التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ
١٢٧
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
١٢٨
قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
١٢٩
وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
١٣٠
فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
١٣١
وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
١٣٢
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ
١٣٣
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ
١٣٤
فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ
١٣٥
فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ
١٣٦
وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
١٣٧
-الأعراف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات تشتمل على إجمال ما جرى بينه عليه السلام وبين فرعون وقومه أيام إقامة موسى بينهم بعد القيام بالدعوة يدعوهم إلى الله وإلى إطلاق بني إسرائيل ويأتيهم بالآية بعد الآية حتى أنجاه الله تعالى وقومه، وأغرق فرعون وجنوده، وأورث بني إسرائيل الأرض المباركة مشارقها ومغاربها.
قوله تعالى: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه} إلى آخر الآية. هذا إغراء منهم لفرعون وتحريض له أن يقتل موسى وقومه، ولذلك رد فرعون قولهم بأنه لا يهمنا قتلهم فإنا فوقهم قاهرون على أي حال بل سنعيد عليهم سابق عذابنا فنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، ولو كان ما سألوا مطلق تعذيبهم غير القتل لم يقع قوله: {وإنا فوقهم قاهرون} موقعه ذلك الوقوع.
وقولهم: {ويذرك وآلهتك} تأكيد لتحريضهم إياه على قتلهم، والمعنى أن موسى يتركك وآلهتك فلا يعبدكم مع ما يفسد هو وقومه في الأرض وفيه دلالة على أن فرعون كما كان يدعي الألوهية، ويستعبد الناس لنفسه كان يعبد آلهة أُخرى، وهو كذلك والتاريخ يثبت نظائر لذلك في الأمم السالفة، وقد نقل: أن عظماء البيوت وسادات القوم في الروم وممالك أخرى غيرها كان يعبدهم مرؤسوهم من بيتهم وعشائرهم وهم أنفسهم كانوا يعبدون آباءهم الأولين وأصناماً أُخرى غيرهم كما يعبدهم ضعفاؤهم، وأيضاً بين الأرباب التي تعبدها الوثنية ما هو رب لغيره من الأرباب أو رب لرب آخر كربوبية الأب والأم للابن وغير ذلك.
إلا أن قوله لقومه فيما حكاه الله سبحانه:
{ أنا ربكم الأعلى } [النازعات: 24]، وقوله: { ما علمت لكم من إله غيري } [القصص: 38] ظاهر في أنه كان لا يتخذ لنفسه رباً، وكان يأمر قومه أن لا يعبدوا إلا إياه، ولذلك قال بعضهم: إنه كان دهرياً لا يعترف بصانع ويأمر قومه بترك عبادة الآلهة مطلقاً، وقصر العبادة فيه، ولذلك قرأ بعضهم - على ما قيل - {وإلهتك} بكسر الهمزة وفتح اللام وإثبات الألف بعدها كالعبادة وزناً ومعنى.
لكن الأوجه أنه كان يريد بقوله: {ما علمت لكم من إله غيري} نفى إله يخص قومه القبطيين يملكهم ويدبر أُمورهم غير نفسه كما هو المعهود من عقائد الوثنيين أن لكل صنف من أصناف الخلائق كالسماء والأرض والبر والبحر وقوم كذا، أو من أصناف الحوادث والأمور كالسلم والحرب والحب والجمال رباً على حدة، وإنما كانوا يعبدون من بينها ما يهمهم عبادته كعبادته سكان سواحل البحار رب البحر والطوفان.
فمعنى كلامه أني أنا ربكم معاشر القبطيين لا ما اتخذه موسى وهو يدعي أنه ربكم أرسله إليكم، ويؤيد ما ذكرناه ما احتف به من القرينة بقوله: {ما علمت لكم من إله غيري} فإنه تعالى يقول:
{ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين } [القصص: 38]، فظاهرها أنه كان يشك في كونه إلهاً لموسى، وأن معنى قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} نفي العلم بوجود إله غيره لا العلم بعدم وجود إله غيره، وبالجملة فكلامه لا ينفي إلهاً غيره.
وأما احتمال كون فرعون دهرياً غير قائل بوجود الصانع فالظاهر أنه الذي يوجد في كلام الرازي قال في التفسير الكبير ما لفظه:
الذي يخطر ببالي أن فرعون إن قلنا: إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السماوات والأرض، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده معلوم بضرورة العقل.
بل الأقرب أن يقال: إنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأما المجدي في هذا العالم للخلق ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه فقوله: {أنا ربكم الأعلى} أي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وقوله: {ما علمت لكم من إله غيري} أي لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلا أنا.
وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب، وعلى هذا التقدير فلا امتناع في حمل قوله تعالى: {ويذرك وآلهتك} على ظاهره فهذا ما عندي في هذا الباب انتهى.
وقد أخطأ في ذلك فليس معنى الألوهية والربوبية عند الوثنيين وعبدة الكواكب خالقية السماوات والأرض بل تدبير شيء من أُمور العالم كما احتمله أخيراً، ولا في الدهريين من يعبد الكواكب، ولا في الصابئين وعبدة الكواكب من ينكر وجود الصانع.
بل الحق أن فرعون - كما تقدم - كان يرى نفسه رباً لمصر وأهله، وكان إنما ينكر كونهم مربوبي إله آخر على قاعدتهم لا أنهم أو غيرهم من العالم ليسوا مخلوقين لله سبحانه.
وقوله تعالى {قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} وعد منه للملأ من قومه أن يعيد إلى بني إسرائيل تعذيبه السابق وهو قتل أبنائهم واستحياء نسائهم واستبقاؤهن للخدمة، وعقبه بقوله: {وإنا فوقهم قاهرون} وهو تطييب قلوبهم وإسكان ما في نفوسهم من الاضطراب والطيش.
قوله تعالى: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} إلى آخر الآية. وهذا من موسى عليه السلام بعثٌ لبني إسرائيل واستنهاض لهم على الاستعانة بالله على مقصدهم وهو التخلص من إسارة آل فرعون واستعبادهم ثم بعث على الصبر على شدائد يهددهم بها فرعون من ألوان العذاب، والصبر هو رائد الخير وفرط كل فرج، ثم علل ذلك بقوله: {إن الأرض لله يورثها من يشاء}.
ومحصله أن فرعون لا يملك الأرض حتى يمنحها من يشاء، ويمنع من التمتع بها من يشاء بل هي لله يورثها من يشاء، وقد جرت السنة الإِلهية أن يخص بحسن العاقبة من يتقيه من عباده فإن استعنتم بالله وصبرتم في ذات الله على ما يهددكم من الشدائد - وهو التقوى - أورثكم الأرض التي ترونها في أيدي آل فرعون.
ولذلك عقب قوله: {إن الأرض لله} الآية بقوله: {والعاقبة للمتقين} العاقبة ما يعقب الشيء كالبادئة لما يبدء بالشيء، وكون العاقبة مطلقاً للمتقين من جهة أن السنة الإِلهية تقضي بذلك وذلك أنه تعالى نظم الكون نظماً يؤدي كل نوع إلى غاية وجوده وسعادته التي خلق لأجلها فإن جرى على صراطه الذي ركب عليه، ولم يخرج عن خط مسيره الذي خط له بلغ غاية سعادته لا محالة، والإِنسان الذي هو أحد هذه الأنواع أيضاً حاله هذا الحال إن جرى على صراطه الذي رسمته له الفطرة واتقى الخروج عنه والتعدي منه إلى غير سبيل الله بالكفر بآياته والإِفساد في أرضه هداه الله إلى عاقبته الحسنة، وأحياه الحياة الطيبة، وأرشده إلى كل خير يبتغيه.
قوله تعالى: {قالوا أُوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} الإِتيان والمجيء في الآية بمعنى واحد، والاختلاف في التعبير للتفنن، وما قيل إن المعنى من قبل أن تأتينا بالآيات ومن بعد ما جئتنا لا دليل على ما فيه من التقدير. على أن غرضهم إظهار أن مجيء موسى وقد وعدوا أن الله ينجيهم بيده من مصيبة الإِسارة وهاوية المذلة لم يؤثر أثره فإن الأذى الذي كانوا يحملونه ويؤذون به على حاله، ولا تعلق لغرضهم بأنه أتاهم بالآيات البتة. وهذا الكلام شكوى منهم يبثونها إلى موسى عليه السلام.
قوله تعالى: {قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} وهذا جواب من موسى عن قولهم: {أُوذينا} الخ، يسليهم به ويعزيهم بالرجاء، وهو في الحقيقة تكرار لقوله السابق: {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله} الآية. كأنه يقول: ما أمرتكم به أن اتقوا الله في سبيل مقصدكم كلمة حية ثابتة فإن عملتم بها كان من المرجو أن يهلك الله عدوكم، ويستخلفكم في الأرض بإيراثكم إياها ولا يصطفيكم بالاستخلاف اصطفاء جزافاً، ولا يكرمكم إكراماً مطلقاً من غير شرط ولا قيد بل ليمتحنكم بهذا الملك ويبتليكم بهذا التسليط والاستخلاف فينظر كيف تعملون، قال تعالى:
{ وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء } [آل عمران: 140]. وهذا مما يخطئ به القرآن ما يعتقده اليهود من كرامتهم على الله كرامة لا تقبل عزلاً، ولا تحتمل شرطاً ولا قيداً، والتوراة تعد شعب إسرائيل شعب الله الذي لهم الأرض المقدسة كأنهم ملكوها من الله سبحانه ملكاً لا يقبل نقلاً ولا إقالة.
قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} السنون جمع سنة وهي القحط والجدب، وكان أصله سنة القحط ثم قيل: السنة إشارة إليها ثم كثر الاستعمال حتى تعينت السنة لمعنى القحط والجدب.
والله سبحانه يذكر في الآية - ويقسم - أنه أخذ آل فرعون وهم قومه المختصون به من القبطيين بالقحوط المتعددة ونقص من الثمرات لعلهم يذّكرون.
وهما نوعان من الآيات التي أرسلها الله إلى آل فرعون، وظاهر السياق أنه أرسل ما أرسل منهما فصلاً فصلاً، ولذا جمع السنين ولا يصدق الجمع إلا مع الفصل بين سنة وسنة. على أنه يقول: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه} الآية. وظاهره الحسنة التي بعد السيئة ثم السيئة التي بعد هذه الحسنة.
قوله تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه} إلى آخر الآية. كانوا إذا جاءهم الخصب ووفور النعمة وسعة الرزق بعد ارتفاع السنة ونقص الثمرات قالوا: {لنا هذه} يريدون به الاختصاص وإنما قلنا: إنهم كانوا يقولون ذلك بعد ارتفاع السنة ونقص الثمرات لأن الإِنسان بحسب الطبع لا ينتقل إلى ذكر النعمة بما هي نعمة، ولا يتنبه لقدرها إلا بعد مشاهدة النقمة التي هي خلافها، ولا داعي يدعو آل فرعون إلى ذكر النعمة الحسنة وتخصيصها بأنفسهم لولا أنهم رأوا خلافها وعدوه أمراً بدعاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك فاطيروا بموسى ومن معه ثم إذا بدلت السيئة حسنة عدوها لأنفسهم فالتطير عند السيئة بحسب الوقوع قبل قولهم في الحسنة: لنا هذه وأن كان الأمر بحسب الطبع على خلاف ذلك بمعنى أنهم لو لم يزعموا ولم يرتكز في نفوسهم من اعتيادهم بالرفاهية ووفور النعمة والخصب أنهم مخصوصون بذلك يملكونه لم يتطيروا بموسى عند نزول المصيبة عليهم فإن من لم تروحه الراحة والعافية لا يتحرج عن خلافهما.
ولعل هذا هو الوجه في تقديمه تعالى اغترارهم بالنعمة قبل تطيرهم عند النقمة ثم ذكر الحسنة بكلمة "إذا" والسيئة بلفظة "إن" حيث قال: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} فقد جعل مجيء الحسنة كالأصل الثابت فذكره بإذا والتعريف بلام الجنس، ثم ذكر إصابه السيئة بطريق الشرط، ونكر السيئة ليدل على ندرتها وكونها اتفاقية.
والتطير مشتق من الطير باعتبار اشتماله على نسبة من النسب، وهي نسبة التشؤم فإنهم كانوا يتشأمون ببعض الطيور كالغراب فاشتق منه ما يفيد معنى التشؤم وهو التطير ومعناه التشؤم بالطير حتى سمي مطلق النصيب أو النصيب من الشر والشأمة طائراً.
فقوله تعالى: {ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون} معناه أن نصيبهم من الشر والشؤم الذي يحق به أن يسمى نصيب الشر وهو العذاب، هو عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون لظنهم أن ما تجنيه أيديهم يفوت ويزول ولا يحفظ عليهم.
وربما يذكر للطائر في الآية معان أُخر ككتاب الأعمال الذي سماه الله طائراً وغير ذلك لكن الأنسب بالسياق هو الذي تقدم.
قوله تعالى: {وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين} مهما من أسماء الشرط معناه أي شيء، وقولهم هذا إياس منهم لموسى من أن يؤمنوا به وإن أتى بأي آية وفي قولهم: {من آية لتسحرنا بها} استهزاء به حيث سموها آية وجعلوا غرضه منها أن يسحرهم أي إنك تأتينا بالسحر وتسميها آية.
قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات} الآية. الطوفان على ما قاله الراغب - كل حادثة تحيط بالإِنسان، وصار متعارفاً في الماء المتناهي في الكثرة، وفي المجمع: أنه السيل الذي يعم بتغريقه الأرض وهو مأخوذ من الطوف فيها (انتهى).
والقمل بالضم والتشديد قيل: كبار القردان، وقيل: صغار الذباب وبالفتح فالسكون معروف، والجراد والضفادع والدم معروفة.
والتفصيل تفريق الشيء إلى أجزاء مفصولة منفصلة بعضها عن بعض، ولازم ذلك تميز كل بعض وظهوره في نفسه فقوله: {آيات مفصلات} يدل على أنها أرسلت إليهم لا مجتمعة ودفعة بل متفرقة منفصلة بعضها عن بعض ظاهره في أنها آيات إلهيه مقصودة غير اتفاقية ولا جزافية.
ومن الدليل على كون المفصلات بهذا المعنى قوله في الآية التالية: {ولما وقع عليهم الرجز قالوا} الآية. الظاهر أن الآية كانت تأتيهم عن إخبار من موسى وإنذار ثم إذا نزلت بهم ودهمتهم التجأوا إليه فسألوه أن يدعو لهم لتنكشف عنهم: وأعطوه عهداً إن كشفت عنهم آمنوا به وأرسلوا معه بني إسرائيل فلما كشفت نكثوا ونقضوا وعلى هذا القياس.
قوله تعالى: {ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك} إلى آخر الآية. الرجز هو العذاب ويعني به العذاب الذي كانت تشتمل عليه كل واحدة من الآيات المفصلات فإنها آيات عذاب ونكال وقوله: {بما عهد عندك} على ما يؤيده المقام أي بما التزم عندك أن لا يرد دعاءك فيما تسأله، واللام عندئذ للقسم، والمعنى ادع لنا ربك بالعهد الذي له عندك.
وقوله: {لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} هو ما عاهدوا به موسى لكشف الرجز عنهم.
قوله تعالى: {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} النكث نقض العهد، وقوله: {إلى أجل هم بالغوه} متعلق بقوله: {كشفنا} وهو يدل على أنه كان يضم إلى معاهدة أجل مضروب كأن يقول موسى عليه السلام إن الله سيرفع العذاب عنكم بشرط أن تؤمنوا وترسلوا معى بني إسرائيل إلى أجل كذا، أو يقول آل فرعون ما يشابه هذا المعنى فلما كشف العذاب عنهم وحل الأجل المضروب نكثوا ونقضوا عهدهم الذي عاهدوا الله وعاهدوا موسى عليه. والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم} اليم البحر، والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} إلى آخر الآية. الظاهر أن المراد بالأرض أرض الشام وفلسطين ويؤيده أو يدل عليه قوله بعد: {التي باركنا فيها} فإن الله سبحانه لم يذكر بالبركة غير الأرض المقدسة التي هي نواحي فلسطين إلا ما وصف به الكعبة المباركة، والمعنى: أورثنا بني إسرائيل وهم المستضعفون الأرض المقدسة بمشارقها ومغاربها، وإنما ذكرهم بوصفهم فقال: القوم الذين كانوا يستضعفون ليدل على عجيب صنعه تعالى في رفع الوضيع، وتقوية المستضعف، وتمليكه من الأرض ما لا يقدر على مثله عادة إلاّ كل قوي ذو أعضاد وأنصار.
وقوله: {وتمت كلمة ربك الحسنى} الآية يريد به ما قضاه في حقهم أنه سيورثهم الأرض ويهلك عدوهم، وإليه إشارة موسى عليه السلام في قوله لهم وهو يسليهم ويؤكد رجاءهم: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض} ويشير سبحانه إليه في قوله:
{ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } [القصص: 5]، وتمام الكلمة خروجها من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعلية، وعلل ذلك بصبرهم.
وقوله: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} الآية. أي أهلكنا ما كانوا يصنعونه وما كانوا يسقفونه من القصور والأبنية وما كانوا يعرشونه من الكرم وغيره.
(بحث روائي)
في المجمع: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق بن بشار، ورواه علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام - دخل حديث بعضهم في بعض - قالوا: لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوباً وأبى هو وقومه إلا الإِقامة على الكفر قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل فتابع الله عليهم بالآيات، وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات.
ثم بعث عليهم الطوفان فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام، وامتلأت بيوت القبط ماء، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وأقام على وجه أرضيهم لا يقدرون على أن يحرثوا فقالوا لموسى: ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الطوفان فلم يؤمنوا وقال هامان لفرعون: لئن خليت بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك وأنبت الله لهم في تلك السنة من الكلاء والزرع والثمر ما أعشبت به بلادهم وأخصبت فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصباً.
فأنزل الله عليهم في السنة الثانية - عن علي بن إبراهيم - وفي الشهر الثاني - عن غيره من المفسرين - الجراد فجردت زروعهم وأشجارهم حتى كانت تجرد شعورهم ولحاهم، وتأكل الأثواب والثياب والأمتعة، وكانت لا تدخل بيوت بني إسرائيل ولا يصيبهم من ذلك شيء فعجوا وضجوا وجزع فرعون من ذلك جزعاً شديداً، وقال: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الجراد حتى أخلي عن بني إسرائيل فدعا موسى ربه فكشف عنه الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت.
وقيل: إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت حتى كأن لم تكن قط، ولم يدع هامان فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل.
فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة - في رواية علي بن إبراهيم - وفي الشهر الثالث - عن غيره من المفسرين - القمل وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له، وهو شر ما يكون وأخبثه فأتى على زروعهم كلها واجتثها من أصلها فذهبت زروعهم، ولحس الأرض كلها.
وقيل: أمر موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس فأتاه فضربه بعصاه فانثال عليهم قملاً فكان يدخل بين ثوب أحدهم فيعضه، وكان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قملاً قال سعيد بن جبير: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلم يرد منها ثلاثة أقفزه فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل، وأخذت أشعارهم وأبصارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم، ومنعتهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا وقال فرعون لموسى: ادع لنا ربك لئن كشفت عنا القمل لأكفن عن بني إسرائيل فدعا موسى حتى ذهب القمل بعدما أقام عندهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فنكثوا.
فأنزل الله عليهم في السنة الرابعة - وقيل: في الشهر الرابع - الضفادع فكانت تكون في طعامهم وشرابهم، وامتلأت منها بيوتهم وأبنيتهم فلا يكشف أحد ثوباً ولا إناء ولا طعاماً ولا شراباً إلا وجد فيه ضفادع. وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم ما فيها، وكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، ويفتح فاه لاكلته فيسبق الضفدع أُكلته إلى فيه فلقوا منها أذى شديداً فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود فادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعاً من السبت إلى السبت ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم.
فلما كانت السنة الخامسة أرسل الله عليهم الدم فسأل ماء النيل عليهم دماً فكان القبطي يراه دماً، والإِسرائيلي يراه ماء فإذا شربه الإِسرائيلي كان ماء، وإذا شربه القبطي كان دماً، وكان القبطي يقول للاسرائيلي: خذ الماء في فيك وصبه في فيّ فكان إذا صبه في فم القبطي يحول دماً، وأن فرعون اعتراه العطش حتى أنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها يصير ماؤه في فيه دماً فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون إلا الدم، ولا يشربون إلا الدم. قال زيد بن أسلم الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف فأتوا موسى فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فلما دفع الله عنهم الدم لم يؤمنوا ولم يخلوا عن بني إسرائيل.
في تفسير العياشي عن محمد بن قيس عن أبي عبد الله عليه السلام: لئن كشف عنا الرجز لنؤمنن لك، قال: الرجز هو الثلج ثم قال: بلاد خراسان بلاد رجز.
أقول: والرواية لا تنطبق على الآية ذاك الانطباق.