التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١٠٧
لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ
١٠٨
-التوبة

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى} أي: إن أردنا ببنيانه إلا خيراً {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
في تفسير الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك نزل بين ظهراني الأنصار وبنى مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى. وقد كان المنافقون من الأنصار بنوا مسجداً، فقالوا نميل به. فإما يأتينا رسول الله فيه وإما لا يأتيه، ونخلو فيه لحوائجنا. ونبعث إلى أبي عامر الراهب [لمحارب من محاربي الأنصار كان يقال له الراهب] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره فيأتينا ونستشيره في أمورنا.
فلما بنوا المسجد وهو الذي قال الله عزّ وجلّ: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ} أي: بين جماعة المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، يعني أبا عامر المحارب. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي، فجعل لا يأتيهم ولا يأتونه. فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليأتيهم. قال: فإنه ليزُرُّه عليه إذ أتاه جبريل فقال:
{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} يعني ذلك المسجد { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} يعني مسجد قباء، في تفسير الحسن، {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}. أي من الذنوب.
ذكروا أنه لما نزلت هذه الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يا أهل قباء، إن الله قد أحسن عليكم الثناء [في الطُّهور] فماذا تصنعون؟ قالوا نغسل أدبار المقاعد"
وقال بعضهم: ذكروا لنا أن أناساً من أهل النفاق ابتنوا مسجداً بقباء ليضاهوا به مسجد نبي الله عليه السلام. وبعثوا إلى نبي الله ليصلِّيَ فيه. وذكر لنا أنه أخذ قميصه ليأتيهم حتى أطلعه الله على ذلك. وكان رجل فرّ من الإِسلام يقال له أبا عامر، فلحق بالمشركين فقتلوه بإسلامه وقالوا: إذا جاء صلى فيه. قال مجاهد: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ} أي: لأبي عامر.
ذكروا عن عثمان وعلي رضي الله عنهما في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} قالا: هو مسجد النبي عليه السلام.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوَى} قال:
"هو مسجدي هذا، وفي ذلك خير" ، يعني مسجد قباء.
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا المنافقين الذين بنوا ذلك المسجد فقال:
"ما حملكم على بناء هذا المسجد؟" فحلفوا له بالله: إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون.