التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ
٢٤
-يوسف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَلقدْ هَمَّت بهِ} قصدت منه الجماع، {وَهمَّ بها} قصد ذلك فيما قيل.
وروى أنها همت به حتى اضطجعت له، وهم بها فحل سراويله، قلت: هذا لا يصح فى جنبه، وأما الأول فإن كان هم عزم فالواجب أن ننزهه عنه، وإن كان هم طبع ضروريا، فلا إِشكال بل بمدافعته يقوى الأجر له لشدة مكابدته بالدفع، ولا وزر فى الهم ما لم توطن عليه النفس، وإن وطنت ولم تعمل كتبت عليها خطيئة الهم وهى أدنى من خطيئة العمل، وبهذا يجمع بين حديث: لا تكتب خطيئة على الهم، وحديث: تكتب عليه.
قال عياض: والصحيح تنزيههم قبل النبوة أيضا من كل عيب، قيل: لو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه الله بأنه من المخلصين، وقيل: هم بضربها ودفعها، وقيل: بالنظر إليها، وهذا أيضا لا يجوز أن يعتقد فيه، فإن كان هم عزم، والنظر نظر شهوة وإلا فلا بأس.
قال فى زهر الأكمام: ليس كما يقول القصاص والمكذبون والمتشدقون أنه حل العقد وهمّ بها حتى صرفه الله عز وجل بالبرهان ا هـ.
وقد زعموا عن ابن عباس: أنه حل العقد، وقعد بين شُعَبها الأربع مستلقية على قفاها، إن ذلك قبل النبوة غير قادح، وذلك زعم باطل وكذب، عن ابن عباس، عن مجاهد: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه، قيل: هذا قول الأكثر، ونسب لابن جبير والحسن، وذلك كذب وضع على مجاهد، ومن ذكرهما قال الفخر.
وعن الضحاك: جرى الشيطان بينهما وضرب بيده إلى عنق المرأة حتى جمع بينهما، وهذا ضعيف لا يعتقد، وعن ابن عباس: هم بها تمنى أن تكون له زوجة.
وفى عرائس القرآن: وأما ما كان من هم يوسف بها وهمها به فقال السدى، وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف، جعلت تذكر محاسنه وتشوقه إلى نفسها، فقالت: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما يبلى منى بعد موتى، وأول ماينتثر من جسدى، قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسيل، قالت: يا يوسف ما أحسن وجهك! قال: ربى تعالى صورة فى الرحم، قالت: يا يوسف صورة وجهك قد أنحلت جسمى، قال: الشيطان يعينك على ذلك، قالت: يا يوسف الحبيبة قد التهبت ناراً قم فأطفها، قال: إن أطفأتها ففيها إحراقى، قالت: يا يوسف الحبيبة قد عطشت قم فاسقها، قال: من كان المفتاح بيده هو أحق بسقيها، قالت: يا يوسف فراش الحرير قد بسطته قم فاقض حاجتى، قال: إذن يذهب نصيبى من الجنة. قالت: يا يوسف ادخل تحت الستر منى فأسترك به، قال: لا ساتر عن الله إن عصيته، قالت: يا يوسف ضع يدك على صدرى أشتف بذلك، قال: سيدى أحق بذلك منى، قالت: أسقيه سما ويموت، قال: لا أنجو يوم القيامة إن أطعتك. وقيل: معنى همَّ بها هم بالفرار عنها ا هـ.
ويجوز أن يكون معنى وهم بها شارف وقارب الهم بها، وعانى هذا فلم يهم أصلا، قال ابن هشام: يعبرون بالفعل عن وقوعه وهو الأصل، وعن مشارفته نحو: {فبلغن أجلهن} أى شارفن انقضاء أجلهن {والذين يتوفون منكم} الآية أى شارفوا التوفى بدليل قوله: {وصية لأزواجهم} {وليخش الذين لو تركوا} أى شارفوا الترك، بدليل، خافوا، وعن القدرة عليه نحو: {إنا كنا فاعلين} أى قادرين على الإعادة.
{لَوْلا أنْ رَأى بُرهَانَ ربِّه} جواب لولا محذوف، أى لطاوعها وقضى حاجتها، ويجوز أن يقدر لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، وعلى هذا يكون قوله: {لولا أن رأى برهان ربه} مرتبطا بقوله: {وهمَّ بها} هو دال على جوابها، فيكون لم يهم بها أصلا، كقولك: قام زيد لو قام عمر، فإن زيدا لم يقم لعدم قيام عمرو، وحين كونه بمعنى أنه دليل الجواب، وليس جوابا مقدما، لأن الجواب لا يتقدم خلافا لبعض، إذ الشرط وأداته والجواب ككلمة، وبعض الكلمة لا يتقدم.
وأما قول الحسن بن الفضل: أن فى الكلام تقديما وتأخير معناه: ولقد همت به لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فتقدير معنى، وإن أراد تقدير إعراب فمن القول الضعيف، ورأى فى تأويل مصدر مبتدأ محذوف الخبر، أى لولا لرؤيته لبرهان ربه موجودة، وذلك البرهان مختلف فيه.
قال فى عرائس القرآن: عن ابن عباس أنه مثل له يعقوب فضربه بيده على صدره، فخرجت شهوته من أنامله، وعن الحسن، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك: انفرج ليوسف سقف البيت، فرأى أباه عاضا على أصبعه، وكان قد ولد كل واحد من أولاد يعقوب اثنى عشر ولدا إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولدا من أجل ما نقص من شهوته، حين رأى صورة أبيه وقت همَّ بها استحياء منه.
وقال قتادة: رأى صورة يعقوب قال له: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب فى ديوان الأنبياء، وعن السدى: نودى: يا يوسف أتواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير الذى فى جو السماء لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها مثله إذ مات ووقع فى الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه.
وعن مجاهد، عن ابن عباس: حل سراويله، وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، وهو كذب كما مر، فإن بكفّ قد بدت فيما بينهما لا عضد ولا معصم لها، مكتوب فيها
{ وإن عليكم لحافظين * كرام كاتبين * يعلمون ما تفعلون } فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته: إذا بكف كذلك مكتوب فيها: {واتقوا يوما ترجعون فيه} إلى {يظلمون} فقام وقامت، ولما ذهب الروع عادت وعاد، فلما قعد منها كذلك قال الله جل وعلا: أدرك عبدى قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عليه السلام عاضا على أصبعه يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء، وأنت عند الله مكتوب من الأنبياء، وفى رواية: أتعمل عمل الأشقياء وأنت مكتوب فى ديوان الأنبياء، وإن فى الكف فى المرة الأولى: { وإن عليكم لحافظين } الخ، وفى الثانية: { ولا تقربوا الزنى } الخ، وفى الثالثة: { واتقوا يوما ترجعون } ولم يؤثر ذلك فيه حتى نزل جبريل فقال ذلك.
وذلك كله خطأ فى حق نبى، كيف ينهاه ربه ثلاث مرات ولا يؤثر فيه ذلك، ولو أن أقبح الزناة وأوقحهم رأى تلك الكف أو نحوها لم يبق فيه عضو يتحرك، فضلا عن أن ينتشر له ذكر، ولو صدر منه حاشاه لتاب عقب ذلك، فيذكر الله توبته بعد ذكر ما صدر منه، فإنه ما ذكر عن نبى زلة إلا عقبها بذكر توبته كآدم ونوح وداود وأيوب وذى النون، وقد وصفه الله تعالى بصرف السوء عنه، وذلك من جملة السوء لو فعله.
وقد جزم بعض بأن همه إنما هو بضربها ودفعها، وأن فائدة البرهان مع هذا الامتناع من ضربها، إذ لو ضربها لقتلته، فالبرهان إعلامه بأن لا يضربها، وحرفه عن ضربها، وأنه لو اشتغل بدفعها وضربها لتعلقت به، فيتمزق القميص من قبل، وكان فى علم الله أنه يتمزق من دبر، فتتم به شهادة الشاهد.
وعن الكلبى: انفرج سقف البيت، وتمثل له ملك بيعقوب، وذلك البرهان، وعن السدى: مثلك ما لم تواقعها كالطائر فى الجو، وكالثور الصعب، ومثلك إذا واقعتها مثلهما إذا ماتا ووقعا فى الأرض، فتعلق النمل بأذن الثور وبالطائر، ولا يدفعان عن نفسهما.
وعن محمد بن كعب: رأى فى حائط بعد ما رفع رأسه للسقف مكتوبا: {ولا تقربوا الزنى} إلى: {سبيلا} وكذا عن ابن عباس.
وقال على بن الحسن: كان لها صنم فسترته، فقال: لمه؟ فقالت: وقد استحييته أن يرانى على ذلك، فقال: هو لا يسمع ولا يبصر ولا وقد استحييت منه، فكيف لا تستحين ممن يرى ويسمع، فهرب.
وقال جعفر بن محمد: البرهان النبوة، وقيل: علمه بتحريم الزنى من قبل ذلك، وهو حجة الله عليه، وعلمه بالعقاب، وقيل تطهير الله جل وعلا نفوس الأنبياء عن الدنس، وقد أعطاه العلم والحكمة، ليغلب شهوته، ويكون سببا للعصمة، وقيل: تمثل له قطفير فاستحى، وقيل: البرهان كف بلا ذراع مكتوب فيها:
{ ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } وقيل هو طائر وقع بكتفه وقال فى أذنه: لا تفعل، فإن فعلت سقطت عن درجة النبوة.
{كذلك} خبر لمحذوف، أى الأمر ثابت كذلك، أو الأمر مثل ذلك أو نعت لمصدر محذوف مع عامله، أى ثبتناه تثبيتا كاتبا كذلك، أو تثبيتا مثل ذلك، والإشارة لما يتضمنه قوله: {لولا أن رأى برهان ربه} من امتناعه من موافقتها، أو لما يتضمنه قوله: {معاذ الله} الآية من ذلك، أو قوله: {آتيناه حكما وعلما} ويجوز أن يقدر عصمتنا له كذلك، أو أريناه البرهان كذلك، أو جرت أقدارنا كذلك.
{لِنصْرفَ} متعلق بما يقدر للكاف على الأوجه المذكورة {عَنْه السُّوءَ} خيانة السيد {والفَحْشاءَ} الزنى، وقيل: السوء مقدمات الزنى من نظر ومس وقبلة، والفحشاء الزنى {إنَّه مِنْ عِبادِنا المخْلَصِينَ} بفتح اللام أى الذين أخلصهم الله لطاعته، واصطفاهم للنبوة، قال أبو عمر والدانى: الكوفيون: ونافع المخلصين بفتح اللام حيث واقع إذا كان فيه ألف ولام، والباقون بكسرها، ا هـ.
وكذا يعقوب يكسر إذا كان أل والمعنى على الكسر الذين أخلصوا دينهم لله، والمراد بالمخلصين بفتح أو كسر العموم فى الأنبياء، وقيل: العموم مطلقا وهو أصح، وقيل آباء يوسف أى هو متولد وناشئ منهم لأنه من ذرية إبراهيم.