التفاسير

< >
عرض

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٤٥
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ
٤٦
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
٤٧
-النحل

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ أَفَأَمِنَ } الهمزة استفهامية استفهام تعجيب وإِنكار أن يكون إِلا من صوابا وهى مما بعد فاء الاستئناف ولكن قدمت لتمام صدريتها ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على محذوف دخلت عليه الهمزة أى مكر هؤلاء الكفرة فأَمنوا أن يخسف الله بهم الأَرض ولما حذف المعطوف عليه جىء بالظاهر فاعلا إِلا من { الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ } مفعول مطلق لأَنه ناب عن المنعوت الذى هو مفعول مطلق والأَصل مكروا المكرات السيئات ويجوز أن يكون مفعول به على تضمين مكروا معنى أخفوا الفعلات السيئات أو معنى عملوا ويصح على هذا الأَخير أيضا أن يكون مفعولا مطلقا هذا ما ظهر لى من الأَوجه ثم اطلعت على أن الزمخشرى والقاضى ذكر الأَول ورأيت غيرهما ذكر الثالث والمراد بمكرهم السيئات اجتماعهم فى دار الندوة على أن يقيدوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو يقتلوه أو يخرجوه أو المراد ذلك وسائر سعيهم بالفساد بتحيل وإخفاء فى رسول الله وفى المؤمنين إضرارا وصدا عن دين الله وهذا هو المتبادر عندى، وقيل المراد اشتغالهم بعبادة غير الله فإِنه ولو كان أمر ظاهر لكنه عائد عليهم بالعقاب فى الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون فسماه مكرا وزعم بعض أن المراد بالماكرين نمرود ومن كان نحوه وأولى منه أن يقال المراد كل ماكر برسول من الرسل أو بمؤمن من المؤمنين { أن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ } كقارون { أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } بالعذاب وقد أُهلكوا ببدر ولم يخطر ببالهم حين كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهم سيقتلون فى حربه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو يأتيهم فجأَة من جانب السماء كقوم صالح أُهلكوا بصيحة من السماء وقوم لوط رفعوا إِلى السماء وما دروا ثم قلبوا ورجموا.
{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ } متعلق بيأَخذ أى فى وقت تقلبهم أو بمحذوف حال أى ثابتين فى تقلبهم والمعنى يأخذهم متقلبين والمراد تقلبهم فى إِشغالهم حضرا أو سفرا ليلا أو نهارا ذهابا أو رجوعا وقال قتادة المراد تقلبهم فى أسفارهم وقال الضحاك تقلبهم بالليل ولعله أراد انقلابهم إِلى أهلهم للمبيت أو تقلبهم فى فرشهم وهما وقت أمان ومظنته.
{ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } فائتين الله { أَوْ يَأْخُذَهُمْ } أى العذاب أو الله { عَلَى تَخَوُّفٍ } حال من المفعول والمعنى يَأخذهم على خوف شديد أو على توقع حضور أمر مخوف بأَن يروا أهل قرية قريبة منهم نزل بهم العذاب أو حيا قريبا منهم أو نزل بطرف قريتهم أو موضع منها أو يرون آفة تنزل بهم قليلا قليلا فيظنوا أنها تَأْتى على آخرهم وتستقصيهم أو يروا العذاب مقبلا وعلى كل حال فذلك نوع مقابل للمنع فى قوله من حيث لا يشعرون فذلك من حيث لا يشعرون وهذا من حيث يشعرون وذلك قول الضحاك والكلبى وغيرهما وقيل إِن التخوف التنقيص وهو نقصهما ونقص أموالهم شيئا فشيئا حتى يهلكوا عن آخرهم فعلى تخوف حال من الفاعل أو المفعول. روى أن ذلك لقلة هذيل وروى أن عمر رضى الله عنه قال على المنبر ما تقولون فى قوله تعالى: على تخوف فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال هذه لغتنا التخوف التنقص، قال فهل تعرف العرب ذلك فى أشعارها؟ قال نعم.
قال شاعرنا أبو كثير:

تخوف الرجل منها تامكا فردا كما تخوف عود النبعة السفن

التامك السنام والقرد المتراكم والمرتفع والنبعة بضم النون شجرة تتخذ منها القسى وهو جمع قوس والسفن بفتحتين ما ينحت به الشىء والرجل رجل الناقة، وإِليها يعود الضمير فى قوله منها فقال عمر أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا وما ديواننا قال شعر الجاهلية فإن فى تفسير كتابكم ومعانى كلامكم وقيل ذلك البيت الذى لرمة وقيل لزهير ومن ذلك قول النابغة:

تخوفهم حتى أذل سراتهم بطعن ضرار بعد قبح الفضائح

أى تنقصهم وروى أن عمر أرسل كتابا فى معنى ذلك إِلى الأَنصار ليخبروه فجاء فتى من العرب فقال يا أمير المؤمنين إِن أبى يتخوفنى ما لى فقال عمر الله أكبر أو يأخذ منه وينقصه وفى أخذهم شيئا فشيئا لطف بها ليرجع الراجع كما يشير إِليه بقوله { فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } إِذ لم يعاجلكم بالعذاب.