التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
٢٢
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٢٣
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ
٢٤
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
٢٥
خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ
٢٦
وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
٢٧
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ
٢٩
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
٣٠
وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ
٣١
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ
٣٢
وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ
٣٣
فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
٣٤
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٣٥
هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
٣٦
-المطففين

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
بيان فيه بعض التفصيل لجلالة قدر الأبرار وعظم منزلتهم عند الله تعالى وغزارة عيشهم في الجنة، وأنهم على كونهم يستهزئ بهم الكفار ويتغامزون بهم ويضحكون منهم سيضحكون منهم وينظرون إلى ما ينالهم من العذاب.
قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} النعيم النعمة الكثيرة وفي تنكيره دلالة على فخامة قدره، والمعنى إن الأبرار لفي نعمة كثيرة لا يحيط بها الوصف.
قوله تعالى: {على الأرائك ينظرون} الارائك جمع أريكة والأريكة السرير في الجملة وهي البيت المزين للعروس وإطلاق قوله: {ينظرون} من غير تقييد يؤيد أن يكون المراد نظرهم إلى مناظر الجنة البهجة وما فيها من النعيم المقيم، وقيل: المراد به النظر إلى ما يجزى به الكفار وليس بذاك.
قوله تعالى: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} النضرة البهجة والرونق، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن له أن ينظر فيعرف فالحكم عام والمعنى كل من نظر إلى وجوههم يعرف فيها بهجة النعيم الذي هم فيه.
قوله تعالى: {يسقون من رحيق مختوم} الرحيق الشراب الصافي الخالص من الغش، ويناسبه وصفه بأنه مختوم فإنه إنما يختم على الشيء النفيس الخالص ليسلم من الغش والخلط وإدخال ما يفسده فيه.
قوله تعالى: {ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} قيل الختام بمعنى ما يختم به أي إن الذي يختم به مسك بدلاً من الطين ونحوه الذي يختم به في الدنيا، وقيل: أي آخر طعمه الذي يجده شاربه رائحة المسك.
وقوله: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} التنافس التغالب على الشيء ويفيد بحسب المقام معنى التسابق قال تعالى:
{ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة } [الحديد: 21]، وقال: { فاستبقوا الخيرات } [المائدة: 48]، ففيه ترغيب إلى ما وصف من الرحيق المختوم.
واستشكل في الآية بأن فيها دخول العاطف على العاطف إذ التقدير فليتنافس في ذلك الخ.
وأجيب بأن الكلام على تقدير حرف الشرط والفاء واقعة في جوابه وقدم الظرف ليكون عوضاً عن الشرط والتقدير وإن أريد تنافس فليتنافس في ذلك المتنافسون.
ويمكن أن يقال: إن قوله: {وفي ذلك} معطوف على ظرف آخر محذوف متعلق بقوله: {فليتنافس} يدل عليه المقام فإن الكلام في وصف نعيم الجنة فيفيد قوله: {وفي ذلك} ترغيباً مؤكداً بتخصيص الحكم بعد التعميم، والمعنى فليتنافس المتنافسون في نعيم الجنة عامة وفي الرحيق المختوم الذي يسقونه خاصة فهو كقولنا: أكرم المؤمنين والصالحين منهم خاصة، ولا تكن عياباً وللعلماء خاصة.
قوله تعالى: {ومزاجه من تسنيم} المزاج ما يمزج به، والتسنيم على ما تفسره الآية التالية عين في الجنة سماه الله تسنيماً وفي لفظه معنى الرفع والملء يقال: سنمه أي رفعه ومنه سنام الإِبل, ويقال: سنّم الإِناء أي ملأه.
قوله تعالى: {عيناً يشرب بها المقرَّبون} يقال: شربه وشرب به بمعنى و {عيناً} منصوب على المدح أو الاختصاص و {يشرب بها المقربون} وصف لها والمجموع تفسير للتسنيم.
ومفاد الآية أن المقرَّبين يشربون التسنيم صرفاً كما أن مفاد قوله: {ومزاجه من تسنيم} أنه يمزج بها ما في كأس الأبرار من الرحيق المختوم، ويدل ذلك أولاً على أن التسنيم أفضل من الرحيق المختوم الذي يزيد لذة بمزجها، وثانياً أن المقربين أعلى درجة من الأبرار الذين تصفهم الآيات.
قوله تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} يعطي السياق أن المراد بالذين آمنوا هم الأبرار الموصوفون في الآيات وإنما عبر عنهم بالذين آمنوا لأن سبب ضحك الكفار منهم واستهزائهم بهم إنما هو إيمانهم كما أن التعبير عن الكفار بالذين اجرموا للدلالة على أنهم بذلك من المجرمين.
قوله تعالى: {وإذا مرُّوا بهم يتغامزون} عطف على قوله: {يضحكون} أي كانوا إذا مروا بالذين آمنوا يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون بأعينهم استهزاء بهم.
قوله تعالى: {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} الفكه بالفتح فالكسر المرح البطر، والمعنى وكانوا إذا انقلبوا وصاروا إلى أهلهم عن ضحكهم وتغامزهم انقلبوا ملتذين فرحين بما فعلوا أو هو من الفكاهة بمعنى حديث ذوي الانس والمعنى انقلبوا وهم يحدثون بما فعلوا تفكهاً.
قوله تعالى: {وإذا رأوهم قالوا إن هٰؤلاء لضالون} على سبيل الشهادة عليهم بالضلال أو القضاء عليهم والثاني أقرب.
قوله تعالى: {وما أرسلوا عليهم حافظين} أي وما أرسل هؤلاء الذين أجرموا حافظين على المؤمنين يقضون في حقهم بما شاؤوا أو يشهدون عليهم بما هووا، وهذا تهكم بالمستهزئين.
قوله تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} المراد باليوم يوم الجزاء، والتعبير عن الذين أجرموا بالكفار رجوع إلى حقيقة صفتهم. قيل: تقديم الجارّ والمجرور على الفعل أعني {من الكفار} على {يضحكون} لإِفادة قصر القلب، والمعنى فاليوم الذين آمنوا يضحكون من الكفار لا الكفار منهم كما كانوا يفعلون في الدنيا.
قوله تعالى: {على الأرائك ينظرون هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون} الثواب في الأصل مطلق الجزاء وإن غلب استعماله في الخير، قوله {على الأرائك} خبر بعد خبر للذين آمنوا و {ينظرون} خبر آخر، وقوله: {هل ثوّب} الخ متعلق بقوله: {ينظرون} قائم مقام المفعول.
والمعنى: الذين آمنوا على سرر في الحجال ينظرون إلى جزاء الكفار بأفعالهم التي كانوا يفعلونها في الدنيا من أنواع الإِجرام ومنها ضحكهم من المؤمنين وتغامزهم إذا مروا بهم وانقلابهم إلى أهلهم فكهين وقولهم: إن هؤلاء لضالون.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} قال: فيما ذكرناه من الثواب الذي يطلبه المؤمن.
وفي المجمع في قوله تعالى: {وإذا مروا بهم يتغامزون}: قيل نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فنزلت الآية قبل أن يصل علي وأصحابه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. عن مقاتل والكلبي.
أقول: وقد أورده في الكشاف.
وفيه ذكر الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفصيل بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال: {إن الذين أجرموا} منافقو قريش و {الذين آمنوا} علي بن أبي طالب وأصحابه.
وفي تفسير القمي {إن الذين أجرموا} إلى قوله {فكهين} قال: يسخرون.