التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥
-يونس

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وإذا تُتلَى عَليْهم} أى على المشركين، أو على الناس مطلقا {آياتُنا} القرآن {مبيِّناتٍ} حال {قالَ الذينَ لا يرْجُون لقاءنَا} قالوا أى المشركون، فوضع الظاهر موضع الضمير على الوجه الأول، أو قال مشركو الناس على الوجه الثانى، وكان هذا القول متكرراً منهم حقيقة، أو قالوه مرة، وكانوا بعدم توبتهم وبإصرارهم على ما يتضمن ذلك القول كمكرريه.
{ائتِ} من الله ويقرأ ورش: "لقاءنا ائت" بمد نون لقاءنا بألف يبدلها من ياء ائت المبدلة من الهمزة، التي هى فاء الفعل وسقط ألف نا للألف المذكورة، وأما همزة الوصل فى ائتنا فلم تثبت، لأن همزة الوصل لا تثبت فى الدرج، فانظر قوله تعالى:
{ يا صالح ائتنا } فى الأعراف {بقُرآنٍ غَيْر هَذا} بحيث لا يكون فيه ما نستبعده كالبعث أو نكرهه كذم آلهتنا، والنهى عن عبادتها، والوعيد على الشرك {أو بَدِّلْهُ} كله أو ما نكره، أو نستبعد منه، وآية عذاب أو تحريم بعكسها من تلقاء نفسك، أو ائت بقرآن من تلقاء نفسك، أو بدل بعضه، قال ذلك مشركو العرب، وعبارة بعض: مشركو مكة، وعبارة بعض: عبد الله بن أمية المخزومى، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبى قيس العامرى، والعاصى بن عامر بن هشام، وقيل: الاثنى عشر المستهزئون، قالوا: إن كنت تحب أن نؤمن بك فائت بقرآن ليس فيه ما يغيظنا، قالوا ذلك استهزاءً وسخرية، أو تلويحا بأن القرآن من كلامه حتى يمكن له تبديله، فإنه إذا بدله ولو قال إنه مبدل من الله كالتصريح بأنه منه، لأن كلام الله ليس متلاعباً به، قابلا لطلب تبديله، ويهلك الله من بدله فيستريحوا منه.
{قلْ ما يكُون لى} وسكن الياء غير نافع، وابن كثير، وأبى عمرو {أن أبدِّله من تِلْقاء نفْسِى} تلقاء فى الأصل مصدر لقى بالتشديد، وقيل لقى بالتخفيف استعمل ظرفا بمعنى جهة مقابلة، أى من جهة نفسى وكسر تائه شاذ، وقرئ بفتحها وسكن غير نافع، وأبى عمرو ياء نفسى، وإنما اكتفى بالجواب على التبديل لاستلزام امتناع التبديل لبعضه من تلقاء نفسه امتناع تبديله كله من تلقاء نفسه، وهذا على التفسير الأخير فى {ائت بقرآن غير هذا أو بدله".
وأما على الأول فإنما استغنى بالجواب على التبديل، لأنه الممكن الجملة، بخلاف الإتيان بقرآن آخر من الله، فإنه ليس فى مقدور البشر، زيدت الياء فى المصاحف بعد همزة تلقائى، وعليها دائرة حمراء علامة لزيادتها فى الخط، لأنه لا تسكن سكونا حيا بعد كسرة، فبان بالدائرة أنها لا ينطق بها، ولا يمد الصوت بها، والهمزة قبلها لم توجد فى مصحف عثمان، فلذلك تكتب بغير الأسود كما فى سائر ما لم يوجد فيه، وتلك الياء موجودة فيه، هذا ما استقرت عليه كتبنا معشر المغاربة.
واختار أبو عمرو الدانى وغيره أن تلك الياء هى صورة الهمزة، وعليه فتجعل الهمزة الصفراء عليها وحركتها تحتها، وقيل: الياء حركة الهمزة، وكانت العرب تصور الحركة حرفاً، وقيل: صورة للكسرة، فإنها من الياء فتدل الياء عليها، ولأن الإعراب قد يكون بالياء، وقيل: تسهيل، وقيل: تمكين للحركة لئلا تختلس، لكن بلا إشباع وقيل: بيان الهمزة وتقوية، وكذا الكلام فى
{ وإيتاء ذى القربى } و { من وراء حجاب } ونحو ذلك.
{إنْ أتبعُ إلاَّ ما يُوحَى إلىَّ} تعليل جملى لقوله: {ما يكون لى} لا تصرف لى فيه بالإتيان بغيره، ولا تبديل بعضه، ومالى إلا اتباع ما يوحى إلىَّ، فلا أنسخ منه إلا ما أنزل الله سبحانه وتعالى على نسخه وليس من كلامى كما تزعمون فأتصرف فيه، بل وحى متبع.
{إنِّى} وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو {أخافُ إنْ عَصيتُ ربِّى} بتبديله كله أو بعضه {عَذابَ يَومٍ عَظيمٍ} يوم القيامة، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وهذا دليل على أنهم لم يريدوا بكل من الإتيان والتبديل إتيانا وتبديلا من الله، لأن هذا لا عذاب عليه، ولا معصية فيه، بل أرادوا إتياناً وتبديلا منك، أو إتيانا من الله وتبديلا منك، اللهم إلا أن يردوا كليهما من الله، فيكون المراد إن عصيت ربى بطلبى إياه قرآنا آخر، أو تبديل بعضه، بل هذا أبلغ، فإنه إذا كان ذلك معصية توجب عذابا، فإقدامى على إتيان بآخر، أو تبديل بعض أشد، وعلى كل حال ففى الآية إشارة إلى أنهم أوجبوا لأنفسهم العذاب، لأن طلب المعصية معصية، قيل: ذلك منسوخ بقوله:
{ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } }.