التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٩٢
-النساء

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً}. قال الحسن: ما كان لمؤمن، فيما فرض الله عليه من حق أخيه المؤمن، أن يقتل مؤمنا. إلا خطأ. أي إلا أن يكون قتله إياه خطأ لم يتعمَّده.
وقال بعضهم: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه في عهد الله الذي عهده إليه. وقال إن عياش بن أبي ربيعة كان قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه مع أبي جهل في اتباع عيّاشٍ النبيَّ، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر كما كان.
قال: {وَمَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. قال بعضهم: {رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ} مَن عَقَل دينَه. وأخبرت عن الحسن أنه قال: لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت، ليست صغيرة.
قوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} أي: إلى أولياء المقتول.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"العقل على العصبة والدية على الميراث" . العقل على العصبة، يعني دية الخطأ.
ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: إن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب تطلب ميراثها من دية زوجها، فقال عمر: أيكم سمع من رسول الله في هذا شيئاً. فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: أشهد أَنِّي كتب إِلَيَّ رسولُ الله عليه السلام أن أورِث امرأة الضَّبَابي من دية زوجها؛ فوَرَّثها عمر. قال هذا في قتل الخطأ. فأما في قتل العمد فهو إلى العصبة، فإن رضوا بالدية كانت لهم دون غيرهم من أهل الميراث.
ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الدية مائة بعير، يعني دية الخطأ، فمن ازداد بعيراً فهو من أهل الجاهلية
"
. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هي أخماس: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقّة، وعشرون بني لبون ذكوراً، وعشرون جذعة.
قوله: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا} أي إلا أن يصدّق أولياء المقتول فيتجاوزوا عن الدية. قال الحسن: وذلك لِمَا حضّ الله عليه عباده من الخير، وليس بواجب عليهم.
قوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ}. قال الحسن: كان الرجل يُسلِم وقومه حرب، فيقتله رجل من المسلمين خطأ ففيه تحرير رقبة مؤمنة ولا دية لقومه. وإن كان في قومه، وهو مؤمن لا يظهر لقومه الإِسلام، وهو فيهم بالتقية، فلا يعطون دية.
{وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}.
كان بين النبي وبين قوم من مشركي العرب عهد إلى أجل معلوم؛ فمن قتل منهم في ذلك العهد دفع إلى أوليائه الدية، وعلى قاتله عتق رقبة. قال: فما كان من عهد بين النبي وبين مشركي العرب فهو منسوخ، نسخه القتال. وما كان من عهد بين المسلمين وبين المشركين من غير العرب وأهل الذمة يودون الجزية فقتل منهم رجل، ففيه الدية لأوليائه وعتق رقبة مؤمنة.
قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ} أي تجاوزا من الله {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بخلقه، حكيماً في أمره.
وقال بعضهم: وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ولا دية لأهله من أجل أنهم كفار، ليس بينهم وبين رسول الله عهد ولا ذمة.
ذكروا عن بعضهم أنه قال: من أصاب دماً خطأً فكتمه لقي الله به عمداً.