التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٩٣
-يونس

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ولقَدْ بوَّأنا بَنى إسْرائيلَ} أنزلناهم {مُبوَّأ} اسم مكان ظرف مكان، أى منزل {صِدْقٍ} أى منزلا صالحا مرضيا، ومن عادة العرب إذا أرادت مدح شئ أضافته للصدق، والمراد بلاد الشام، ومنها الأردن، وهو قول قتادة، وابن زيد، وقال الحسن: مصر، وقيل: الشام ومصر، والأول أصح، فإن الصحيح أنهم لما غرق فرعون رجعوا إلى مصر، فأخذوا باقى الأموال، وجمعوها، وما لم يقدروا على حمله باعوه لمن بقرب مصر، على أن المطموس عليه من أموالهم رده الله تعالى بحاله بعد الغرق، لينتفعوا به وبقى على الطمس بعضه عبرة لمن يأتى لو كان المطموس عليه بعض أموالهم لا محلها، ثم رحلوا إلى الشام.
قيل: بعث موسى جندين كل جند اثنى عشر ألفا، وأمَّر عليهما يوشع وكالب إلى مدائن فرعون، وما فيها إلا النساء، والصبيان، والمرضى، والهرما، فحملوا المال كما مر.
وروى أنهم لما خرجوا إلى الشام، أظلم الطريق، فدعا موسى مشيخة بنى إسرائيل فسألهم فقالوا: إن يوسف لما مات بمصر أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم إلى الأرض المقدسة، وسألهم أين قبره؟ فلم يعلموا، فقال موسى ينادى أنشدتكم الله، من علم موضع قبر يوسف فليخبرنى به، ومن لم يعلم فصمت أذناه فكان يمر برجل ينادى فلا يسمع، حتى سمعته عجوز فقالت: إن دللتك عليه فهل تعطينى ما أريد، فقال: حتى أسأل ربى، فسأله فأمره أن يعطيها مناها، فأعطاها فقالت: أريد أن لا تنزل غرفة فى الجنة إلا نزلتها معك، فقال: نعم، قالت: فإنى عجوز لا أستطيع أن أمشى، فحملها ولما دنت من النيل قالت: إنه فى جوف النيل، فادعو الله أن يحبس عنه الماء فدعا وحبس عن القبر، فقالت: احفروا هاهنا فاستخرجوه فى صندوق من مرمر، فحمله معه فدفنه فى الأرض المقدسة، ومن ثَمَّ تحمل اليهود موتاهم إلى الأرض المقدسة.
"جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكرمه فقال: ما حاجتك؟ فقال: ناقة يا رسول الله برحلها، وأعنز يحلبها أهلى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا: ما حاجتك؟ فقال: مالى حاجة غيرها، فقال: إن عجوزا فى بنى إسرائيل كانت أحسن منك مسألة" وروى أنها شرطت ذلك، وأن يرد عليها الله رجليها، وكانت مقعدة وشبابها وبصرها، فقال له الله أعط له ذلك فإنك تعطى على كريم، فلما أطلعوا تابوته أضاء الطريق كالنهار، وأضاء القمر، وقيل: كان ذلك نهارا وأظلم كالليل، ولم أطلعوه أضاء.
{ورَزقْناهُم مِنَ الطَّيباتِ} اللذائذ {فَما اخْتلفُوا} فى أمر دينهم {حَتَّى جاءهُم العِلْم}، وهو التوراة، كما يطلق العلم على المسائل، والمراد من بعد ما جاءهم إدراك الحق وفهمه بنزول التوراة، وكان نزولها بعد الغرق، ولما نزلت آمن بعضٌ، وكفر بعضٌ، وعمل بها بعض، ولم يعمل بها بعضٌ، وقيل: القرآن، وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا قبل بعثه متفقين على نبوته، وصدق كتابه، ويفتخرون على المشركين بأنه سيبعث آخر الأنبياء نقاتلكم معه، فلما بعث وعلموه مبعوثا، آمن به بعض كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وكفر به بعضهم إيثارا لرياسة وحسدا وبغيا، وأجاز بعض أن يكون المراد اختلافهم على أنبيائهم موسى وغيره، ونبينا صلى الله عليه وسلم فى زمان كل واحد على حدة بعد مجئ علمه على حدة.
{إنَّ ربَّك} يا محمد {يقْضِى بيْنَهم يَومَ القِيامةِ فيمَا كانُوا فيهِ يخْتلفُونَ} من أمر الدين بتمييز المحق وإنجائه، والمبطل وإهلاكه.