتهيت إلى سدرة المنتهى وإذا الورقة منها تظلّ أُمة من الأمم فكنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى"
]. وفي الدر المنثور أخرج أحمد وابن جرير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "انتهيت إلى السدرة فإذا نبقها مثل الجراد، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحوَّلت ياقوتاً وزمرداً ونحو ذلك"
]. وفي تفسير القمي بإسناده إلى اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل: فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلَّف عنه جبرئيل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "في هذا الموضع تخذلني؟ فقال: تقدَّم أمامك فوالله لقد بلغت مبلغاً لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك فرأيت من نور ربي وحال بيني وبينه السبحة.
قلت: وما السبحة جعلت فداك؟ فأومى بوجهه إلى الأرض وأومأ بيده إلى السماء وهو يقول: جلال ربي جلال ربي ثلاث مرات"
]. أقول: السبحة الجلال كما فسّر في الرواية، والسبحة ما يدل على تنزهه تعالى من خلقه ومرجعه إلى المعنى الأول، ومحصل ذيل الرواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه برؤية آياته.
وفيه في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} قال: في السماء السابعة.
وفيه في قوله تعالى: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال: لما رفع الحجاب بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غشي نوره السدرة.
أقول: وفي المعاني السابقة روايات أخرى وقد تقدم في أول تفسير سورة الإسراء روايات جامعة لقصة معراجه صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد نقلنا هناك في ذيل الروايات الاختلاف في كيفية معراجه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان في المنام أو في اليقظة وعلى الثاني بجسمه وروحه معاً أو بروحه فحسب، ونقلنا عن صاحب المناقب أن الإمامية ترى أن إسراءه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان بالروح والجسم معاً على ما تدل عليه آية الإِسراء، وأما من المسجد الأقصى إلى السماوات فقد قال قوم بكونه بالروح والجسم معاً أيضاً ووافقهم كثير من الشيعة ومال بعضهم إلى كونه بالروح ومال إليه بعض المتأخرين.
ولا ضير في القول به لو أيَّدته القرائن الحافة بالآيات والروايات غير أن من الواجب حينئذ أن يحمل قوله تعالى: {عندها جنة المأوى} على جنة البرزخ ليحمل كونها عندها على نحو من التعلق كما ورد أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، أو توجه الآية بما لا ينافي كون العروج في السماوات روحياً.
وأما كون الإِسراء في المنام فقد تقدم في تفسير آية الإِسراء أنه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه.
وأما تطبيق الإسراء إلى السماوات على تسييره صلى الله عليه وآله وسلم ليلاً في الكواكب الأخرى غير الأرض من منظومتنا الشمسية أو في منظومات أخرى غير منظومتنا أو في مجرّات أخرى غير مجرّتنا فمما لا يلائمه الأخبار الواردة في تفصيل القصة البتة بل ولا محصل مضامين الآيات المتقدمة.