التفاسير

< >
عرض

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٦
-الرعد

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ويسْتعجلونكَ بالسِّيئةِ} أى بالفعلة السيئة المضرة {قَبْلَ الحسَنة} أى قبل الفعلة الحسنة النافعة، أى يكتفون بالسيئة عن الحسنة فى الطلب، وذلك أنه استجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هددهم به من عذاب الدنيا والآخرة عموما وخصوصا، كقولهم { ربنا عجل لنا قِطَّنا قبل يوم الحساب } وقولهم: { اللهم إن كان هذا هو الحق عندك فأمطرعلينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } وقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } }. {وقَدْ خَلت} مضت {من قبلهم} فى الأمم السالفة المكذبة {المثلاثُ} جمع مثله بفتح فضم، وهى العقوبة، سميت بذلك لأنها مثل السيئة المعاقب عليها، ومنه سمى القصاص مثلا، وأمثلة الرجل من صاحبه إذا قصصته منه، قال الله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وقرأ مجاهد بفتح الميم والتاء جمع مثلة بفتحها أيضا، وقرئ بضمهما اتباعا للفاء العين، وقرئ بضم الميم وإسكان التاء تخفيفا من ضمهما بعد الاتباع او بالنقل شذوذا وقرئ بضم الميم وفتح التاء جمع مثل بضم ففتح، الذى هو جمع مثلة بضم فإسكان، أو جمع مثلة بضم فإسكان علىغير قياس، وقرئ بفتح الميم وإسكان التاء تخفيفا عن الضم فى القراءة المشهورة، والمعنى لم كانوا مستعجلين العذاب ولم يخافوا أن ينزل عليهم مع أنه قد نزل على المكذبين قبلهم.
{وإنَّ ربك لذو مغْفرةٍ للناس} مسامحة {على ظُلمهم} أى مع ظلمهم لأنفسهم وغيرها، أو لأنفسهم بعد التوبة كما تدل عليه الآية الأخرى، ولا يقال: إن التائب لا يصدق عليه أنه على ظلم، لأنا نقول معنى كونه على ظلم أنه صادر منه، ولأنه ولو تاب لكن ليست توبته بمخرجة له عن عقاب الظلم ووباله، حتى تقبل وقبولها هو الغفران، فالغفران وارد على ما لم يخرج عنه، لأن مجرد توبته ليست خروجا عنه ما لم تقبل، فلا دليل فى الآية على جواز مغفرة الكبيرة بلا توبة.
ومن باب ما ذكرته قول ابن عباس: إن المعنى إن ربك لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، ولا دليل أيضا فى الآية على ذلك الاحتمال، أن يكون المراد بالمغفرة الإمهال والستر كقوله:
{ ولو يعجل الله للناس الشر } الآية، وقوله { لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب } وقوله: { ما ترك على ظهرها من دابة } والاحتمال أن يكون المراد مغفرة الصغار فإنها تغفر ولو بلا توبة من فاعلها المجتنب للكبائر والاصرار.
وإن قلت: كيف تسمى الصغيرة ظلما؟
قلت: ليست شيئا من الذنوب غير ظلم للنفس صغيرا أو كبيرا فى الحقيقة، ولا غير ظلم لحق الله، أى قدح فيه، ونقص منه، وتهاون به، وإنما يفرق بين الذنب الصغير والكبير فى كتب الفقه لابتناء أحكام على أحدهما لا تبتنى على الآخر.
وزعم الضحاك أن الظلم الشرك، وأن ذلك منسوخ بقوله عز وجلّ:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } وعلى ظلمهم متعلق بمحذوف حال من الناس، وعامله مغفرة لأن الناس مفعول لمغفرة توصل إليه بلام الجر، وعلى بمعنى مع كما علمت، وذكره ابن هشام، ويجوز كونها بمعنى اللام الداخلة على الناس، أو كون اللام للاستعلاء مع على، فيكون على ظلمهم بدل اشتمال من قوله للناس.
{وإنَّ ربَّك لشديدُ العقابِ} لمن لم يتب عن ظلمه من مشرك ومنافق، وقد شاء بحكمته أن لا يغفر لغير التائب ولو كان موحدا، وأن يشدد عقابه، قال سعيد بن المسيب: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لولا عفو الله ومغفرته لما هنأ أحدا عيش ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد" ورووا عن ابن عباس: ليس فى القرآن أرجى من هذه الآية.