التفاسير

< >
عرض

وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً
١٨
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
١٩
قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً
٢٠
قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً
٢١
قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً
٢٢
إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً
٢٣
حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً
٢٤
قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً
٢٥
عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً
٢٦
إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
٢٧
لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
٢٨
-الجن

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
في الآيات تسجيل للنبوة وذكر وحدانيته تعالى والمعاد كالاستنتاج من القصة وتختتم بالإِشارة إلى عصمة الرسالة.
قوله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً} معطوف على قوله: {أنه استمع} الخ، وجملة {أن المساجد لله} في موضع التعليل لقوله: {فلا تدعوا مع الله أحداً} والتقدير لا تدعوا مع الله أحداً غيره لأن المساجد له.
والمراد بالدعاء العبادة وقد سماها الله دعاء كما في قوله:
{ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [غافر: 60]. وقد اختلف في المراد من المساجد فقيل: المراد به الكعبة، وقيل المسجد الحرام، وقيل: المسجد الحرام وبيت المقدس، ويدفعها كون المساجد جمعاً لا ينطبق على الواحد والاثنين.
وقيل: الحرم، وهو تهكم لا دليل عليه، وقيل: الأرض كلها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
"جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" ، وفيه أنه لا يدل على أزيد من جواز العبادة في أي بقعة من بقاع الأرض خلافاً لما هو المعروف عن اليهود والنصارى من عدم جواز عبادته تعالى في غير البيع والكنائس، وأما تسمية بقاعها مساجد حتى يحمل عليها عند الاطلاق فلا.
وقيل: المراد به الصلوات فلا يصلى إلا لله، وهو تهكم لا دليل عليه.
وعن الإِمام الجواد عليه السلام أن المراد بالمساجد الأعضاء السبعة التي يسجد عليها في الصلاة وهي الجبهة والكفان والركبتان وأصابع الرجلين، وستوافيك روايته في البحث الروائي التالي إن شاء الله، ونقل ذلك أيضاً عن سعيد بن جبير والفراء والزجاج.
والأنسب على هذا أن يكون المراد بكون مواضع السجود من الانسان لله اختصاصها به اختصاصاً تشريعياً، والمراد بالدعاء السجدة لكونها أظهر مصاديق العبادة أو الصلاة بما أنها تتضمن السجود لله سبحانه.
والمعنى: وأوحى إلي أن أعضاء السجود يختص بالله تعالى فاسجدوا له بها - أو اعبدوه بها - ولا تسجدوا - أو لا تعبدوا - أحداً غيره.
قوله تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً} اللبد بالكسر فالفتح جمع لبدة بالضم فالسكون المجتمعة المتراكمة، والمراد بعبد الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تدل عليه الآية التالية، والتعبير بعبد الله كالتمهيد لقوله في الآية التالية: {قل إنما أدعو ربي}. والأنسب لسياق الآيات التالية أن يكون مرجع ضميري الجمع في قوله: {كادوا يكونون} المشركين وقد كانوا يزدحمون عليه صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى وقرأ القرآن يستهزؤون ويرفعون أصواتهم فوق صوته على ما نقل.
والمعنى: وأنه لما قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعبد الله بالصلاة كاد المشركون يكونون بازدحامهم لبداً مجتمعين متراكمين.
وقيل: الضميران للجن وإنهم اجتمعوا عليه وتراكموا ينظرون إليه متعجبين مما يشاهدون من عبادته وقراءته قرآناً لم يسمعوا كلاماً يماثله.
وقيل: الضميران للمؤمنين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم المجتمعين عليه اقتداء به في صلاته إذا صلى وإنصاتاً لما يتلوه من كلام الله.
والوجهان لا يلائمان سياق الآيات التالية تلك الملاءمة كما تقدمت الاشارة إليه.
قوله تعالى: {قل إنما أدعو ربي ولا أُشرك به أحداً} أمر منه تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين لهم وجه عبادته بياناً يزيل عنهم الحيرة حيث رأوا منه ما لم يكونوا رأوه من أحد غيره، ويتعجبون حاملين له على نوع من المكيدة والمكر بأصنامهم أو خدعة بهم لأغراض أُخر دنيوية.
ومحصل البيان: أني لست أُريد بما آتي به من العمل شيئاً من المقاصد التي تحسبونها وترمونني بها وإنما أدعو ربي وحده غير مشرك به أحداً وعبادة الانسان لمن عرفه رباً لنفسه مما لا ينبغي أن يلام عليه أو يتعجب منه.
قوله تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً} الذي يفيده سياق الآيات الكريمة أنه صلى الله عليه وآله وسلم يبين فيها بأمر من ربه موقع نفسه وبالنسبة إلى ربه وبالنسبة إلى الناس.
أما موقعه بالنسبة إلى ربه فهو أنه يدعوه ولا يشرك به أحداً وهو قوله: {قل إنما أدعو ربي ولا أُشرك به أحداً}.
وأما موقعه بالنسبة إليهم فهو أنه بشر مثلهم لا يملك لهم ضراً ولا رشداً حتى يضرهم بما يريد أن يرشدهم من الخير إلى ما يريد بما عنده من القدرة، وأنه مأمور من الله بدعوتهم أمراً ليس له إلا أن يمتثله فلا مجير يجيره منه ولا ملجأ يلتجيء إليه لو خالف وعصى كما ليس لهم إلا أن يطيعوا الله ورسوله ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً، وسيعلمون إذا رأوا ما يوعدون.
ولازم هذا السياق أن يكون المراد بملك الضر القدرة على إيقاع الضر بهم فيوقعه بهم إذا أراد، والمراد بملك الرشد القدرة على إيصال النفع إليهم بإصابة الواقع أي أني لا أدعي أني أقدر أن أضركم أو أنفعكم، وقيل: المراد بالضر الغي المقابل للرشد تعبيراً باسم المسبب عن السبب.
قوله تعالى: {قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً إلا بلاغاً من الله ورسالاته} الإِجارة إعطاء الجوار وحكمه حماية المجير للجار ومنعه ممن يقصده بسوء، والظاهر أن الملتحد اسم مكان وهو المكان الذي يعدل وينحرف إليه للتحرز من الشر، وقيل: المدخل ويتعلق به قوله: {من دونه} وهو كالقيد التوضيحي والضمير لله والبلاغ التبليغ.
وقوله: {إلا بلاغاً} استثناء من قوله: {ملتحداً} وقوله: {من الله} متعلق بمقدر أي كائناً من الله وليس متعلقاً بقوله: {بلاغاً} لأنه يتعدى بعن لا بمن ولذا قال بعض من جعله متعلقاً ببلاغاً: إن "من" بمعنى عن، والمعنى على أي حال إلا تبليغ ما هو تعالى عليه من الأسماء والصفات.
وقوله: {ورسالاته} قيل: معطوف على {بلاغاً} والتقدير إلا بلاغاً من الله وإلا رسالاته وقيل: معطوف على لفظ الجلالة ومن بمعنى عن، والمعنى إلا بلاغاً عن الله وعن رسالاته.
وفيما استثني منه بلاغاً قول آخر وهو أنه مفعول {لا أملك} والمعنى لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا تبليغاً من الله ورسالاته، ويبعده الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بقوله: {لن يجيرني من الله أحد} الخ وهو كلام مستأنف.
ومعنى الآيتين على ما قدمنا: قل لن يجيرني من الله أحد فيمنعني منه ولن أجد من دونه مكاناً ألتجئ إليه إلا تبليغاً كائناً منه ورسالاته أي إلا أن أمتثل ما أمرني به من التبليغ منه تعالى ببيان أسمائه وصفاته وإلا رسالاته في شرائع الدين.
قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} إفراد ضمير {له} باعتبار لفظ {من} كما أن جمع {خالدين} باعتبار معناها.
وعطف الرسول على الله في قوله: {ومن يعص الله ورسوله} لكون معصيته معصية لله تعالى إذ ليس له إلا رسالة ربه فالرد عليه فيما أتى به رد على الله سبحانه وطاعته فيما يأمر به طاعة لله قال تعالى:
{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } [النساء: 80]. والمراد بالمعصية - كما يشهد به سياق الآيات السابقة - معصية ما أمر به من التوحيد أو التوحيد وما يتفرع عليه من أصول الدين وفروعه فلا يشمل التهديد والوعيد بخلود النار إلا الكافرين بأصل الدعوة دون مطلق أهل المعصية المتخلفين عن فروع الدين فالاحتجاج بالآية على تخليد مطلق العصاة في النار في غير محله.
والظاهر أن قوله: {ومن يعص الله إلى آخر الآية من كلام الله سبحانه لا من تتمة كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله تعالى: {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً} لقوله: {حتى} دلالة على معنى مدخولها غاية له ومدخولها يدل على أنهم كانوا يستضعفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدّ ناصريه - وهم المؤمنون - ضعفاء واستقلال عدده بعدّ عددهم قليلاً فالكلام يدل على معنى محذوف هو غايته كقولنا: لا يزالون يستضعفون ناصريك ويستقلون عددهم حتى إذا رأوا ما يوعدون الخ.
والمراد بما يوعدون نار جهنم لأنها هي الموعودة في الآية، والآية من كلامه تعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو كانت من كلامه وهي مصدرة بقوله تعالى: {قل} لكان من حق الكلام أن يقال: حتى إذا رأيتم ما توعدون فستعلمون الخ.
قوله تعالى: {قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً} الأمد الغاية التي ينتهي إليها، والآية بمنزلة دفع دخل تقتضيه حالهم كأنهم لما سمعوا الوعيد قالوا: متى يكون ذلك فقيل له: {قل إن أدري أقريب} الخ.
قوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً} إظهار الشيء على الشيء إعانته وتسليطه عليه، و {عالم الغيب} خبر لمبتدء محذوف، والتقدير هو عالم الغيب، ومفاد الكلمة بإعانة من السياق اختصاص علم الغيب به تعالى مع استيعاب علمه كل غيب، ولذا أضاف الغيب إلى نفسه ثانياً فقال: {على غيبه} بوضع الظاهر موضع المضمر ليفيد الاختصاص ولو قال: {فلا يظهر عليه} لم يفد ذلك.
والمعنى: هو عالم كل غيب علماً يختص به فلا يطلع على الغيب وهو مختص به أحداً من الناس فالمفاد سلب كلي وإن أصر بعضهم على كونه سلباً جزئياً محصل معناه لا يظهر على كل غيبه أحداً ويؤيد ما قلنا ظاهر ما سيأتي من الآيات.
قوله تعالى: {إلا من ارتضى من رسول} استثناء من قوله: {أحداً} و {من رسول} بيان لقوله {من ارتضى} فيفيد أن الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به فالآية إذا انضمت إلى الايات التي تخص علم الغيب به تعالى كقوله:
{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } [الأنعام: 59]، وقوله: { ولله غيب السماوات والأرض } [هود: 123]، وقوله: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } [النمل: 65]، أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعية فهو تعالى يعلم الغيب لذاته وغيره يعلمه بتعليم من الله.
فهذه الآيات نظيرة الآيات المتعرضة للتوفي كقوله:
{ الله يتوفى الأنفس } [الزمر: 42]، الدال على الحصر، وقوله: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } [السجدة: 11]، وقوله: { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، فالتوفي منسوب إليه تعالى على نحو الأصالة وإلى الملائكة على نحو التبعية لكونهم أسباباً متوسطة مسخرة له تعالى.
قوله تعالى: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} إلى قوله {عدداً} ضمير {فإنه} لله تعالى، وضميرا {يديه} و {خلفه} للرسول، والراصد المراقب للأمر الحارس له، والرصد الراصد يطلق على الواحد والجماعة وهو في الأصل مصدر، والمراد بما بين يدي الرسول ما بينه وبين الناس المرسل إليهم، وبما خلفه ما بينه وبين مصدر الوحي الذي هو الله سبحانه وقد اعتبر في هذا التصوير ما يوهمه معنى الرسالة من امتداد متوهم يأخذ من المرسل - اسم فاعل - وينتهي إلى المرسل إليه يقطعه الرسول حتى ينتهي إلى المرسل إليه فيؤدي رسالته، والآية تصف طريق بلوغ الغيب إلى الرسول وهو الرسالات التي توحي إليه كما يشير إلى ذلك قوله: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم}.
والمعنى: فإن الله يسلك ما بين الرسول ومن أرسل إليه وما بين الرسول ومصدر الوحي مراقبين حارسين من الملائكة - ومن المعلوم أن سلوك الرصد من بين يديه ومن خلفه لحفظ الوحي من كل تخليط وتغيير بالزيادة والنقصان يقع فيه من ناحية الشياطين بلا واسطة أو معها.
وقوله: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} ضمير {ليعلم} لله سبحانه، وضميرا {قد أبلغوا} و {ربهم} لقوله: "من" باعتبار المعنى أو لرسول باعتبار الجنس، والمراد بعلمه تعالى بإبلاغهم رسالات ربهم العلم الفعلي وهو تحقق الإِبلاغ في الخارج على حد قوله:
{ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } [العنكبوت: 3] وهو كثير الورود في كلامه تعالى.
والجملة تعليل لسلوك الرصد بين يدي الرسول ومن خلفه، والمعنى ليتحقق إبلاغ رسالات ربهم أي لتبلغ الناس رسالاته تعالى على ما هي عليه من غير تغير وتبدل.
ومن المحتمل أن يرجع ضميرا {بين يديه ومن خلفه} إلى {غيبه} فيكون الرصد الحرس مسلوكين بين يدي الغيب النازل ومن خلفه إلى أن يبلغ الرسول، ويضعفه أنه لا يلائم قوله: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} بالمعنى الذي تقدم لعدم استلزام بلوغ الغيب للرسول سليماً من تعرض الشياطين حصول العلم بإبلاغه إلى الناس.
وإلى هذا المعنى يرجع قول بعضهم إن الضميرين يرجعان إلى جبريل حامل الوحي. ويضعفه مضافاً إلى ما مر عدم سبق ذكره.
وقيل: ضمير ليعلم للرسول وضميرا {قد أبلغوا} و {ربهم} للملائكة الرصد والمعنى يرصد الملائكة الوحي ويحرسونه ليعلم الرسول أن الملائكة قد أبلغوا إليه الوحي كما صدر فتطمئن نفسه أنه سليم من تعرض الشياطين فإن لازم العلم بإبلاغهم إياه العلم ببلوغه.
ويبعده أن ظاهر السياق - ويؤيده سبق ذكر الرسول - أن المراد بالرسالات الرسالات التي حملها الرسول ليبلغها إلى الناس لا ما حملها ملك الوحي فضمير {ربهم} للرسل دون الملائكة، على أن الآية تشير إلى الملائكة بعنوان الرصد وهو غير عنوان الرسالة وشأن الرصد الحفظ والحراسة دون الرسالة.
وقيل: المعنى ليعلم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم، وهو وجه سخيف لا دليل عليه، وأسخف منه ما قيل: إن المعنى ليعلم مكذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم إليهم.
وقوله: {وأحاط بما لديهم} ضمير الجمع للرسل بناء على ما تقدم من المعنى والظاهر أن الجملة متممة لمعنى الحراسة المذكورة سابقاً فقوله: {من بين يديه} يشير إلى رصد ما بين الرسول والمرسل إليهم، وقوله: {ومن خلفه} إلى حفظ ما بينه ومصدر الوحي، وقوله: {وأحاط بما لديهم} يشير إلى ظرف نفس الرسول والإِحاطة إحاطة علمية فالوحي في أمن من تطرق التغيير والتبديل فيما بين مصدر الوحي والرسول وفي نفس الرسول وفيما بين الرسول والمرسل إليهم.
ويمكن أن يكون المراد بما لديهم جميع ما له تعلق ما بالرسل أعم من مسير الوحي أو أنفسهم كما أن قوله: {وأحصى كل شيء عدداً} مسوق لإِفادة عموم العلم بالأشياء غير أنه العلم بعددها وتميز بعضها من بعض.
فقد تبين مما مر في الآيات الثلاث:
أولاً: أن اختصاصه تعالى بعلم الغيب على نحو الأصالة بالمعنى الذي أوضحناه فهو تعالى يعلم الغيب بذاته وغيره يعلمه بتعليم منه.
وبه يظهر أن ما حكى في كلامه تعالى من إنكارهم العلم بالغيب أريد به نفي الأصالة والاستقلال دون ما كان بوحي كقوله تعالى:
{ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]، وقوله: { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } [الأعراف: 188]، وقوله: { قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [الأحقاف: 9]. وثانياً: أن عموم قوله: {فلا يظهر على غيبه أحداً} لما خصص بقوله: {إلا من ارتضى من رسول} عاد عاماً مخصصاً لا يأبى تخصيصاً بمخصص آخر كما في مورد الأنبياء فإن الآيات القرآنية تدل على أنهم يوحى إليهم كقوله: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } [النساء: 163]، وتدل على أن الوحي من الغيب فالنبي ينال الغيب كما يناله الرسول هذا على تقدير أن يكون المراد بالرسول في الآية ما يقابل النبي وأما لو أُريد مطلق من أرسله الله إلى الناس والنبي ممن أرسله الله إليهم كما يشهد به قوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي } [الحج: 52] الآية، وقوله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } [الأعراف: 94]، فالنبي خارج من عموم النفي من غير تخصيص جديد.
وكذا في مورد الإِمام بالمعنى الذي يستعمله فيه القرآن فإنه تعالى يصفه بالصبر واليقين كما في قوله:
{ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [السجدة: 24]، ويعرفهم بانكشاف الغطاء لهم كما في قوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، وقوله: { كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم } [التكاثر: 5-6]، وقد تقدم كلام في ذلك في بعض المباحث السابقة.
وأما الملائكة فما يحمَّلونه من الوحي السماوي قبل نزوله وكذا ما يشاهدونه من عالم الملكوت شهادة بالنسبة إليهم وإن كان غيباً بالنسبة إلينا. على أن قوله: {فلا يظهر على غيبه أحداً} إنما يشمل أهل الدنيا ممن يعيش على بسيط الأرض وإلا لا نتقض بالأموات المشاهدين لأمور الآخرة وهي من الغيب بنص القرآن فلم يبق تحت عموم النفي حتى فرد واحد إذ ما من أحد إلا وهو مبعوث ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، وكما أن الأموات نشأتهم غير نشأة الدنيا كذلك نشأة الملائكة غير نشأة المادة.
وثالثاً: أن قوله: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه} إلى آخر الايتين يدل على أن الوحي الإِلهي محفوظ من لدن صدوره من مصدر الوحي إلى بلوغه الناس مصون في طريق نزوله إلى أن يصل إلى من قصد نزوله عليه.
أما مصونيته من حين صدوره من مصدره إلى أن ينتهي إلى الرسول فيكفي في الدلالة عليه قوله {من خلفه} وأما مصونيته حين أخذ الرسول إياه وتلقيه من ملك الوحي بحيث يعرفه ولا يغلط في أخذه، ومصونيته في حفظه بحيث يعيه كما أوحي إليه من غير أن ينساه أو يغيره أو يبدله، ومصونيته في تبليغه إلى الناس من تصرف الشيطان فيه فالدليل عليه قوله: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} حيث يدل على أن الغرض الإِلهي من سلوك الرصد أن يعلم إبلاغهم رسالات ربهم أي أن يتحقق في الخارج إبلاغ الوحي إلى الناس، ولازمه بلوغه إياهم ولولا مصونية الرسول في الجهات الثلاث المذكورة جميعاً لم يتم الغرض الإِلهي وهو ظاهر، وحيث لم يذكر تعالى للحصول على هذا الغرض طريقاً غير سلوك الرصد دل ذلك على أن الوحي محروس بالملائكة وهو عند الرسول كما أنه محروس بهم في طريقه إلى الرسول حتى ينتهي إليه، ويؤكده قوله بعد: {وأحاط بما لديهم}.
وأما مصونيته في مسيره من الرسول حتى ينتهي إلى الناس فيكفي فيه قوله: {من بين يديه} على ما تقدم من معناه.
أضف إلى ذلك دلالة قوله: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} بما تقدم من تقريب دلالته.
ويتفرع على هذا البيان أن الرسول مؤيد بالعصمة في أخذ الوحي من ربه وفي حفظه وفي تبليغه إلى الناس مصون من الخطأ في الجهات الثلاث جميعاً لما مر من دلالة الآية على أن ما نزَّله الله من دينه على الناس من طريق الرسالة بالوحي مصون في جميع مراحله إلى أن ينتهي إلى الناس ومن مراحله مرحلة أخذ الرسول للوحي وحفظه له وتبليغه إلى الناس.
والتبليغ يعم القول والفعل فإن في الفعل تبليغاً كما في القول فالرسول معصوم من المعصية باقتراف المحرمات وترك الواجبات الدينية لأن في ذلك تبليغاً لما يناقض الدين فهو معصوم من فعل المعصية كما أنه معصوم من الخطأ في أخذ الوحي وحفظه وتبليغه قولاً.
وقد تقدمت الإِشارة إلى أن النبوة كالرسالة في دورانها مدار الوحي فالنبي كالرسول في خاصة العصمة، ويتحصل بذلك أن أصحاب الوحي سواء كانوا رسلاً أو أنبياء معصومون في أخذ الوحي وفي حفظ ما أُوحي إليهم وفي تبليغه إلى الناس قولاً وفعلاً.
ورابعاً: أن الذي استثني في الآية من الإِظهار على الغيب إظهار الرسول على ما يتوقف عليه تحقق إبلاغ رسالته أعم من أن يكون متن الرسالة كالمعارف الاعتقادية وشرائع الدين والقصص والعبر والحكم والمواعظ أو يكون من آيات الرسالة والمعجزات الدالة على صدق الرسول في دعواه كالذي حكي عن بعض الرسل من الإِخبار بالمغيبات كقول صالح لقومه:
{ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب } [هود: 65]، وقول عيسى لبني إسرائيل: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم } [آل عمران: 49]، وكذا ما ورد من مواعد الرسل، وما ورد في الكتاب العزيز من الملاحم كل ذلك من إظهارهم على الغيب.
(بحث روائي)
عن تفسير العياشي عن أبي جعفر عليه السلام أنه سأله المعتصم عن السارق من أي موضع يجب أن يقطع؟ فقال: إن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فتترك الكف.
فقال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: السجود على سبعة أجزاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطع من الكرسوع أو المرفق لم يدع له يداً يسجد عليها وقال الله: {وأن المساجد لله} يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها {فلا تدعوا مع الله أحداً} وما كان لله فلا يقطع. الحديث.
وفي الكافي بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: وسجد يعني أبا عبد الله عليه السلام على ثمانية أعظم: الكفين والركبتين وإبهامي الرجلين والجبهة والأنف، وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها وهي التي ذكرها الله في كتابه فقال: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً} وهي الجبهة والكفان والركبتان والإِبهامان ووضع الأنف على الأرض سنة.
وعن الخرائج والجرائح روى محمد بن الفضل الهاشمي عن الرضا عليه السلام أنه نظر إلى ابن هذاب فقال: إن أنا أخبرتك أنك ستبتلي في هذه الأيام بدم ذي رحم لك لكنت مصدقاً لي؟ قال: لا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. قال: أوليس إنه يقول: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
أقول: والأخبار في هذا الباب فوق حد الإِحصاء، ومدلولها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذه بوحي من ربه وأنهم أخذوه بالوراثة منه صلى الله عليه وآله وسلم.