التفاسير

< >
عرض

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ
١
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
٢
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
٣
أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ
٤
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
٥
يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٦
كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
٧
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ
٨
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٩
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
١٠
ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ
١١
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
١٢
إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
١٣
كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٤
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
١٥
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ
١٦
ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
١٧
كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
١٨
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
١٩
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٢٠
يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢١
-المطففين

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تفتتح السورة بوعيد أهل التطفيف في الكيل والوزن وتنذرهم بأنهم مبعوثون للجزاء في يوم عظيم وهو يوم القيامة ثم تتخلص لتفصيل ما يجري يومئذ على الفجَّار والأبرار.
والأنسب بالنظر إلى السياق أن يكون أول السورة المشتمل على وعيد المطففين نازلاً بالمدينة وأما ما يتلوه من الآيات إلى آخر السورة فيقبل الانطباق على السياقات المكية والمدنية.
قوله تعالى: {ويل للمطففين} دعاء على المطففين والتطفيف نقص المكيال والميزان، وقد نهى الله تعالى عنه وسماه إفساداً في الأرض كما فيما حكاه من قول شعيب:
{ ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [هود: 85]، وقد تقدم الكلام في تفسير الآية في معنى كونه إفساداً في الأرض.
قوله تعالى: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} الاكتيال من الناس الأخذ منهم بالكيل، وتعديته بعلى لإِفادة معنى الضرر، والكيل إعطاؤهم بالمكيال يقال: كاله طعامه ووزنه وكال له طعامه ووزن له والأول لغة أهل الحجاز وعليه التنزيل والثاني لغة غيرهم كما في المجمع، والاستيفاء أخذ الحق تاماً كاملاً، والإِخسار الإِيقاع في الخسارة.
والمعنى: الذين إذا أخذوا من الناس بالكيل يأخذون حقهم تاماً كاملاً، وإذا أعطوا الناس بالكيل أو الوزن ينقصون فيوقعونهم في الخسران.
فمضمون الآيتين جميعاً ذم واحد وهو أنهم يراعون الحق لأنفسهم ولا يراعونه لغيرهم وبعبارة أخرى لا يراعون لغيرهم من الحق مثل ما يراعونه لأنفسهم وفيه إفساد الاجتماع الإِنساني المبني على تعادل الحقوق المتقابلة وفي إفساده كل الفساد.
ولم يذكر الاتزان مع الاكتيال كما ذكر الوزن مع الكيل إذ قال: {وإذا كالوهم أو وزنوهم} قيل: لأن المطففين كانوا باعة وهم كانوا في الأغلب يشترون الكثير من الحبوب والبقول ونحوهما من الأمتعة ثم يكسبون بها فيبيعونها يسيراً يسيراً تدريجاً، وكان دأبهم في الكثير من هذه الأمتعة أن يؤخذ ويعطى بالكيل لا بالوزن فذكر الاكتيال وحده في الآية مبني على الغالب.
وقيل: لم يذكر الاتزان لأن الكيل والوزن بهما البيع والشراء فذكر أحدهما يدل على الآخر. وفيه أن ما ذكر في الاكتيال جار في الكيل أيضاً وقد ذكر معه الوزن فالوجه لا يخلو من تحكم.
وقيل: الآيتان تحاكيان ما كان عليه دأب الذين نزلت فيهم السورة فقد كانوا يشترون بالاكتيال فقط ويبيعون بالكيل والوزن جميعاً، وهذا الوجه دعوى من غير دليل.
إلى غير ذلك مما ذكروه في توجيه الاقتصار على ذكر الاكتيال في الآية، ولا يخلو شيء منها من ضعف.
قوله تعالى: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} الاستفهام للإِنكار والتعجيب، والظن بمعناه المعروف والإِشارة إلى المطففين بأولئك الموضوعة للاشارة البعيدة للدلالة على بعدهم من رحمة الله، واليوم العظيم يوم القيامة الذي يجازون فيه بعملهم.
والاكتفاء بظن البعث وحسبانه - مع أن من الواجب الاعتقاد العلمي بالمعاد - لأن مجرد حسبان الخطر والضرر في عمل يوجب التجنب عنه والتحرز عن اقترافه وإن لم يكن هناك علم فالظن بالبعث ليوم عظيم يؤاخذ الله فيه الناس بما كسبوا من شأنه أن يردعهم عن اقتراف هذا الذنب العظيم الذي يستتبع العذاب الأليم.
وقيل: الظن في الآية بمعنى العلم.
قوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} المراد به قيامهم من قبورهم - كناية عن تلبسهم بالحياة بعد الممات - لحكمه تعالى وقضائه بينهم.
قوله تعالى: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجِّين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين} ردع - كما قيل - عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب.
وقوله: {إن كتاب الفجَّار لفي سجين} الخ الذي يعطيه التدبر في سياق الآيات الأربع بقياس بعضها إلى بعض وقياس المجموع إلى مجموع قوله: {كلا إن كتاب الأبرار لفي علّيين} إلى تمام أربع آيات أن المراد بسجِّين ما يقابل عليين ومعناه علو على علو مضاعف ففيه شيء من معنى السفل والانحباس فيه كما يشير إليه قوله:
{ ثم رددناه أسفل سافلين } [التين: 5] فالأقرب أن يكون مبالغة من السجن بمعنى الحبس كسكير وشرِّيب من السكر والشرب فمعناه الذي يحبس من دخله على التخليد كما قيل.
والكتاب بمعنى المكتوب من الكتابة بمعنى القضاء المحتوم والمراد بكتاب الفجَّار ما قدَّره الله لهم من الجزاء وأثبته بقضائه المحتوم.
فمحصل الآية أن الذي أثبته الله من جزائهم أو عده لهم لفي سجين الذي هو سجن يحبس من دخله حبساً طويلاً أو خالداً.
وقوله: {وما أدراك ما سجين} مسوق للتهويل.
وقوله: {كتاب مرقوم} خبر لمبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى سجين والجملة بيان لسجين و {كتاب} أيضاً بمعنى المكتوب من الكتابة بمعنى القضاء والإِثبات، و {مرقوم} من الرقم، قال الراغب: الرقم الخط الغليظ، وقيل: هو تعجيم الكتاب، وقوله تعالى: {كتاب مرقوم} حمل على الوجهين. انتهى، والمعنى الثاني أنسب للمقام فيكون إشارة إلى كون ما كتب لهم متبيناً لا إبهام فيه أي إن القضاء حتم لا يتخلف.
والمحصل أن سجين مقضي عليهم مثبت لهم متبين متميز لا إبهام فيه.
ولا ضير في لزوم كون الكتاب ظرفاً للكتاب على هذا المعنى لأن ذلك من ظرفية الكل للجزء وهي مما لا ضير فيه فيكون سجين كتاباً جامعاً فيه ما قضي على الفجَّار وغيرهم من مستحقي العذاب.
وقوله: {ويل يومئذ للمكذبين} نعي ودعاء على الفجار وفيه تفسيرهم بالمكذبين، و {يومئذ} ظرف لقوله: {إن كتاب الفجَّار لفي سجين} بحسب المعنى أي ليهلك الفجَّار - وهم المكذبون - يومئذ تحقق ما كتب الله لهم وقضى عليهم من الجزاء وحل بهم ما عد لهم من العذاب.
هذا ما يفيده التدبر في هذه الآيات الأربع، وهي ذات سياق واحد متصل متلائم الأجزاء.
وللقوم في تفسير مفردات الآيات الأربع وجملها أقوال متفرقة كقولهم: إن الكتاب في قوله: {إن كتاب الفجار} بمعنى المكتوب والمراد به صحيفة أعمالهم، وقيل: مصدر بمعنى الكتابة وفي الكلام مضاف محذوف والتقدير كتابة عمل الفجار لفي سجِّين.
وقولهم: إن الفجار أعم من المكذبين فيشمل الكفار والفسقة جميعاً.
وقولهم: إن المراد بسجين الأرض السابعة السفلى يوضع فيها كتاب الفجار وقيل: واد في جهنم، وقيل: جب فيها، وقيل: سجين اسم لكتابهم، وقيل: سجين الأول اسم الموضع الذي يوضع فيه كتابهم والثاني اسم كتابهم، وقيل: هو اسم كتاب جامع هو ديوان الشر دوِّن فيه أعمال الفجرة من الثقلين، وقيل: المراد به الخسار والهوان فهو كقولهم: بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول، وقيل: هو السجِّيل بدّل لامه نوناً كما يقال جبرين في جبريل إلى غير ذلك مما قيل.
وقولهم: إن قوله: {كتاب مرقوم} ليس بياناً وتفسيراً لسجين بل تفسير للكتاب المذكور في قوله: {إن كتاب الفجار}.
وقولهم: إن قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} متصل بقوله: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} والآيات الثلاث الواقعة بين الآيتين اعتراض.
وأنت إن تأملت هذه الأقاويل وجدت كثيراً منها تحكماً محضاً لا دليل عليه.
على أنها تقطع ما في الآيات من السياق الواحد المتصل الذي يحاذي به ما في الآيات الأربع الآتية في صفة كتاب الأبرار من السياق الواحد المتصل فلا نطيل الكلام بالتعرض لواحد واحد منها والمناقشة فيها.
قوله تعالى: {الذين يكذبون بيوم الدين} تفسير للمكذبين وظاهر الآية - ويؤيده الآيات التالية - أن المراد بالتكذيب هو التكذيب القولي الصريح فيختص الذم بالكفار ولا يشمل الفسقة من أهل الإِيمان فلا يشمل مطلق المطففين بل الكفار منهم.
اللهم إلا أن يراد بالتكذيب ما يعم التكذيب العملي كما ربما أيده قوله السابق: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون} فيشمل الفجار من المؤمنين كالكفار.
قوله تعالى: {وما يكذِّب به إلا كل معتد أثيم} المعتدي اسم فاعل من الاعتداء بمعنى التجاوز والمراد به المتجاوز عن حدود العبودية، والأثيم كثير الآثام بحيث تراكم بعضها على بعض بانهماكه في الأهواء.
ومن المعلوم أن المانع الوحيد الذي يردع عن المعصية هو الإِيمان بالبعث والجزاء، والمنهمك في الأهواء المتعلق قلبه بالاعتداء والإِثم تأبى نفسه التسليم لما يردع عنها والتزهد عن المعاصي وينتهي إلى تكذيب البعث والجزاء قال تعالى:
{ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون } [الروم: 10]. قوله تعالى: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} المراد بالآيات آيات القرآن بقرينة قوله {تتلى} والاساطير ما سطروه وكتبوه والمراد بها أباطيل الأمم الماضين والمعنى إذا تتلى عليه آيات القرآن مما يحذرهم المعصية وينذرهم بالبعث والجزاء قال: هي أباطيل.
قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ردع عما قاله المكذبون: {أساطير الأولين} قال الراغب: الرين صدأ يعلو الشيء الجليل، قال تعالى: {بل ران على قلوبهم} أي صار ذلك كصدأ على جلاء قلوبهم فعمي عليهم معرفة الخير من الشر، انتهى. فكون ما كانوا يكسبون وهو الذنوب ريناً على قلوبهم هو حيلولة الذنوب بينهم وبين أن يدركوا الحق على ما هو عليه.
ويظهر من الآية:
أولاً: أن للأعمال السيئة نقوشاً وصوراً في النفس تنتقش وتتصور بها.
وثانياً: أن هذه النقوش والصور تمنع النفس أن تدرك الحق كما هو وتحول بينها وبينه.
وثالثاً: أن للنفس بحسب طبعها الأولي صفاء وجلاء تدرك به الحق كما هو وتميز بينه وبين الباطل وتفرق بين التقوى والفجور قال تعالى:
{ ونفس وما سوَّاها فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 7-8]. قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ردع عن كسب الذنوب الحائلة بين القلب وإدراك الحق، والمراد بكونهم محجوبين عن ربهم يوم القيامة حرمانهم من كرامة القرب والمنزلة ولعله مراد من قال: إن المراد كونهم محجوبين عن رحمة ربهم.
وأما ارتفاع الحجاب بمعنى سقوط الأسباب المتوسطة بينه تعالى وبين خلقه والمعرفة التامة به تعالى فهو حاصل لكل أحد قال تعالى:
{ لمن الملك اليوم لله الواحد القهَّار } [غافر: 16] وقال: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } [النور: 25]. قوله تعالى: {ثم إنهم لصالوا الجحيم} أي داخلون فيها ملازمون لها أو مقاسون حرها على ما فسره بعضهم و {ثم} في الآية وما بعدها للتراخي بحسب رتبة الكلام.
قوله تعالى: {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} هو توبيخ وتقريع والقائل خزنة النار أو أهل الجنة.
قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم} ردع في معنى الردع الذي في قوله: {كلا إن كتاب الفجار} وعليون - كما تقدم - علو على علو مضاعف، وينطبق على الدرجات العالية ومنازل القرب من الله تعالى كما أن السجين بخلافه.
والكلام في معنى الآيات الثلاث نظير الكلام في الآيات الثلاث المتقدمة التي تحازيها من قوله: {إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم}.
فالمعنى أن الذي كتب للأبرار وقضي جزاء لبرهم لفي عليين وما أدراك ما عليون هو أمر مكتوب ومقضي قضاء حتماً لازماً متبين لا إبهام فيه.
وللقوم أقاويل في هذه الآيات نظير ما لهم في الآيات السابقة من الأقوال غير أن من أقوالهم في عليين أنه السماء السابعة تحت العرش فيه أرواح المؤمنين، وقيل سدرة المنتهى التي إليها تنتهي الأعمال، وقيل: لوح من زبرجدة تحت العرش معلق مكتوب فيه أعمالهم، وقيل: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من أقوالهم.
قوله تعالى: {يشهده المقربون} الأنسب لما تقدم من معنى الآيات السابقة أن يكون {يشهده} من الشهود بمعنى المعاينة والمقربون قوم من أهل الجنة هم أعلى درجة من عامة الأبرار على ما سيأتي استفادته من قوله: {عيناً يشرب بها المقربون} فالمراد معاينتهم له بإراءة الله إياه لهم وقد قال الله تعالى في مثله من أمر الجحيم:
{ كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم } [التكاثر: 5-6] ومنه يظهر أن المقربين هم أهل اليقين.
وقيل: الشهادة هي الحضور والمقربون الملائكة، والمراد حضور الملائكة على صحيفة عملهم إذا صعدوا بها إلى الله سبحانه.
وقيل: المقربون هم الأبرار والملائكة جميعاً.
والقولان مبنيان على أن المراد بالكتاب صحيفة الأعمال وقد تقدم ضعفه.
(بحث روائي)
في تفسير القمي وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزلت يعني سورة المطففين على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة وهم يومئذ أسوأ الناس كيلاً فاحسنوا الكيل.
وفي أصول الكافي بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عز وجل خلقنا من أعلى علّيين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا ثم تلا هذه الآية {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون}.
وخلق قلوب عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، قلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه ثم تلا هذه الآية {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين}.
أقول: وروى مثله في أصول الكافي بطريق آخر عن الثمالي عنه عليه السلام، ورواه في علل الشرائع بإسناد فيه رفع عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، والأحاديث - كما ترى - تؤيد ما قدمناه في معنى الآيات.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين} قال: ما كتب الله لهم من العذاب لفي سجين.
وفيه في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: السجين الأرض السابعة وعليون السماء السابعة.
أقول: الرواية لو صحت مبنية على انتساب الجنة والنار إلى جهتي العلو والسفل بنوع من العناية ولذلك نظائر في الروايات كعد القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وعد وادي برهوت مكاناً لجهنم.
وفي الدر المنثور أخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال: التقى سلمان وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فاخبرني بما صنع ربك بك وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك فقال عبد الله: كيف يكون هذا؟ قال: نعم إن أرواح المؤمنين تكون في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ونفس الكافر في سجين والله أعلم.
وفي أصول الكافي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنباً خرج في تلك النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً وهو قول الله عز وجل: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}.
أقول: وروى هذا المعنى في الدر المنثور عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه باسناده عن عبد الله بن محمد الحجال عن بعض أصحابنا رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا فإن الحديث جلاء للقلوب إن القلوب لترين كما يرين السيف وجلاؤه" الحديث.
وعن روضة الواعظين قال الباقر عليه السلام ما شيء أفسد للقلب من الخطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أسفله أعلاه وأعلاه أسفله.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
"إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منه وإن ازداد زادت فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}
"
].