التفاسير

< >
عرض

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً
١
يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً
٢
وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً
٣
وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً
٤
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً
٥
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً
٦
وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً
٧
وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً
٨
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً
٩
وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
١٠
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً
١١
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً
١٢
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً
١٣
وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً
١٤
وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً
١٥
وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً
١٦
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً
١٧
-الجن

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تشير السورة إلى قصة نفر من الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وأقروا بأصول معارفه، وتتخلص منها إلى تسجيل نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإِشارة إلى وحدانيته تعالى في ربوبيته وإلى المعاد، والسورة مكية بشهادة سياقها.
قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد} أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقص القصة لقومه، والموحي هو الله سبحانه، ومفعول {استمع} القرآن حذف لدلالة الكلام عليه، والنفر الجماعة من ثلاثة إلى تسعة على المشهور، وقيل: بل إلى أربعين.
والعجب بفتحتين ما يدعو إلى التعجب منه لخروجه عن العادة الجارية في مثله، وإنما وصفوا القرآن بالعجب لأنه كلام خارق للعادة في لفظه ومعناه أتى به رجل أمي ما كان يقرأ ولا يكتب.
والرشد إصابة الواقع وهو خلاف الغي، وهداية القرآن إلى الرشد دعوته إلى عقائد وأعمال تتضمن للمتلبس بها سعادته الواقعية.
والمعنى: يا أيها الرسول قل للناس: أوحى - أي أوحى الله - إلى أنه استمع القرآن جماعة من الجن فقالوا - لقومهم لما رجعوا إليهم - إنا سمعنا كلاماً مقرواً خارقاً للعادة يهدي إلى معارف من عقائد وأعمال في التلبس بها إصابة الواقع والظفر بحقيقة السعادة.
(كلام في الجن)
الجن نوع من الخلق مستورون من حواسنا يصدق القرآن الكريم بوجودهم ويذكر أنهم بنوعهم مخلوقون قبل نوع الإِنسان، وأنهم مخلوقون من النار كما أن الإِنسان مخلوق من التراب قال تعالى:
{ والجان خلقناه من قبل من نار السموم } [الحجر: 27]. وأنهم يعيشون ويموتون ويبعثون كالإِنسان قال تعالى: { أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإِنس } [الأحقاف: 18]. وأن فيهم ذكوراً وإناثاً يتكاثرون بالتوالد والتناسل قال تعالى: { وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن } [الجن: 6]. وأن لهم شعوراً وإرادة وأنهم يقدرون على حركات سريعة وأعمال شاقة كما في قصص سليمان عليه السلام وتسخير الجن له وقصة ملكة سبأ.
وأنهم مكلفون كالإِنسان، منهم مؤمنون ومنهم كفار، ومنهم صالحون وآخرون طالحون، قال تعالى:
{ وما خلقت الجن والإِنس الا ليعبدون } [الذاريات: 56]، وقال تعالى: { إنا سمعنا قرآناً عجباً * يهدي إلى الرشد فآمنا به } [الجن: 1-2]، وقال: { وأَنا منا المسلمون ومنا القاسطون } [الجن: 14]، وقال: { وأَنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } [الجن: 11]، وقال تعالى: { قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله } [الأحقاف: 30-31]، إلى غير ذلك من خصوصيات أحوالهم التي تشير إليها الآيات القرآنية.
ويظهر من كلامه تعالى أن إبليس من الجن وأن له ذرية وقبيلاً قال تعالى:
{ كان من الجن ففسق عن أمر ربه } [الكهف: 50]، وقال تعالى: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } [الكهف: 50]، وقال تعالى: { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } [الأعراف: 27]. قوله تعالى: {فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً} إخبار عن إيمانهم بالقرآن وتصديقهم بأنه حق، وقوله: {ولن نشرك بربنا أحداً} تأكيد لمعنى إيمانهم به أن إيمانهم بالقرآن إيمان بالله الذي أنزله فهو ربهم، وأن إيمانهم به تعالى إيمان توحيد لا يشركون به أحداً أبداً.
قوله تعالى: {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً} فسر الجد بالعظمة وفسر بالحظ، والآية في معنى التأكيد لقولهم: {ولن نشرك بربنا أحداً}.
والقراءة المشهورة "أنه" بالفتح، وقرئ بالكسر في هذه الآية وفيما بعدها من الآيات - اثنا عشر مورداً - إلى قوله: {وأن لو استقاموا} فبالفتح وهو الأرجح لظهور سياق الآيات في أنها مقولة قول الجن.
وأما قراءة الفتح فوجهها لا يخلو من خفاء، وقد وجهها بعضهم بأن الجملة {وأنه} "الخ" معطوفة على الضمير المجرور في قوله {آمنا به} والتقدير وآمنا بأنه تعالى جد ربنا الخ فهو إخبار منهم بالإِيمان بنفي الصاحبة والولد منه تعالى على ما يقول به الوثنيون.
وهذا إنما يستقيم على قول الكوفيين من النحاة بجواز العطف على الضمير المتصل المجرور، وأما على قول البصريين منهم من عدم جوازه فقد وجهه بعضهم كما عن الفراء والزجاج والزمخشري بأنها معطوفة على محل الجار والمجرور وهو النصب فإن قوله: {آمنا به} في معنى صدقناه، والتقدير وصدقنا أنه تعالى جد ربنا الخ، ولا يخفى ما فيه من التكلف.
ووجهه بعضهم بتقدير حرف الجر في الجملة المعطوفة وذلك مطرد في أن وأنّ، والتقدير آمنا به وبأنه تعالى جد ربنا "الخ".
ويرد على الجميع أعم من العطف على الضمير المجرور أو على محله أو بتقدير حرف الجر أن المعنى إنما يستقيم حينئذ في قوله: {وأنه تعالى جد ربنا} الخ، وقوله: {وأنه كان يقول سفيهنا} الخ، وأما بقية الآيات المصدرة بأن كقوله: {وأنا ظننا أن لن تقول} الخ، وقوله: {وأنه كان رجال من الإِنس} الخ، وقوله: {وأنا لمسنا السماء} فلا يصح قطعاً فلا معنى لأن يقال: آمنا أو صدقنا أنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله شططاً، أو يقال: آمنا أو صدقنا أنه كان رجال من الإِنس يعوذون الخ، أو يقال: آمنا أو صدقنا أنا لمسنا السماء الخ.
ولا يندفع الإِشكال إلا بالمصير إلى ما ذكره بعضهم أنه إذا وجه الفتح في الآيتين الأوليين بتقدير الإِيمان أو التصديق فليوجه في كل من الآيات الباقية بما يناسبها من التقدير.
ووجّه بعضهم الفتح بأن قوله: {وأنه تعالى} الخ وسائر الآيات المصدرة بأن معطوفة على قوله: {أنه استمع} الخ.
ولا يخفى فساده فإن محصله أن الآيات في مقام الإِخبار عما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أقوالهم وقد أخبر عن قولهم: إنا سمعنا قرآناً عجباً فآمنا به بعنوان أنه إخبار عن قولهم ثم حكى سائر أقوالهم بألفاظها فالمعنى أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا كذا وكذا وأوحي إلى أنه تعالى جد ربنا "الخ" وأوحي إلى أنه كان يقول سفيهنا إلى آخر الآيات.
فيرد عليه أن ما وقع في صدر الآيات من لفظة "أنه" و "أنهم" و "أنا" إن لم يكن جزء من لفظهم المحكي كان زائداً مخلاً بالكلام، وإن كان جزء من كلامهم المحكي بلفظه لم يكن المحكي من مجموع أن وما بعدها كلاماً تاماً واحتاج إلى تقدير ما يتم به كلاماً حتى تصح الحكاية، ولم ينفع في ذلك عطفه على قوله: {أنه استمع} شيئاً فلا تغفل.
قوله تعالى: {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً} السفه - على ما ذكره الراغب - خفة النفس لنقصان العقل، والشطط القول البعيد من الحق.
والآية أيضاً في معنى التأكيد لقولهم: {لن نشرك بربنا أحداً} ومرادهم بسفيههم من سبقهم من مشركي الجن، وقيل: المراد إبليس وهو من الجن، وهو بعيد من سياق قوله: {كان يقول سفيهنا} الخ.
قوله تعالى: {وأنا ظننا أن لن تقول الإِنس والجن على الله كذباً} اعتراف منهم بأنهم ظنوا أن الإِنس والجن صادقون فيما يقولون ولا يكذبون على الله فلما وجدوهم مشركين وسمعوهم ينسبون إليه تعالى الصاحبة والولد أذعنوا به وقلدوهم فيما يقولون فأشركوا مثلهم حتى سمعوا القرآن فانكشف لهم الحق؛ وفيه تكذيب منهم للمشركين من الإِنس والجن.
قوله تعالى: {وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً} قال الراغب: العوذ الالتجاء إلى الغير، وقال: رهقه الأمر غشيه بقهر انتهى. وفسر الرهق بالإِثم، وبالطغيان، وبالخوف، وبالشر، وبالذلة والضعف، وهي تفاسير بلازم المعنى.
والمراد بعوذ الإِنس بالجن - على ما قيل: أن الرجل من العرب كان إذا نزل الوادي في سفره ليلاً قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه، ونقل عن مقاتل أن أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا في العرب.
ولا يبعد أن يكون المراد بالعوذ بالجن الاستعانة بهم في المقاصد من طريق الكهانة، وإليه يرجع ما نقل عن بعضهم أن المعنى كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من أجل الجن ومن معرتهم وأذاهم.
والضميران في قوله: {فزادوهم} أولهما لرجال من الإِنس وثانيهما لرجال من الجن والمعنى فزاد رجال الإِنس رجال الجن رهقاً بالتجائهم إليهم فاستكبر رجال الجن وطغوا وأثموا، ويجوز العكس بأن يكون الضمير الأول لرجال الجن والثاني لرجال الإِنس، والمعنى فزاد رجال الجن رجال الإِنس رهقاً أي إثماً وطغياناً أو ذلة وخوفاً.
قوله تعالى: {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً} ضمير {أنهم} لرجال من الإِنس، والخطاب في {ظننتم} لقومهم من الجن، والمراد بالبعث بعث الرسول بالرسالة فالمشركون ينكرون ذلك، وقيل: المراد به الإِحياء بعد الموت، وسياق الآيات التالية يؤيد الأول.
وعن بعضهم أن هذه الآية والتي قبلها ليستا من كلام الجن بل كلامه تعالى معترضاً بين الآيات المتضمنة لكلام الجن، وعليه فضمير "أنهم" للجن وخطاب "ظننتم" للناس، وفيه أنه بعيد من السياق.
قوله تعالى: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً} لمس السماء الاقتراب منها بالصعود إليها، والحرس - على ما قيل - اسم جمع لحارس ولذا وصف بالمفرد والمراد بالحرس الشديد الحفاظ الأقوياء في دفع من يريد الاستراق منها ولذا شفع بالشهب وهي سلاحهم.
قوله تعالى: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً} يفيد انضمام صدر الآية إلى الآية السابقة أن ملء السماء بالحرس الشديد والشهب مما حدث أخيراً وأنهم كانوا من قبل يقعدون من السماء مقاعد لاستماع كلام الملائكة ويفيد ذيل الآية بالتفريع على جميع ما تقدم أن من يستمع الآن منا بالقعود منها مقعداً للسمع يجد له شهاباً من صفته أنه راصد له يرميه به الحرس.
فيتحصل من مجموع الآيتين الإِخبار بأنهم عثروا على حادثة سماوية جديدة مقارنة لنزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي منع الجن من تلقي أخبار السماء باستراق السمع.
ومن عجيب الاستدلال ما عن بعضهم أن في الآيتين رداً على من زعم أن الرجم حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لظهور قوله: {ملئت حرساً} في أن الحادث هو الملء وكثرة الحرس لا أصل الحرس، وظهور قوله: {نقعد منها مقاعد للسمع} في أنا كنا نجد فيها بعض المقاعد خالياً من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً.
ويدفعه أنه لو كان المراد بالآيتين هو الإِخبار عن ملء السماء بالحرس وتكثير عددهم بحيث لا يوجد فيها مقاعد خالية منهم وقد كانت توجد قبل ذلك كان الواجب أن يتوجه النفي في قوله: {فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً} إلى السمع عن جميع المقاعد قبال إثبات السمع من بعض تلك المقاعد لا نفي مجرد السمع.
سلمنا أن المراد نفي السمع على الإِطلاق وهو يكفي في ذلك لكن تعلق الغرض في الكلام بالإِخبار عن الامتلاء بالحرس مع كون بعض المقاعد خالية عنهم قبل ذلك، وكذا تقييد قوله: {فمن يستمع} الخ بقوله: {الآن} يدل على حدوث أمر جديد في رجم الجن وهو استيعاب الرجم لهم في أي مقعد قعدوا والمنع من السمع مطلقاً بعدما كانوا يستمعون من بعض المقاعد من غير منع، وهذا المقدار كاف للمدعي فيما يدعيه.
وليتنبه أن مدلول الآية حدوث رجم الجن بشهاب رصد وهو غير حدوث الشهاب السماوي وهو ظاهر فلا ورود لما قيل: أن الشهب السماوية كانت من الحوادث الجوية الموجودة قبل زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن.
وجه عدم الورود أن الذي يظهر من القرآن حدوث رجم الشياطين من الجن بالشهب من غير تعرض لحدوث أصل الشهب، وقد تقدم في تفسير أول سورة الصافات بعض ما يتعلق بهذا المقام.
قوله تعالى: {وأنا لا ندري أشر أُريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً} الرشد بفتحتين والرشد بالضم فالسكون خلاف الغي وتنكير {رشداً} لإِفادة النوع أي نوعاً من الرشد.
هذا منهم إظهار للجهل والتحير فيما شاهدوه من أمر الرجم ومنع شياطين الجن من الاطلاع على أخبار السماء غير أنهم تنبهوا على أن ذلك لأمر ما يرجع إلى أهل الأرض إما خير أو شر وإذا كان خيراً فهو نوع هدى لهم وسعاده ولذا بدلوا الخير وهو المقابل للشر من الرشد، ويؤيده قولهم: {أراد بهم ربهم} المشعر بالرحمة والعناية.
وقد صرحوا بالفاعل لإِرادة الرشد وحذفوه في جانب الشر أدباً ولا يراد شر من جانبه تعالى إلا لمن استحقه.
قوله تعالى: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدداً} الصلاح مقابل الطلاح، والمراد بدون ذلك ما يقرب منه رتبة - على ما قيل -، والظاهر أن دون بمعنى غير، ويؤيده قوله: {كنا طرائق قدداً} الدال على التفرق والتشتت والطرائق جمع طريقة وهي الطريق المطروقة المسلوكة، والقدد القطع جمع قدة بمعنى قطعة من القد بمعنى القطع وصفت الطرائق بالقدد لأن كل واحدة منها مقطوعة عن غيرها تنتهي بسالكها إلى غاية غير ما ينتهي به إليه غيرها، وإلى هذا المعنى يرجع تفسير القدد بالطرائق المتفرقة المتشتتة.
والظاهر أن المراد بقوله: {الصالحون} الصالحون بحسب الطبع الأولي في المعاشرة والمعاملة دون الصالحين بحسب الإِيمان، ولو كان المراد صلاح الإيمان لكان الأنسب أن يذكر بعدما سيجيء من حديث إيمانهم لما سمعوا الهدى.
وذكر بعضهم أن قوله: {طرائق قدداً} منصوب على الظرفية أي في طرائق قدد وهي المذاهب المتفرقة المتشتتة، وقال آخرون إنه على تقدير مضاف أي ذوي طارئق ولا يبعد أن يكون من الاستعارة بتشبيههم أنفسهم في الاختلاف والتباين بالطرق المقطوع بعضها من بعض الموصلة إلى غايات متشتتة.
والمعنى: وأنا منا الصالحون طبعاً ومنا غير ذلك كنا في مذاهب مختلفة أو ذوي مذاهب مختلفة أو كالطرق المقطوعة بعضها عن بعض.
قوله تعالى: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً} الظن هو العلم اليقيني، والأنسب أن يكون المراد بقوله: {لن نعجز الله في الأرض} إعجازه تعالى بالغلبة عليه فيما يشاء فيها وذلك بالإِفساد في الأرض وإخلال النظام الذي يجري فيها فإن إفسادهم لو أفسدوا من القدر، والمراد بقوله: {ولن نعجزه هرباً} إعجازه تعالى بالهرب منه إذا طلبهم حتى يفوتوه فلا يقدر على الظفر بهم.
وقيل: المعنى لن نعجزه تعالى كائنين في الأرض ولن نعجزه هرباً إلى السماء أي لن نعجزه لا في الأرض ولا في السماء هذا وهو كما ترى.
قوله تعالى: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} المراد بالهدى القرآن باعتبار ما يتضمنه من الهدى، والبخس النقص على سبيل الظلم، والرهق غشيان المكروه.
والفاء في قوله: {فمن يؤمن} للتفريع وهو من تفريع العلة على المعلول لإِفادة الحجة في إيمانهم بالقرآن من دون ريث ولا مهل.
ومحصل المعنى: أنا لما سمعنا القرآن الذي هو الهدى بادرنا إلى الايمان به من دون مكث لأن من آمن به فقد آمن بربه ومن يؤمن بربه فلا يخاف نقصاناً في خير أو غشياناً من مكروه حتى يكف عن المبادرة والاستعجال ويتروى في الإِقدام عليه لئلا يقع في بخس أو رهق.
قوله تعالى: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً} المراد بالإِسلام تسليم الأمر لله تعالى فالمسلمون المسلّمون له الأمر المطيعون له فيما يريده ويأمر به، والقاسطون هم المائلون إلى الباطل قال في المجمع: القاسط هو العادل عن الحق والمقسط العادل إلى الحق، انتهى.
والمعنى: أنا معشر الجن منقسمون إلى من يسلّم لأمر الله مطيعين له، وإلى من يعدل عن التسليم لأمر الله وهو الحق.
وقوله: {فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً} تحري الشيء توخيه وقصده، والمعنى فالذين أسلموا فأولئك قصدوا إصابة الواقع والظفر بالحق.
قوله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} فيعذبون بتسعرهم واشتعالهم بأنفسهم كالقاسطين من الإِنس قال تعالى:
{ فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]. وقد عد كثير منهم قوله: {فمن أسلم فأولئك} إلى قوله {لجهنم حطباً} تتمة لكلام الجن يخاطبون به قومهم وقيل: إنه من كلامه تعالى يخاطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً لنفتنهم فيه}: {أن} مخففة من الثقيلة، والمراد بالطريقة طريقة الاسلام، والاستقامة عليها لزومها والثبات على ما تقتضيه من الإِيمان بالله وآياته.
والماء الغدق الكثير منه، ولا يبعد أن يستفاد من السياق أن قوله: {لأسقيناهم ماء غدقاً} مثل أريد به التوسعة في الرزق، ويؤيده قوله بعده: {لنفتنهم فيه}.
والمعنى: وأنه لو استقاموا أي الجن والانس على طريقة الاسلام لله لرزقناهم رزقاً كثيراً لنمتحنهم في رزقهم فالآية في معنى قوله:
{ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } [الأعراف: 96]. والآية من كلامه تعالى معطوف على قوله في أول السورة: {أنه استمع} الخ.
قوله تعالى: {ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً} العذاب الصعد هو الذي يتصعد على المعذب ويغلبه، وقيل: هو العذاب الشاق.
والإِعراض عن ذكر الله لازم عدم الاستقامة على الطريقة وهو الأصل في سلوك العذاب، ولذا وضع موضعه ليدل على السبب الأصلي في دخول النار.
وهو الوجه أيضاً في الالتفات عن التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله: {ذكر ربه} وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ذكرنا وذلك أن صفة الربوبية هي المبدأ الأصلي لتعذيب المعرضين عن ذكره تعالى فوضعت موضع ضمير المتكلم مع الغير ليدل على المبدأ الأصلي كما وضع الإِعراض عن الذكر موضع عدم الاستقامة ليدل على السبب.
قيل: وقوله: {يسلكه} مضمن معنى يدخله ولذا عدي إلى المفعول الثاني، والمعنى ظاهر.
(بحث روائي)
في المجمع روى الواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم: قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها.
فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم وقالوا: {إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً} فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن}.
ورواه البخاري ومسلم أيضاً في الصحيح.
أقول: وروى القمي في تفسيره ما يقرب منه وقد أوردنا الرواية في تفسير سورة الأحقاف في ذيل قوله: {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} الخ.
لكن ظاهر روايته أن النفر الذين نزلت فيهم آيات سورة الأحقاف هم النفر الذين نزلت فيهم هذه السورة وظاهر آيات السورتين لا يلائم ذلك فإن ظاهر قولهم المنقول في سورة الأحقاف: {إنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق} الآية أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومصدقين للتوراة وظاهر آيات هذه السورة أنهم كانوا مشركين لا يرون النبوة ولازم ذلك تغاير الطائفتين اللهم إلا أن يمنع الظهور.
وفيه عن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الجن؟ فقال: ما كان منا معه أحد فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة فقلنا: اغتيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو استطير فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلاً من نحو حراء فقلنا: يا رسول الله أين كنت؟ لقد أشفقنا عليك، وقلنا له: بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك، فقال لنا: إنه أتاني داعي الجن فذهبت أقرؤهم القرآن فذهب بنا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم فأما أن يكون صحبه منا أحد فلا.
وفيه وعن الربيع بن أنس قال: ليس لله تعالى جد وإنما قالته الجن بجهالة فحكاه الله سبحانه كما قالت، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.
أقول: المراد بالجد المنفي عنه تعالى الحظ والبخت.
وفي الاحتجاج عن علي عليه السلام في حديث: فأقبل إليه الجن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ببطن النخل فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً، ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفاً منهم فبايعوه على الصوم والصلاة والزكاه والحج والجهاد ونصح المسلمين فاعتذروا بأنهم قالوا على الله شططاً.
أقول: بيعتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصوم والصلاة الخ، يصدقها قولهم المحكي في أول السورة: {فآمنا به} وقولهم: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به}، وأما كيفية عملهم بها وخاصة بالزكاة والجهاد فمجهولة لنا، واعتذارهم الأول المذكور لا يخلو من خفاء.
وفي تفسير القمي بإسناده إلى زرارة قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: {وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً} قال: كان الرجل ينطلق إلى الكاهن الذي يوحي إليه الشيطان فيقول: قل للشيطان: فلان قد عاذ بك.
وفيه في قوله تعالى: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} قال: البخس النقصان، والرهق العذاب.
وسئل العالم عن مؤمني الجن أيدخلون الجنة؟ فقال: لا ولكن لله حظائر بين الجنة والنار يكون فيها مؤمنو الجن وفساق الشيعة.
أقول: لعل المراد بهذه الحظائر هي بعض درجات الجنة التي هي دون جنة الصالحين.
واعلم أنه ورد في بعض الروايات من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام تطبيق ما في الآيات من الهدى والطريقة على ولاية علي عليه السلام وهي من الجري وليست من التفسير في شيء.