التفاسير

< >
عرض

إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً
١٥
فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً
١٧
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً
١٨
إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً
١٩
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٠
-المزمل

تفسير كتاب الله العزيز

قوله عز وجل: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {شَاهِداً عَلَيْكُمْ} أي: يوم القيامة أنه بلغكم {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} يعني موسى عليه السلام {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} أي: عظيماً، والوبيل الشديد. وقال مجاهد: وبيلاً شديداً.
قال عز وجل: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً} أي: فكيف تتَّقون ذلك اليوم الذي يجعل الولدان شيباً، أي: إن كفرتم لم تتقوه.
{السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} أي: منشق به. قال عز وجل: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} أي إن السماء سوف تنشق ذلك اليوم وتسير الجبال.
قوله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} أي إن هذه السورة تذكرة {فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: بتقواه وطاعته. وقال تعالى في آية أخرى:
{ كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ } [المدثر:54-56].
قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى} أي: أقل {مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}.
ذكر بعضهم قال: كان الله قد افترض قيام الليل في أول هذه السورة بقوله: {يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم. فأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ...} إلى قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} فريضتان واجبتان لا رخصة لأحد فيهما، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد إذ كان فريضة.
ذكروا عن بعضهم أنه كان يقول: لا بد من قيام الليل ولو قدر حَلَب شاة.
ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أَصِب من الليل ولو ركعتين ولو أربعاً" .
وبلغنا عن الحسن أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم أقل من ثلثي الليل. وقال بعضهم: إن قيام الليل على النبي عليه السلام فريضة وللناس تطوع.
وكان الحسن يقرأها بالجر: {أَدْنَى مِنْ ثُلْثَي اللَّيْلِ وَنِصْفِه وثلثِه وَطَائِفَةٌ مِّنَ الذِينَ مَعَكَ}. ولم يقم النبي عليه السلام أقل من ثلثي الليل، وما كان من بعض فهو من غيره. وبعضهم يقرأها بالنصب؛ أي: قام ثلثه.
قال تعالى: {وَأَقْرِضُواْ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير الحسن: إن هذا في التطوّع. {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً} أي: تجدوا ثوابه عند الله خيراً {وَأَعْظَمَ أَجْراً} أي: يثيبكم عليه الجنة {وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.