التفاسير

< >
عرض

وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً
١
فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً
٢
وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً
٣
فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً
٤
فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً
٥
عُذْراً أَوْ نُذْراً
٦
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ
٧
فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ
٨
وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ
٩
وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ
١٠
وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ
١١
لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ
١٢
لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ
١٣
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ
١٤
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
١٥
-المرسلات

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تذكر السورة يوم الفصل وهو يوم القيامة وتؤكد الإِخبار بوقوعه وتشفعه بالوعيد الشديد للمكذبين به والإِنذار والتبشير لغيرهم ويربو فيها جانب الوعيد على غيره فقد كرر فيها قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} عشر مرات.
والسورة مكية بشهادة سياق آياتها.
قوله تعالى: {والمرسلات عرفاً} الآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات إقسام منه تعالى بأمور يعبر عنها بالمرسلات فالعاصفات والناشرات فالفارقات فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً، والأوليان أعني المرسلات عرفاً والعاصفات عصفاً لا تخلوان لو خليتا ونفسهما مع الغض عن السياق من ظهور ما في الرياح المتعاقبة الشديدة الهبوب لكن الأخيرة أعني الملقيات ذكراً عذراً أو نذراً كالصريحة في الملائكة النازلين على الرسل الحاملين لوحي الرسالة الملقين له إليهم إتماماً للحجة أو إنذاراً وبقية الصفات لا تأبى الحمل على ما يناسب هذا المعنى.
وحمل جميع الصفات الخمس على إرادة الرياح كما هو ظاهر المرسلات والعاصفات - على ما عرفت - يحتاج إلى تكلف شديد في توجيه الصفات الثلاث الباقية وخاصة في الصفة الأخيرة.
وكذا حمل المرسلات والعاصفات على إرادة الرياح وحمل الثلاث الباقية أو الأخيرتين أو الأخيرة فحسب على ملائكة الوحي إذ لا تناسب ظاهراً بين الرياح وبين ملائكة الوحي حتى يقارن بينها في الأقسام وينظم الجميع في سلك واحد، وما وجهوه به من مختلف التوجيهات معان بعيدة عن الذهن لا ينتقل إليها في مفتتح الكلام من غير تنبيه سابق.
فالوجه هو الغض عن هذه الأقاويل وهي كثيرة جداً لا تكاد تنضبط، وحمل المذكورات على إرادة ملائكة الوحي كنظيرتها في مفتتح سورة الصافات {والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً} وفي معناها قوله تعالى:
{ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } [الجن: 16-28]. فقوله: {والمرسلات عرفاً} إقسام منه تعالى بها والعرف بالضم فالسكون الشعر النابت على عنق الفرس ويشبّه به الأمور إذا تتابعت يقال: جاؤا كعرف الفرس، ويستعار فيقال: جاء القطا عرفاً أي متتابعة وجاؤا إليه عرفاً واحداً أي متتابعين، والعرف أيضاً المعروف من الأمر والنهي و {عرفاً} حال بالمعنى الأول مفعول له بالمعنى الثاني، والإِرسال خلاف الإِمساك، وتأنيث المرسلات باعتبار الجماعات أو باعتبار الروح التي تنزل بها الملائكة قال تعالى: { ينزّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده } [النحل: 2] وقال { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده } [غافر: 15]. والمعنى أُقسم بالجماعات المرسلات من ملائكة الوحي.
وقيل: المراد بالمرسلات عرفاً الرياح المتتابعة المرسلة وقد تقدمت الإِشارة إلى ضعفه، ومثله في الضعف القول بأن المراد بها الأنبياء عليهم السلام فلا يلائمه ما يتلوها.
قوله تعالى: {فالعاصفات عصفاً} عطف على المرسلات والمراد بالعصف سرعة السير استعارة من عصف الرياح أي سرعة هبوبها إشارة إلى سرعة سيرها إلى ما أرسلت إليه، والمعنى أُقسم بالملائكة الذين يرسلون متتابعين فيسرعون في سيرهم كالرياح العاصفة.
قوله تعالى: {والناشرات نشراً} إقسام آخر، ونشر الصحيفة والكتاب والتوب ونحوها: بسطه، والمراد بالنشر نشر صحف الوحي كما يشير إليه قوله تعالى:
{ كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة } [عبس: 11-16] والمعنى وأقسم بالملائكة الناشرين للصحف المكتوبة عليها الوحي للنبي ليتلقاه.
وقيل: المراد بها الرياح ينشرها الله تعالى بين يدي رحمته وقيل: الرياح الناشرة للسحاب، وقيل: الملائكة الناشرين لصحائف الأعمال، وقيل: الملائكة نشروا أجنحتهم حين النزول وقيل: غير ذلك.
قوله تعالى: {فالفارقات فرقاً} المراد به الفرق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام، والفرق المذكور صفة متفرعة على النشر المذكور.
قوله تعالى: {فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً} المراد بالذكر القرآن يقرؤنه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو مطلق الوحي النازل على الأنبياء المقروّ عليهم.
والصفاًت الثلاث أعني النشر والفرق وإلقاء الذكر مترتبة فإن الفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام يتحقق بنشر الصحف وإلقاء الذكر فبالنشر يشرع الفرق في التحقق وبالتلاوة يتم تحققه فالنشر يترتب عليه مرتبة من وجود الفرق ويترتب عليها تمام وجوده بالإِلقاء.
وقوله: {عذراً أو نذراً} هما من المفعول له و {أو} للتنويع قيل: هما مصدران بمعنى الإِعذار والإِنذار، والإِعذار الإِتيان بما يصير به معذوراً والمعنى أنهم يلقون الذكر لتكون عذراً لعباده المؤمنين بالذكر وتخويفاً لغيرهم.
وقيل: ليكون عذراً يعتذر به الله إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على وجه الحكمة، ويؤل إلى إتمام الحجة, فمحصل المعنى عليه أنهم يلقون الذكر ليكون إتماماً للحجة على المكذبين وتخويفاً لغيرهم، وهو معنى حسن.
قوله تعالى: {إن ما توعدون لواقع} جواب القسم، وما موصولة والخطاب لعامة البشر، والمراد بما توعدون يوم القيامة بما فيه من العقاب والثواب والواقع أبلغ من الكائن لما فيه من شائبة الاستقرار، والمعنى أن الذي وعدكم الله به من البعث والعقاب والثواب سيتحقق لا محالة.
(كلام في أقسامه تعالى في القرآن)
من لطيف صنعة البيان في هذه الآيات الست أنها مع ما تتضمن الإِقسام لتأكيد الخبر الذي في الجواب تتضمن الحجة على مضمون الجواب وهو وقوع الجزاء الموعود فإن التدبير الربوبي الذي يشير إليه القسم أعني إرسال المرسلات العاصفات ونشرها الصحف وفرقها وإلقاءها الذكر للنبي تدبير لا يتم إلا مع وجود التكليف الإِلهي والتكليف لا يتم إلا مع تحتم وجود يوم معد للجزاء يجازى فيه العاصي والمطيع من المكلفين.
فالذي أقسم تعالى به من التدبير لتأكيد وقوع الجزاء الموعود هو بعينه حجة على وقوعه كأنه قيل: أقسم بهذه الحجة أن مدلولها واقع.
وإذا تأملت الموارد التي أورد فيها القسم في كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت المقسم به فيها حجة دالة على حقية الجواب كقوله تعالى في الرزق:
{ فورب السماء والأرض إنه لحق } [الذاريات: 23] فإن ربوبية السماء والأرض هي المبدأ لرزق المرزوقين، وقوله: { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } [الحجر: 72] فإن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطاهرة المصونة بعصمة من الله دالة على سكرهم وعمههم، وقوله: { والشمس وضحاها } [الشمس: 1] إلى أن قال { ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دساها } [الشمس: 7-10] فإن هذا النظام المتقن المنتهي إلى النفس الملهمة المميزة لفجورها وتقواها هو الدليل على فلاح من زكاها وخيبة من دساها.
وعلى هذا النسق سائر ما ورد من القسم في كلامه تعالى وإن كان بعضها لا يخلو من خفاء يحوج إلى إمعان من النظر كقوله:
{ والتين والزيتون وطور سينين } [التين: 1-2]، وعليك بالتدبّر فيها.
قوله تعالى: {فإذا النجوم طمست} إلى قوله {أُقتت} بيان لليوم الموعود الذي أخبر بوقوعه في قوله: {إنما توعدون لواقع} وجواب إذا محذوف يدل عليه قوله: {لأي يوم أجلت} إلى قوله {للمكذبين}.
وقد عرف سبحانه اليوم الموعود بذكر حوادث واقعة تلازم انقراض العالم الانساني وانقطاع النظام الدنيوي كانطماس النجوم وانشقاق الأرض واندكاك الجبال وتحول النظام إلى نظام آخر يغايره، وقد تكرر ذلك في كثير من السور القرآنية وخاصة السور القصار كسورة النبأ والنازعات والتكوير والإِنفطار والإِنشقاق والفجر والزلزال والقارعة، وغيرها، وقد عدت الأمور المذكورة فيها في الأخبار من أشراط الساعة.
ومن المعلوم بالضرورة من بيانات الكتاب والسنة أن نظام الحياة في جميع شؤونها في الآخرة غير نظامها في الدنيا فالدار الآخرة دار أبدية فيها محض السعادة لساكنيها لهم فيها ما يشاؤون أو محض الشقاء وليس لهم فيها إلا ما يكرهون والدار الدنيا دار فناء وزوال لا يحكم فيها إلا الأسباب والعوامل الخارجية الظاهرية مخلوط فيها الموت بالحياة، والفقدان بالوجدان، والشقاء بالسعادة، والتعب بالراحة، والمساءة بالسرور، والآخرة دار جزاء ولا عمل والدنيا دار عمل ولا جزاء، وبالجملة النشأة غير النشأة.
فتعريفه تعالى نشأة البعث والجزاء بأشراطها التي فيها انطواء بساط الدنيا بخراب بنيان أرضها وانتساف جبالها وانشقاق سمائها وانطماس نجومها إلى غير ذلك من قبيل تحديد نشأة بسقوط النظام الحاكم في نشأة أُخرى قال تعالى:
{ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } [الواقعة: 62]. فقوله: {فإذا النجوم طمست} أي محي أثرها من النور وغيره، والطمس إزالة الأثر بالمحو قال تعالى: { وإذا النجوم انكدرت } [التكوير: 2]. وقوله: {وإذا السماء فرجت} أي انشقت، والفرج والفرجة الشق بين الشيئين قال تعالى: { إذا السماء انشقت } [الإنشقاق: 1]. وقوله: {وإذا الجبال نسفت} أي قلعت وأزيلت من قولهم: نسفت الريح الشيء أي اقتلعته وأزالته قال تعالى: { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً } [طه: 105] وقوله: {وإذا الرسل أُقتت} أي عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم أو بلغت الوقت الذي تنتظره لأداء شهادتها على الأمم من التأقيت بمعنى التوقيت، قال تعالى: { فلنسألن الذين أُرسل إليهم ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، وقال: { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } [المائدة: 109]. قوله تعالى: {لأي يوم أُجلت} إلى قوله {للمكذبين} الأجل المدة المضروبة للشيء، والتأجيل جعل الأجل للشيء، ويستعمل في لازمه وهو التأخير كقولهم: دين مؤجل أي له مدة بخلاف الحال وهذا المعنى هو الأنسب للآية، والضمير في {أجلت} للأمور المذكورة قبلاً من طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتأقيت الرسل، والمعنى لأي يوم اخرت يوم أُخرت هذه الأمور.
وأحتمل أن يكون {أُجلت} بمعنى ضرب الأجل للشيء وأن يكون الضمير المقدر فيه راجعاً إلى الرسل، أو إلى ما يشعر به الكلام من الأمور المتعلقة بالرسل مما أخبروا به من أحوال الآخرة وأهوالها وتعذيب الكافرين وتنعيم المؤمنين فيها، ولا يخلو كل ذلك من خفاء.
وقد سقيت الآية والتي بعدها أعني قوله: {لأي يوم أُجلت ليوم الفصل} في صورة الإِستفهام وجوابه للتعظيم والتهويل والتعجيب وأصل المعنى أُخرت هذه الأمور ليوم الفصل.
وهذا النوع من الجمل الاستفهامية في معنى تقدير القول، والمعنى إن من عظمة هذا اليوم وهوله وكونه عجباً أنه يسأل فيقال: لأي يوم أُخرت هذه الأمور العظيمة الهائلة العجيبة فيجاب: ليوم الفصل.
وقوله: {ليوم الفصل} هو يوم الجزاء الذي فيه فصل القضاء قال تعالى:
{ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } [الحج: 17]. وقوله: {وما أدراك ما يوم الفصل} تعظيم لليوم وتفخيم لأمره.
وقوله: {ويل يومئذ للمكذبين} الويل الهلاك، والمراد بالمكذبين المكذبون بيوم الفصل الذي فيه ما يوعدون فإن الآيات مسوقة لبيان وقوعه وقد أقسم على أنه واقع.
وفي الآية دعاء على المكذبين، وقد استغني به عن ذكر جواب إذا في قوله: {فإذا النجوم طمست} الخ والتقدير فإذا كان كذا وكذا وقع ما توعدون من العذاب على التكذيب أو التقدير فإذا كان كذا وكذا كان يوم الفصل وهلك المكذبون به.
(بحث روائي)
في الخصال عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: أسرع الشيب إليك يا رسول الله قال صلى الله عليه وآله وسلم: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون.
وفي الدر المنثور أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفاً فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت عليه حية فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اقتلوها فابتدرناها فذهبت فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيت شركم كما وقيتم شرها.
أقول: ورواها أيضاً بطريقين آخرين.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {والمرسلات عرفاً} قال: آيات تتبع بعضها بعضاً.
وفي المجمع في الآية وقيل: إنها الملائكة ارسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه. في رواية الهروي عن ابن مسعود، وعن أبي حمزة الثمالي عن أصحاب علي عنه عليه السلام.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {فإذا النجوم طمست} قال: يذهب نورها وتسقط.
وفيه في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {فإذا النجوم طمست} فطمسها ذهاب ضوئها {وإذا السماء فرجت} قال: تفرج وتنشق {وإذا الرسل أقتت} قال: بعثت في أوقات مختلفة.
وفي المجمع قال الصادق عليه السلام: {أقتت} أي بعثت في أوقات مختلفة.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {لأي يوم أُجلت} قال: أُخرت.