التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ
٤٣
-يوسف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وقالَ الملكُ} ريان بن الوليد {إنَّى} وسكن الياء غير نافع، وأبىعمرو {أرَى} فى المنام {سَبْعَ بقَراتٍ سمانٍ} غار ماء النيل عنه، وإنى على شاطئه فخرجن، وروى أنهن رآهن خرجن من نهر يابس، ويجمع بين الروايتين بأن النهر النيل، وقد ملئت ضروعهن لبنا وكأنهن حشين لحما وشحما ولبنا وسمنا، وإنما أضاف سبع إلى جمع السلامة لإهمال تكسير البقرة، وأما البقر فاسم جمع على الصحيح، ولا يقال فى الفصيح ثلاث بقر، وإنما أضاف سبع إلى سنبلات مع أن للسنبلة تكسيرا وهو سنابل لمجاورة ما أهمل تكسيره وهو بقرة، ذكر ذلك ابن هشام وغيره، ورويته عن شيخى فى توضيح ابن هشام، وسمان جمع سمينة ككريمة وكرام، وإنما جر سمان فكان نعتا لبقرات، ولم ينصب فيكون نعتا لسبع، لأن المراد تمييز السبع ببقرات، وأن تلك البقرات سمان لا تمييزها من أول الأمر بسمان البقر فافهم.
{يأكلهنَّ سبْعٌ} سبع بقرات {عِجافٌ} مهازيل جدا، وخراطيمهن كخراطيم السباع، خرجن أيضا من حيث خرجت السمان، فأكلن لحوم السمان وشحومهن وجلودهن، وعصبهن ومخهن وعظامهن، وشربن دماءهن، ولم يظهر فى المهازل شئ.
روى أنهن ابتلعن السمان ابتلاعا، وقد خرجن بعد السمان، وعجاف نعت سبع جمع عجفاء، والقياس عجف بضم العين وإسكان الجيم كبكاء وبكم، ولكن جمع على عجاف حملا على سمان، لأن من عادة العرب حمل الشئ على نقيضه، وحمل أحد المتجاورين على الآخر كقوله: أخذه ما قدم وما حدث بضم دال حدث حملا على ما جاوره وهو قدم كما قال ابن هشام، ومثل ذلك كثير، وإنما لم يضف سبع إلى عجاف لأن عجاف صفة إذا كان جمع صفة، والعدد لا يضاف للصفة لأن البيان لا يقع بها دون موصوفها إلا إن تغلبت عليها الاسمية كفرسان وأصحاب، فتقول: ثلاثة فرسان، وخمسة أصحاب، فلكون الأصل ما ذكرت لم يضف لعجاف، ولو كان القرينة، على أن المراد بالعجاف البقرات العجاف موجودة.
{وسَبْعَ سُنْبلاتٍ خُضْرٍ} جمع خضراء، والعطف على سبع بقرات، فكأنه قال: ورأيت أى بعد ذلك سبع سنبلات ناعمات مملوءات حبا منعقدا لما يتيبسن {وأخرَ} جمع أخرى كالكبرى والكُبرَ أى وسبعا أخر {يابسَاتٍ} قد أدركن، ولا خضرة فيهن، وقيل: لا الخصرة فيهن ولا ماء ولا حبة، فالتنوين على الخضر، وغلبن عليهن ومصصن ما فيهن من ماء وخضرة حتى يبسن، ولم يظهر أثر فى اليابسات، ولم يذكر الالتواء والمص استغناء بذكر أكل البقرات العجاف البقرات السمان.
وروى أن كل سنبلة خضراء نبتت تحتها سنبلة يابسة، فالتوت ومصتها، وكل من اليابسات والخضر فى ثرى، وما نظر ذلك فى منامه، وتعجب فيه كيف كانت هؤلاء يابسات، وهؤلاء خضرا، والموضع واحد، وتعجب كيف غلبت العجاف السمان واليابسات الخضر، وكيف لم يتبين أثر فى العجاف واليابسات واستيقظ فزعا لما رآى من تغلب الضعيف على القوى وخاف على نفسه.
{يا أيُّها المَلأُ} الأشراف {أفتُونى فى رُؤياىَ} أخبرونى بتأويلها {إنْ كنُتم للرُّؤيا تَعْبرُون} إى إن كنتم تعبرون الرؤيا، ولما قدم المفعول ضعف عنه الفعل فقوى باللام، فهى لام التقوية كما قال ابن هشام، ويجوز أن تكون أصليه متعلقة بمحذوف خبر لكان، فهى للبيان كقولك: كان فلان لهذا الأمر، أى إذا كان مستقلا به متمكنا منه، وحاتم لمن احتاج، ومن ذلك قول ابن النظر أبا عمر: من للمكارم والعلا البيت.
وعلى هذا يكون تعبرون تفسير المعنى كونهم للرؤيا أو خبر أخر، أو حالا، ويجوز أن تكون أصلية متعلقة بالفعل بعده لتضمنه معنى ليتعدى باللام، أى إن كنتم تنتدبون للرؤيا، وتعبير الرؤيا تفسيرها، وسمى تفسيرها تعبيرا، لأن مفسرها جائز من ظاهر لباطنها استخراجا لمعناها، ولأنه يذكر آخر أمرها وعاقبتها، كقولك: عبرت النهر إذا قطعته وبلغت شاطئه عرضا، والتأويل يقال فى تفسير الرؤيا وغيرها، وهو أهم، وعبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعانى النفسانية، والفصيح عبرت بالتخفيف، ويجوز التشديد كقوله:

رأيتُ رؤيا ثُمَّ عبرتها وكُنتُ للأحْلام عبَّارا

فجمع بين اللغتين، لأن عبارا لا يكون إلا من الثلاثى، والشاهد فى عبرتها.