التفاسير

< >
عرض

فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ
٢٥

تفسير كتاب الله العزيز

قال الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لزُلْفَى} أي: لقربى في المنزلة {وَحُسْنَ مَآبٍ} أي: حسن مرجع.
قال الكلبي: إن داوود قال: رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، فوددت أنك أعطيتني من ذلك ما أعطيتهم. قال الله: إني ابتليتهما بما لم ابتلك به. قال: فإن شئت أبتليك بما ابتليتهما وأعطيك مثل ما أعطيتهما. قال: رب، نعم. قال: اعمل عملك حتى يتبيّن بلاؤك. فمكث ما شاء الله بذلك؛ يصوم النهار ويقوم الليل. فكان على ذلك.
فبينما هو في المحراب ذات يوم، والزبور بين يديه، إذ جاء طائر فوقع قريباً منه. فتناوله داوود، فطار إلى الكوى، فقام ليأخذه قال بعضهم: فوقع في مضجعه فقام ليأخذه، فوقع الطير إلى البستان، فأشرف داوود فنظر، فإذا هو بامرأة تغتسل في البستان. فعجب من حسنها. فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطاها. فزاده ذلك عجباً بها. ثم أرسل غلاماً له فقال: اتبع هذه المرأة فاعلم من هي، أو ابنة من هي، وهل لها زوج. فاتبعها الغلام حتى عرفها فرجع فقال: هي ابنة فلان، وزوجها فلان، وكان يومئذ مع ابن أخت داوود في بعث. فكتب داوود إلى ابن أخته: أن ابعث فلاناً [واجعله بين يدي التابوت] فلا يرجع حتى يفتح المدينة أو يقتل. فبعثه فقتل. فلما انقضت عدة المرأة أرسل إليها فتزوجها، وهي أم سليمان بن داوود.
فلما علم الله ما وقع في عبده أحب أن يستنقذه فأرسل إليه ملكين فأتياه في المحراب، والحرس حول المحراب، وهم ثلاثة وثلاثون ألفاً. فرأى داوود الرجلين قد تسوّروا المحراب، ففزع منهما وقال: لقد ضعف سلطاني حتى إن الناس تسوّروا محرابي. فقال أحدهما: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ}... إلى قوله: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}. تفسير هذا المقرإ عند الكلبي: إن دعا دعوة يكون أكثر نداء مني، وإن بطش بطشه يكون اشد بطشاً مني. فقال له داوود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}... إِلى: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}. فنظر أحدهما لصاحبه فضحكا، وعلما أن داوود لم يفطن، فرجعا من حيث أقبلا.
قال الله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}... إلى آخر الآية. فسجد داوود أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل ولا يشرب، ولا يرفع رأسه، ولا يقوم، ولا يفتر من الدعاء. فتاب الله عليه. قال الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع.