التفاسير

< >
عرض

مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
٣٢
إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٣٣
-المائدة

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} أي ما يستوجب به القتل. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}.
ذكروا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو قتل نفساً متعمداً، أو زنى بعد إحصانه" . قال جابر بن زيد: وأنا أقول الرابعة من كتاب الله: { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ } [الحجرات:9].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"القتيل دون ماله شهيد" .
ذكروا "أن رجلاً قال: يا رسول الله، الرجل يعرض لي يريد نفسي ومالي. قال: تناشده بالله، قال: ناشدته بالله فلم ينته، قال: استعد عليه السلطان، قال: ليس بحضرتنا سلطان. قال: استعن عليه بالمسلمين، قال: نحن بأرض فلاة ليس قربنا أحد. قال: فجاهده دون مالك حتى تمنعه أو تكتب في شهداء الآخرة في الجنة" .
قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه سنَّ القتلَ " .
ذكروا أن مجاهداً قال في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ } [فصلت:29] قال: هما إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.
ذكروا عن ابن مسعود في قوله:
{ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } [الانفطار:5]. قال: {مَّا قَدَّمَتْ} أي: ما قدمت من خير، {وَأَخَّرَتْ} أي ما أخرت من سنة حسنة فعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجره شيئاً، أو سنة سيئة فعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزاره شيئاً.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له أجر من تبعه ولا ينقص من أجره شيئاً " .
قوله: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} أي من أحياها من القتل في تفسير الكلبي وغيره.
وقال الحسن: من إحيائها أن ينجيها من القود فيعفو عنها، ويفاديها من العدو، وينجيها من الغرق ومن الحرق ومن السبع، وأفضل إحيائها أن ينجيها من كفرها وضلالتها.
ذكروا
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً على جيش وأمره بأمره ثم قال: واعلم يا علي أنه أن يحيي الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها" .
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ} يعني أهل الكتاب {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ في الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} أي لمشركون، وهو سرف فوق سرف. وإنما يعني بهذا من لم يؤمن منهم.
قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
ذكروا أن أناساً من عرينة قدموا على النبي في المدينة فأسلموا، فاستوخموا المدينة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا في إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها [وأبوالها]. ففعلوا حتى صحّوا فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وساقوا الإِبل وكفروا بعد إسلامهم. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا.
قال بعضهم: إن هذا كان من قبل أن تنزل الحدود. وذكر أبو هريرة أنهم لما جيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمّر أعينهم نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ}... إلى آخر الآية، فترك سمر الأعين.
وذكروا عن بعضهم أنه قال: تلك حدود أنزلها الله: إذا حارب فأخذ المال وقتل صُلِب، وإذا حارب فقتل ولم يأخذ مالاً قُتِل، وإذا حارب فأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا حارب فلم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي.
ذكر الحسن أنه قال: نفي بالسيف. وذكر عنه قال: ذلك إلى الوالي يصنع ما شاء، يعني أنه [مخيَّر]. والعامة من فقهائنا على قول الحسن: إلى الوالي يصنع من ذلك ما شاء، وليس للولي من ذلك شيء.
ومن رأى أن هذا حكم في المسلمين ماضٍ فيأخذها من هذا الموضع {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً}. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} أي أن يعجزوا فلا يقدر عليهم. وأما قوله: {مِّنْ خِلاَفٍ} فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى. فذلك تفسير قوله: من خلاف.