التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ
٤٨
-إبراهيم

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} متعلق بانتقام أو بدل من يوم يَأتيهم أو مفعول لذاكر أو متعلق بمحذوف أى لا يخلف وعده، وأولى من هذا أن يتعلق بقوله مخلف فتكون جملة أن ومعموليها معترضة ولا مانع من ذلك وليس كما زعم بعض أن ما قبل إِن يعمل فيما بعدها والمعنى يوم تبدل الأَرض التى تعرفونها بأَرض غير هذه الأَرض المعروفة وقرىء نبدل بالنون والبناء للفاعل وتصب الأَرض، وعلى كل حال فيغير منصوب على نزع الخافض، أى تبدل بغير الأَرض أو على أنه مفعول ثان، لأَن المعنى تصير غير الأَرض {وَالسَّمَٰوَاتُ} بالرفع عطفا على الأَرض المرفوع، والتقدير وتبدل السماوات غير السماوات وهو مبتدأ محذوف الخبر أى والسماوات كذلك ومن نصب الأَرض قرأ بنصب السماوات بكسرة وذلك تبديل ذات، وهو الأَصل والمتبادر كقولك بدلت الدراهم بالدنانير. قال على تبدل الأَرض أرضا من فضة والسماوات سماوت من ذهب. وقال ابن مسعود أيضا تبدل الأَرض بأَرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك بها دم. وفى رواية محجمة من دم حرام ولم تعمل بها خطيئة زاد بعضهم وليس فيها معلم لأَحد.
قال الضحاك تبدل أرضا من فضة بيضاء كالصحائف، وقال أيضاً أبو هريرة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظى تبدل الأَرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه، وقال أيضا أبو سعيد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
"تكون الأَرض خبزة يضيف الله بها أهل الجنة" قال بعضهم وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأَرض بيضاء لم يعص الله فيها ولا سفك فيها دم وليس فيها معلم لأَحد، وقيل تنشر لهم صخرة بيت المقدس وروى أنها تبدل أرضا من نار. قال أُبى بن كعب تبدل الأَرض نيرانا والسماء جنانا وذكر بعضهم أن الأَرض تبدل لكل فريق بما تقتضيه حاله، ففريق يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته وهم سائر المؤمنين وفريق يكون على فضة وهم المؤمنون الزهاد الذين لا يأكلون فى الدنيا إلا قوتا ولا رغبة لهم فى الطعام، يعصمهم الله فى ذلك اليوم عن الطعام وفريق على نار وهم الكفار، وأخرج الترمذى وابن ماجه ومسلم وغيرهم "عن عائشة قالت إن أول ناس سأَلوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى قوله تعالى {يوم تبدل الأرض غير الأَرض} قال أرض بيضاء كأَنها فضة لم يسفك عليها دم حرام" والتبديل فى ذلك كله تبديل ذات، ويدل له أيضا ما أخرجه مسلم عن ثوبان "جاء حبر من اليهود إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال أين الناس {يوم تبدل الأرض غير الأرض} فقال فى الظلمة دون الحشر" وذكره البغوى بلا سند. وأخرج مسلم "عن عائشة أيضا قالت: يا رسول الله أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأَرض؟ فقال: على الصراط" وروى عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "المؤمنون وقت التبديل فى ظل العرش وعنه الناس يومئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما لديه" وأخرج الترمذى "عن عائشة أين يكون المؤمنون يوم تبدل الأَرض جميعا قبضته والسماوات مطويات بيمينه قال على الصراط يا عائشة" . قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح لكن لم أره فى كتاب الترمذى بل فى تذكرة القرطبى ولا يلزم أن يكون الحاصل بالتبديل أرضا وسماء على الحقيقة وقيل إِن التبديل فى الآية تبديل صفة كقولك بدلت الفضة خاتما إِذا أذبتها وصنعتها خاتما، ونسبه بعض إِلى الأَكثر وقال به ابن عباس وذلك بأَن تدك جبال الأَرض وتذهب أشجارها وجميع ما عليها من عمارات وتسوى أوديتها فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا وتنتثر كواكب السماوات وتكسف الشمس ويخسف القمر وتنشق السماوات وتكون أبوابا وتارة تكون كالمهل وتارة كالدهان، قال أبو هريرة فى رواية قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "تبدل الأَرض غير الأَرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" وأما رواية سهل بن سعد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء أى ماثلة إِلى حمرة فى بياض وقيل شديدة البياض كقرصة النقى أى الخبز الأَبيض الجيد ليس فيها علم لأَحد" ، أى علامة فلا دليل فيه لاحتمال أن يكون لا علاقة فيها لأَحد لكونها غير ذات الأَرض التى كانت فى الدنيا وأن يكون لا علامة فيها لتغيير جبالها وأوديتها وشجرها وعمارتها ولا يبعد أن تجعل الأَرض هى جهنم بلا تبديل ذاتها والسماوات الجنة بلا تبديل ذاتها ولو بدلت صفاتهن وإِن قلت فى بعض الرواة إن الأَرض تجعل من فضة وفى بعضها كفضة قلت تحمل رواية من فضة على رواية كفضة بل يبالغ فى التشبيه حتى تجعل من جنس الفضة، وإِن قلت كيف تبدل ذاتها مع قوله تعالى: يومئذ تحدث أخبارها قلت إِنما تحدث قبل التبديل وقيل البعث وإِن قلنا تحدث بعد البعث بأَعمال أهلها فإِنها تحدث بعده وقبل التبديل أو تبدل صفتها فتحدث ثم تبدل ذاتها {وَبَرَزُوا للهِ} أى خرج الناس من قبورهم أو كانوا تحت ما يسترهم فى الدنيا وبعد الموت وكانوا بعد ذلك بلا ساتر، واللام بمعنى إِلى أى برزوا إِلى الله ولا يخفى على الله شىء وتقدم كلام فى مثل هذا {الْوَاحِدِ} الذى لا شريك له فى شىء {الْقَهَّارِ} القاهر لعباده على ما يريد وفى ذكر الوصفين دلالة على أن الأَمر فى غاية الصعوبة لأَن المعنى أنهم يبعثون للمحاسب المجازى الذى هو واحد غالب لا ملجأَ لأَحد عنه ولا مغيث.