التفاسير

< >
عرض

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
١٤٣
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وكَذلكَ جَعلْناكُم أمةً وَسَطاً}: أى كما هديناكم إلى الصراط المستقيم جعلناكم يا أمة محمد أمة خيارا عدولا بالعلم والعمل، أو كما جعلنا قبلتكم أفضل القبل، جعلناكم أمة خياراً عدولا، أو كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب، جعلناكم أمة خيارا عدولا، وعلى الوجه خاصة يكون التعبير عن قولك خيارا عدولا بقوله: {وسطا} لوقوع ذلك فى صحبة لفظ متوسطة بين المشرق والمغرب تقديرا، أو كما اصطفيناه فى الدنيا، يعنى إبراهيم، فى قوله: {ولقد اصطفيناه فى الدنيا}، جعلناكم أمة وسطا، والواو للاستئناف أو للعطف على محذوف، أى أنتم ممن هداه إلى الصراط المستقيم، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أو هديناكم وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أو جعلنا قبلتكم الكعبة، أو أفضل قبلة، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أى كما جعلنا قبلتكم كذلك، أو جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أى كما وسطناها، أو للعطف على اصفيناه المذكور، أى ولقد اصطفيناه فى الدنيا، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، وأصل الوسط المكان استوت إليه الجوانب المفروضة قريبة أو بعيدة المتساوية، بحيث لا يكون بعضها أقرب إليه من بعض، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفى إفراط وتفريط، فالإفراط المبالغة جدا، والإسراف والتفريط التقصير جدا والإخلال، وذلك كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة فى احتراز وتحفظ بين الشجاعة والجبن. ثم أطلق على المتصف بالخصال المحمودة، قال زهير:

همو وسط يرضَى بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالى بمعظم

فالمعنى جعلناكم أمة غير غالية فى الدين ولا مقصرة، لا كغلو النصارى فى عيسى واليهود فى عزير، إذ جعلوهما إلهين، ولا كتقصير اليهود فى الدين بالتحريف والتبديل. قال الزمخشرى: قيل الخيار وسط، لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأعوار والوسط محمية محوطة ومنه قول الطائى:

كانت هى الوسط المحمىُّ فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

قال: ويجوز أن يكون وسطا بمعنى عدول، لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض. انتهى.
وسبب نزول الآية أن رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا، وإنما قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمد أنا أعدل الناس. فقال معاذ: إنا على حق وعدل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروى أبو سعيد الخدرى عن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال:
"ألا وإن هذه الأمة توفى سبعين أمة هى آخرها وخيرها وأكرمها على الله تعالى" ، والآية تدل على أن الإجماع حجة، لأنه لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لاختلت به عدالتهم، قاله القاضى. وفى رواية عنه، صلى الله عليهِ وسلم، تفسير الوسط بالعدول، ووسط القلادة أنفس حجر فيها.
{لِتكُونُوا شُهداءَ علَى النَّاس}: على الأمم قبلكم، وعلى تبليغ الرسالة، لأن الله جل وعلا قد أخبرنا فى القرآن الكريم أن الرسل بلغت الرسالة إلى أممهم، وأن أممهم كذبتهم إلا من استثنى.
{ويكُونَ الرّسولُ}: محمد صلى الله عليه وسلم.
{عليكُم شَهيداً}: أى شهيداً لكم بشهادة الخير، فعلى بمعنى اللام أو للاستعلاء المجازى، لأن فى الشهادة للإنسان استيلاء عليه بالإخبار عنه وعن أحواله، ولأن الشهيد رقيب على المشهود عليه. قال الله، جل وعلا:
{ واللهُ عَلَى كُلِّ شئٍ شهيدٌ } }، { { كُنت أنتَ الرَّقيبَ عَليهم وأنْت علَى كلِّ شئ شهيد } روى أن الله عز وجل يجمع الأولين والآخرين فى صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير، فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الله جل جلاله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا قد بلغناهم، فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة الحجة، فيقولون: أمة محمد تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فيشهدون لهم بأنهم قد بلغوا فتقول لهم الأمم الماضية: من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون: أرسلت إلينا رسولا، وأنزلت عليه كتاباً أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد، صلى الله عليه وسلم، فيسأله عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم. وروى البخارى هذا بمعناه، ولفظ البخارى عن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "يجاءُ بنوح وأمته يوم القيامة فيقال لهُ: هل بلغت؟ فيقول: نعم ربى. فيسأل أمته فيقول: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيجاء بكم فتشهدون" ثم قرأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم: {وكذلكَ جعلْناكُم أُمةً وسَطاً لتكونُوا شهداء على النَّاس ويكُون الرّسولُ عليْكُم شهيداً} ورواه الترمذى وزاد وسطا. قال عدلا وذلك فى نوح، ويقاس عليه غيره، بل يدل على غيره الحديث السابق، وما رواه البخارى وابن ماجه وابن المبارك فى رقائقه وغيرهم أن أمته، صلى الله عليه وسلم، تشهد لكل نبى ناكره قومه، ومن أنكر التبليغ من أمة محمد، صلى الله عليهِ وسلم، قيلت عليه شهادته، صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الناس فى الآية جميع الأمم حتى هذه الأمة.
كما قال القاضى: تشهدون بذلك على معاصريكم، وعلى الذين قبلكم وبعدكم، وظاهر الآية ما قلت: وقيل: لتكونوا شهداء فى الدين فيما لا يصلح إلا بشهادة العدول، ويجوز أن تكون على بظاهرها من المضرة بمعنى أنه، صلى الله عليه وسلم، يشهد على أمته بأنه بلغها الرسالة، وأنهُ لم يتبعه من لم يتبعه. قال الشيخ هود: ويكون الرسول عليكم شهيداً على أنه قد بلغ رسالة ربه إلى أمته، وعلى ما قلته يكون تقديم قوله عليكم لحصر الصفة على الموصوف حصر إفراد.
{وَمَا جَعلْنا القِبْلَةَ الّتى كُنْتَ عَليْها}: وهى الكعبة، و {كنت عليها} ثبت عليها الآن وليس إخبار عن ماض منقطع، فذلك كقوله تعالى:
{ كنتم خير أمةٍ } والمعنى التى أنتم عليها، وأنتم خير أمة، ونكتة التعبير بكان الإشارة إلى حدوث ذلك قبل زمان الحال وثبوته قبلة، ولو استمر إليه، وهذا هو الوجه الذى يظهر لى، ثم رأيته والحمد لله قولا مرويّاً على ابن عباس. وقيل المعنى كنت عليها قبل الهجرة، ثم انقطعت عنها بعدها، وهى الكعبة أيضا كان يصلى إليها قبل الهجرة، لكنه قيل كان يجعلها بينه وبين بيت المقدس، ولما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود، كما روى عن ابن عباس كان قبلته بمكة بيت المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه. وقال قتادة وغيره: القبلة بيت المقدس كان يصلى إليها، ثم رجع إلى الكعبة، والقبلة مفعول أول، والتى مفعول ثان، أى وما جعلنا القبلة هى القبلة التى، أو الجهة التى، أو القبلة مفعول ثان، والتى مفعول أول، أى وما جعلنا الجهة التى كنت عليها القبلة، أو القبلة مفعول أول، ولنعلم مفعول ثان، أى إلا ثانية لعلم بناء على جواز الإخبار بمتعلق حرف التعليل، وقد منعه بعض، وقيل تقدير المفعول الثانى إلا فتنة لنعلم فحذف المستثنى، ويجوز تقديره هكذى، وما جعلنا القبلة التى كنت عليها قبلة إلا لنعلم، وإذا لم نجعل التى أحد المفعولين، فهو نعت القبلة، ويجوز أن يكون جعلنا بمعنى أثبتنا كما يستعمل الجعل بمعنى الخلق، فيتعدى لواحد والتى نعت.
{إلاَّ لِنعْلَم مَنْ يتّبع الرسُول}: فى الصلاة إليها مصدقا له فى جميع ما يأمر بهِ، وما ينهى عنهُ، والرسول ظاهر فى موضع المضمر، والأصل إلا لنعلم من يتبعك، والله سبحانهُ وتعالى عالم بكل شئ إجمالا وتفصيلا فى الأزل بلا أول، وإنما قال: لنعلم، لأن المراد علم اتباع التبع حال اتباعه، وعلم عدم اتباع من كفر حال تركه الاتباع، فإن العلم بالشئ حال وقوعه نفيا أو إثباتاً غير علمهِ قبل وقوعه، ألا ترى أنك لو قلت علم الله أنه وقع كذا وكذا، ولم يقع كان نفصاً وصفتهُ تعالى به مع أنه لا يقع شئ إلا على وفق القضاء والعلم الأزلى، فكأنه قيل إلا ليتعلق علمنا بالمتبع، وهو موجود متبع، وبالتارك، وهو موجود غير متبع، وللمتبع الجزاء على اتباعه وعلى التارك العقاب على تركهِ، وقيل المراد ليعلم رسوله والمؤمنون من يتبع الرسول، ولهذا القول احتمالان: أحدهما أنه أسند علمهم لنفسه لأنهم خاصة، كما يسند الأمير أفعال رعيته لنفسهِ، يقول بنيت كذا وكذا، وغزوت بلد كذا وكذا، وما بنى وما غزى، ولكن رعيتهُ. والثانى تقدير مضاف، أى ليعلم جندنا أو حزبنا أو خاصتنا أو أهلنا، والمراد بذلك كله النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ويجوز أن يكون نعلم بمعنى نميز للناس، أو للنبى من يتبع الرسول. وهو النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، وذلك أن تمييز الشئ وإظهاره من غيره لأحد أو لشئ مسبب عن العلم به، والعلم به سبب له، وهذا كما قال جلا وعلا:
{ ليَميزَ الله الخَبيثَ من الطَّيب } إلا أنه قدم الطيب هنا، ويدل قبل لهذا قراءة من قرأ إلا ليعلم بالمثناة التحتية والبناء للمفعول، وليست متعينة عندى للدلالة له لجواز أن يراد ليعلم الله بالوجه الأول، وبالقول الثانى باحتماليه، وعلى قراءة نعلم بالنون، وقراءة يعلم بالمثناة التحتية والبناء للمفعول رفق بعباده، إذ أسند علم معائبهم لنفسه، أو أراد لتعلموا بعد جهل فأسند العلم لنفسه رفقاً بالمخاطبين.
وأما أن يقال إلا لنعلم بمعنى إلا لعلمنا السابق، فلا يجوز، لأن أن تخلص المضارع للاستقبال وعلى كل حال، فالآية تدل على أن أمر القبلة امتحان وفتنة للناس، وأن أصل القبلة الكعبة إذ صرفه الله عنها ليظهر من كفار قريش أنهم لا يتبعونه فى الصلاة إلى بيت المقدس، إذ لم يألفوا إلا الكعبة ولما صلى بالمدينة إلى بيت المقدس قالوا رغب عن قبلة آبائه وآبائنا، وقال الضحاك: ليظهر من اليهود أنهم لا يتبعون محمداً، صلى الله عليه وسلم، فى دينه، إذ قالوا: لو صلى محمد إلى قبلتنا بيت المقدس لآمنا به، فصرفه الله إلى بيت المقدس ولم يؤمنوا، وقد علم الله أنهم لا يؤمنون، ويجوز أن يراد ليظهر من قريش ما يظهر، ومن اليهود ما يظهر، وليظهر من اليهود والمنافقين ما ظهر، وهو أنهم قالوا: لو كان رسولا ما ترك قبلة إبراهيم وكذبوا، إذ قبلة إبراهيم عليه السلام الكعبة، وقالوا ترك بيت المقدس اشتياقاً لبلده، وقالوا: لو كان نبيا ما تردد فى القبلة، وأكثروا فى ذلك حتى ارتاب بعض المؤمنين فنزلت الآية مبينة أن صرفه إلى بيت المقدس بعد الكعبة، أو صرفه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أو كل ذلك إنما هو للامتحان، وما كان لعارض يزول بزواله، فلما امتحنوا باستقباله بيت المقدس فلم يؤمنوا رجع لأصله وهو الكعبة، والعلم بمعنى المعرفة، فمن موصولة للعموم مفعول للعلم، ولا ينصب مفعولا ثانيا، وهذا على القول الثانى وغيره، لا على الوجه الأول، إذ لا يقال الله عارف، ولا عرف الله كذا، لأن المعرفة الإدراك المسبوق بالجهل، والله منزه عنه، وقيل يجوز إطلاق المعرفة فى حقه، مثل أن تقول يعرف الله كذا، على أنها بمعنى عدم الجهل بلا قيد سبق الجهل فتحد فى صفة الله على العلم الذى لا جهل قبله، وقد قال التفتزانى إنها استعملت صفة الله تعالى فى كلام رسوله، صلى الله عليه وسلم، والصحابة وأهل اللغة، ويجوز أن يكون العلم على أصله وله مفعولان، هما من يتبع الرسول على أن من استفهامية مبتدأ، ويتبع خبر، والجملة سدت مسد مفعولى نعلم معلقا بالاستفهام، أو هما من ومتعلق ممن ينقلب على أن من موصولة، ويتبع صلته أى إلا لنعلم من يتبع الرسول متميزاً ممن ينقلب، وإن قلت فعلى وجه الاستفهام والتعليق فيم يتعلق ممن قلت يجوز تعليقه بمحذوف حال من المستتر فى يتبع ولا بيتبع لأنه لا يصح المعنى معه ولا بنعلم لكون ما بعد الاستفهام لا يتعلق بما قبله.
{مِمَّن ينْقلبُ علَى عَقِبيْه}: يرجع إلى ورائه، والمراد الرجوع إلى الشرك بالزيادة فيه، كحال اليهود والمنافقين ومشركى قريش، لأنه كلما نزل من الله جل جلاله أمر فأنكروه، فإن إنكاره زيادة كفر، والرجوع إلى الشرك بعد الخروج منه، كما روى أن جماعة ممن آمنوا شكوا فى الدين وظنوا أن محمداً فى حيرة من أمره حيث كان يستقبل بيت المقدس، ثم تركه واستقبل الكعبة، أو الرجوع إلى الشرك مطلقاً سواء بالزيادة منه أو بالرجوع إليه بعد الخروج منه، واستعار للرجوع إلى الشرك الانقلاب على العقبين، وهما مؤخرا القدمين، استعارة مركبة، فإن أسوأ حالات الراجع الرجوع على العقب.
وقرأ ابن أبى إسحاق على عقبيه بإسكان القاف تخفيفاً، وكانت العرب لا قبلة أحب إليها من الكعبة، وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة إلى بيت المقدس مدة إقامته فيها، وصلت الأنصار نحو بيت المقدس عامين قبل قدوم النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وصلى بعد قدومه إليه ستة عشر شهراً، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال قائلون: ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها، لقد اشتاق الرجل إلى مولده، فروى أنهُ لما تحولت القبلة إلى الكعبة ارتد قوم إلى اليهودية، وقالوا رجع محمد إلى دين آبائه.
{وإنْ كانَتْ لَكَبيرةً}: إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، أى وإنه، أو ضمير القصة، أى وإنها، واستحسن هذا حيث كان المسند إليه بعده مؤنثا، ويجوز مرجوحاً تقدير اسمها ضمير المؤنث الراجع إليه ضمير كانت، واللام فى (لكبيرة) فارقة بين إن النافية والمخففة صارفة لها إلى المخففة، وتسمى تلك اللام أيضا فاصلة، وقال الكوفيون: إن نافية واللام بمعنى إلا، وضمير كانت عائد إلى القبلة أو إلى الجملة أو الردة أو التحويلة أو التولية المفهومات من قوله عز وجل: {وما جَعَلنا القبلة التى كنت عليها} ومعنى كبيرة شاقة. وقرأ اليزيدى برفع كبيرة على أنه خبر لمحذوف، أى لهى كبيرة، والجملة خبر كانت، وقيل كبيرة بالرفع خبر إن، وكانت زائدة، واعترض بأن كان الزائدة لا تعمل فى شئ، فيجاب بأنها قد عملت فى قوله:

وجيران لنا كانوا كرام

فكان وضميره زائدان.
{إلاَّ علَى الَّذينَ هَدَى الله}: منهم إلى حكمة الأحكام الصادقين فى إتباع محمد رسول الله صلى الله عليهِ وسلم، الثابتين على الإيمان والأحكام، ولما تحولت القبلة كان من قول اليهود يا محمد إن كانت الأولى حقا فأنت الآن مبطل، وإن كانت هذه حقاً فكنت فى الأولى على ضلال، فوجمت نفوس بعض المؤمنين، وأشفقوا على من مات قبل التحويل من صلاتهم السالفة، فنزل قوله تعالى:
{ومَا كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُم}: قال ابن عباس وغيره، وذكره البخارى ومسلم، وروى أن حيى بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس، إن كانت على هدى فقد تحولتم عنه، وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها من مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة. فقال المسلمون وقد أرشدهم الله تبارك وتعالى: إنما الهدى فيما أمرهم الله به، والضلالة فيما نهى الله عنه، فقال حيى وأصحابه: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا، وقد مات قبل أن تحول أبو إمامة أسعد بن زرارة من بنى النجار، والبراء بن معرور من بنى سلمة، وكانا من النقباء، ورجال آخرون، فانطلقت عشائرهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزل: {ومَا كانَ اللهُ لِيُضيعَ إيمانَكُم} أى صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يجازيكم عليه بالرضوان والجنة، من حيى ومن مات، وسمى الصلاة إيماناً لأنها على مقتضى الإيمان، وصادرة عنه وتزيد فيه، ولأن الإيمان قطب تدور عليه الأعمال والصلاة منه ركن عظيم، فذكرها به إذ كان هو الأصل، قبل ولئلا يندرج فى اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، فإن الصلاة يأتى بصورتها المنافقون، بخلاف الإيمان الذى هو تصديق بالقلب، فإنه لا يأتى به من أصر على الكفر، والشك فى دين الله، وأيضاً الصلاة من شعب الإيمان، وما بين العبد والكفر إلا تركها، وما ذكرت من تفسير الإيمان بالصلاة مذهب بعض أصحابنا وجمهور المفسرين، ورواية ابن القاسم فى العتبية عن مالك، ورواية عن الحسن البصرى، واختاره الشيخ هود ـرحمه الله ـ ويظهر لى وجه آخر وهو إبقاء الإيمان على معنى التصديق بالقلب، أى ما كان الله ليضيع إيمانكم بالله ورسوله، وما أمر به وما نهى عنه، وذلك شامل للإيمان بالصلاة إلى بيت المقدس أنها حق، أو ما كان الله ليضيع إيمانكم بفرض الصلاة إلى بيت المقدس، أو ما كان الله ليضيع ملازمتكم إيمانكم، ومثل هذه الأوجه ما روى عن الحسن أن المعنى محفوظ إيمانكم عند الله، حيث أقررتم بالصلاة إلى بيت المقدس، ويحتمل هذا المروى عنه الرواية الأولى عنه، ووجه آخر أن يكون المراد: ما كان الله ليضيع إيمانكم الذى اختار لكم بترك تحويلكم إلى الكعبة، فإن تحويلكم حكمة تناسب دين الإسلام، فلو ترككم بلا تحويل لكان مفسدة وتضييعاً للإيمان الذى اختار لكم، فكان ترك عدم التحويل عدم تضييع له فافهمه، فإنه سهل بإذن الله، وقرئ وما كان الله ليضيع إيمانكم بفتح الضاد وكسر الياء مشددة.
{إنَّ اللهَ بالنّاس لَرَءوف رحِيمٌ}: بالناس متعلق برءوف وبرحيم ويقدر للآخر مثله بالإظهار أو بالإضمار، لا على التنازع فى المقدم على الصحيح، والأولى تعليقه برءوف، واللام فى خبر إن لا نمنع من تقدم معمول مدخولها، أو معمول ما فى حيز مدخولها عليها، إذا كان ظرفاً أو مجروراً كما هنا، والمعنى: إن الله لرءوف بالناس المؤمنين، رحيم بهم، فلا يضيع أجور إيمانهم وأعمالهم، ولا يترك صلاحهم، والرأفة أشد الرحمة، فهى أبلغ من الرحمة وأخص، فالرحمة أعم فإنما لم تقدم الرحمة مع أنها أعم، مراعاة للفاصلة، لأنها مختومة بالميم قبلها حرف المد فى قوله مستقيم، وبالنون الشبيهة بالميم قبلها حرف المد بعد ذلك، وقيل ذلك، ولا تقابل الواو أو الياء بالألف، ومقابلة الميم بالميم أولى من مقابلتها بالنون، فالأولى جعل لفظ رحيم مقابلا لمستقيم لا لما بعده، وقيل الرأفة والرحمة مترادفان على معنى الإنعام فى حق الله تعالى، وقيل الرأفة إزالة المضرة، والرحمة الإنعام، فهما معنيان متغايران لا ترادف بينهما ولا خصوص ولا عموم، ورءوف فى جميع القرآن بهمزة ممدودة بالواو عند نافع وابن كثير. وابن عامر وحفص، وقرأ الباقون فى جميعه بلا واو. والله أعلم.
وروى أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحب أن يأمره الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة فى الصلاة، لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد فى ديننا ويتبع قبلتنا، وقالوا كما روى عن مجاهد: ما علم محمد دينه حتى اتبعنا فقال صلى الله عليه وسلم لجبريل:
"وددت لو حولنى الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبى إبراهيم، إلى متى نصلى إلى قبلة اليهود وددت أن الله صرفنى عن قبلة اليهود إلى غيرها، فقال جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فاسأل أنت ربك فإنك عند الله بمكان. ثم عرج جبريل وجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة" ، فأنزل الله تبارك وتعالى: {قدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِك...}