التفاسير

< >
عرض

فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٠
وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٢٢١
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ
٢٢٢
-البقرة

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}. قال بعض المفسّرين: لما نزلت هذه الآية: { وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [الأنعام:152]، و[الإِسراء:34] [اشتدّت عليهم] فكانوا لا يخالطونهم في المال ولا في المأكل، ثم أنزل الله هذه الآية فنسختها. قال: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [فَرَخص لهم]. قال الحسن: {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي توفير لأموالهم خير، والله يعلم المفسد الذي يأكل يتيمه ولا يكافيه من المصلح. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لترككم في المنزلة الأولى لا تخالطونهم، فكان ذلك عليكم عنتاً شديداً والعنت الضيق.
وقال بعض المفسّرين: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي: لجهدكم، فلم تقوموا بحق، ولم تؤدوا فريضة.
وقال مجاهد: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} في الدين. ويعني بالمخالطة مخالطة اليتيم في الراعي والإِدام. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} فحرّم عليكم الراعي والإِدام. قال: {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
قوله: {وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ} يتزوجها المسلم إذا لم يجد طولاً {خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}. ثم نسخ منها المشركات من أهل الكتاب الحرائر في سورة المائدة، وأحل نساء أهل الكتاب فقال:
{ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } [المائدة:5] والمحصنات في هذه الآية: الحرائر؛ فلا يحل تزويج الإِماء من أهل الكتاب، وتوطأ بملك اليمين، لأن الله يقول: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحَصَناتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ } [النساء: 25]. ولا توطأ الأمة من المشركات من غير أهل الكتاب حتى تسلم، ولا تنكح حرة منهن حتى تسلم. قال الحسن: إذا قالت لا إله إلا الله وطئها.
قوله: {وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} فحرّم الله أن يتزوّج المسلمةَ أحدٌ من المشركين. وهو قوله:
{ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحلُّونَ لَهُنَّ } [الممتحنة:10].
قوله: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ} تتزوجه المسلمة {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} قال بعض المفسّرين: ولو قال: أنا ابن فلان بن فلان {أُوْلَئِكَ} يعني المشركين، {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي بأمره. {وَيُبَيِّنُ ءَايَاتِهِ} أي الحلال والحرام {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لكي يتذكّروا.
قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} قال الحسن: إن الشيطان أدخل على أهل الجاهلية في حيض النساء ما أدخل على المجوس؛ فكانوا لا يجالسونهن في بيت، ولا يأكلون معهن ولا يشربون.
وقال بعضهم: كان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض ولا تؤاكلهم في إناء. قال الحسن: فلما جاء الإِسلام سأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {قُلْ هُوَ أَذًى}؛ أي: قذر {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ} أي: في الدم {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}. {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فاغتسلن {فَأْتُوهُنَّ}.
ذكروا عن سعيد بن جبير قال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ}، أي: في الدم {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فاغتسلن {فَأْتُوهُنَّ}.
ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: الحيضة تبدأ فتكون دماً خاثراً، ثم يرق الدم فيكون صديداً، ثم يكون صفرة، فإذا رأت المرأة القصة البيضاء فهو الطهر.
ذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال: يا أيها الناس لا تغتروا بنسائكم، فإن المرأة لا تطهر حتى ترى القصة البيضاء.
ذكروا عن عائشة أنها قالت: يكره للنساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلاً، وقالت: بذلك تكون الصفرة والكدرة.
وذكروا عن عائشة أنها قالت: إذا أدخلت المرأة القطنة فخرجت متغيّرة فلا تصلّي حتى تطهر.
ذكر بعضهم قال: إذا كانت الترية واصلة بالطهر فلا تصلي حتى تذهب.
ذكروا عن عقبة بن عامر أنه كان يكره أن يطأ امرأته في اليوم الذي تطهر فيه.
ذكروا عن عائشة أنها سئلت: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً. فقالت: كل شيء ما خلا الفرج. غير واحد من العلماء أنهم سألوا عائشة ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً. قالت: كل شيء غير شعار الدم.
قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ}. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: من حيث نهاكم الله، يعني قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ}، يقول: فلا تأتوهن في الفرج وهو تفسير مجاهد.
قوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} أي من الذنوب. ذكر بعض أهل العلم أنه قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ ثم تلا هذه الآية: {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} قال: إذا أحبّ الله عبداً لم يضره ذنب.