التفاسير

< >
عرض

وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً
٨٣
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
٨٤
فَأَتْبَعَ سَبَباً
٨٥
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
٨٦
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً
٨٧
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً
٨٨
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً
٨٩
-الكهف

تفسير الأعقم

{ويسألونك} يا محمد اليهود {عن ذي القرنين} هو الاسكندر الذي ملك الدنيا، قيل: ملكها مؤمنان ذي القرنين وسليمان بن داوود، وكافران نمرود بن كنعان وبخت نصر، قيل: إن ذو القرنين كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه وسخّر له النور والظلمة، فإذا سار يهديه النور من أمامه وتحفظه الظلمة من خلفه، وقيل: كان نبياً، وقيل: ملكاً صالحاً، وعن علي (عليه السلام): "إنه سخّر له السحاب ومدَّ له الأسباب وبسط له النور" وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "أنه سمّي ذو القرنين لأنه طاف قرني الدنيا" ، يعني جانبيها شرقها وغربها، وقيل: كان له قرنان، وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس، ومتى قيل: لِمَ لم يقص كل أخبار ذي القرنين؟ قالوا: لا يمتنع أن يكون المذكور في كتبهم ذلك القدر فخبر بذلك ليكون أقوى في الدلالة ولا يمتنع أن يكون الصلاح في تعريفهم هذا القدر دون غيره، والزيادة {إنا مكّنا له في الأرض} أي ملكناه وأوطأنا له الأرض {وآتيناه من كل شيء سبباً}، قيل: آتيناه علماً لسبب به إلى ما يريد عن ابن عباس، وقيل: من كل شيء تستعين به الملوك على فتح البلاد ومحاربة الأعداء، وقيل: حيلة الأمور {فاتّبع} سلك وسار، وبالتخفيف لحق {سبباً} طريقاً بين المشرق والمغرب، وروي أنه حمل الخشب على الجمال فإذا بلغ البحر اتَّخذ السفن {حتى إذا بلغ مغرب الشمس} يعني موضع غروبها، قال في الغرائب والعجائب: ذهب بعض المفسرين إلى أن الشمس تغرب في وسط العين وأن الماء يفور لولا أصوات أهل مدينة بالمغرب يقال لها جائر سألها اثني عشر ألف باب لسمعتم وقع هدتها، إذا وقعت، والله أعلم بذلك الخبر {وجدها تغرب في عين حمئة} يعني وجد الشمس تغرب في عين حارة ذات حمئة، روي لكعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب في التوراة؟ قال: في ماء وطين {ووجد عندها قوماً}، وقيل: ناساً، وقيل: معناه وجدها كأنها تغيب في عين وإن كانت تغيب وراءها، وأنكر هذا قول جماعة، قالوا: بل هي تغيب في عين حمئة على ظاهر القرآن وعليه أكثر المفسرين، قالوا: {قلنا ياذا القرنين إما أن تعذّب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} يعني إما أن تعذب بالقتل من أقام على الشرك وإما أن تتخذ فيهم حسناً تعفوا وتصفح وتأمرهم وتعلّمهم الهدى والرشد، فقال ذو القرنين مجيباً: {أما من ظلم}، قيل: من كفر ولم يتب، وقيل: من عصى وظلم {فسوف نعذِّبه} بالقتل {ثم يرد إلى ربه فيعذِّبه عذاباً نكراً}، قيل: أشدّ من القتل، وقيل: منكراً غير معهود، ثم بيّن تعالى ما وعد المؤمنين فقال تعالى: {وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً}، قيل: عدة جميلة من الله تعالى، وقيل: بيَّن له القول ويهوّن عليه الأمر، ثم بيّن تعالى مسيره إلى المشرق فقال سبحانه: {ثم اتبع سبباً} أي سلك طريقاً، وقيل: سلك طريقاً للجهاد، والسبب الطريق.
قال الشاعر:

ال المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم قادر