التفاسير

< >
عرض

فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٠٩
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٢١٠
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{فَإن زَلَلْتُم}: ملتم عن الدخول فى السلم كافة، بأن دخلتم فى بعضه فقط، أو دخل بعضكم فقط، وقرأ أبو السمال: زللتم بكسر اللام، وهو لغة كضللت وضللت، وأصل الزلل فى القدم كالزلق وزناً ومعنى، استعمل فى الخروج عن الحق.
{مِن بَعدِ ما جَاءَتْكُم البَيِّناتُ}: الحجج الظاهر الشاهدة على أن ذلك السلم المأمور بالدخول فيه هو الحق إن كان الخطاب الأول للمؤمنين، فالآيات القرآن والمعجزات، وإن كان لأهل الكتاب المشركين فهن ما جاءهم أيضاً فى التوراة من أمر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته أو هن القرآن والمعجزات أيضاً.
{فاعْلَموا أنَّ اللّهَ عَزِيزٌ}: غالب لا يعجزه شئ عن الانتقام ممن لم يدخل فى السلم ولا ممن دخل فى بعضه فقط.
{حَكِيمٌ}: فى صنعه لا يضع الجزاء بالسوء إلا فى أهل السوء. والجملة تعليل لجواب محذوف سدت. مسده أى: عاقب من لم يدخل فيه ومن دخل فى بعضه فقط؛ لأنه عزيز حكيم، سمع أعرابى قارئاً [يقرأ]: {إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ} فأنكره، ولم يقرأ القرآن، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه.
{هل يَنْظرُون}: ينتظرون والاستفهام فى معنى النفى، ولذلك أجيب بإلا، والضمير لمن لم يدخل فى السلم، ومن دخل فى بعضه وهم المتبعون لخطوات الشيطان.
{إلا أنْ يأْتِيَهم اللّهُ فى ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ}: على حذف مضاف، أى أمر الله، بدليل قوله تعالى:
{ هل ينظرون إلا أن تأيتهم الملائكة أو يأتى أمر ربك } أو بأس الله كقوله سبحانه: { فجاءهم بأسنا } أو على حذف المتعلق، أى إلا أن يأتيهم الله بأمره، كما ورد ما يقرب منه فى آية أخرى، أو ببأسه كما يدل له: {عزيز حكيم}، فإن العزة فى حكمه تناسب البأس الذى لا يطاق، وهى صفة قهر، والعزة بلا حكمة قد تضع حيالها وعدتها، وهذا فى الجملة، والله منزه عن الحيلة، وهذه الباء المقدرة للتعدية كهمزة التصيير، أى إلا أن يصير الله أمره أو بأسه آتياً، والمعنى فى ذلك كله واحد، ولا بد من المصير إليه، لأن الله تعالى منزه عن الحركة والسكون، لأنهما يستلزمان الحد والتحيز والجهاد والتركب والعجز والحدوث وغير ذلك من صفات الخلق، هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والمحققين من الشافعية كالقاضى، وفي سبيل ذلك أن نقدر أن يأتيهم قهر الله أو عذابه، فإن ذلك من أمره، أو نجعل فى بمعنى الباء، أى أن يأتيهم الله بظلل من الغمام، أى أن يصير الله ظلل الغمام آتية إياهم.
والحاصل أن مذهبنا ومذهب هؤلاء، تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به، وذلك مذهب المتكلمين، وحكمة حذف المضاف أو ذلك المتعلق: التهويل عليهم، إذ لو ذكرك أن أسهل عيلهم إلا تراهم لتكذيبهم يقولون:
{ فأتنا بعذاب أليم } }، { { فأمطر علينا حجارةً مِن السَماء أو ائتنا بعذاب أليم } ونحو ذلك، وحكمة إتيان العذاب فى الغمام، والإتيان بالغمام للعذاب، أن الغمام مظنة العذاب، ومنه ينزل المطر، وإذا جاء العذاب من حيث لا يتوقع لا يسمى من حيث ترخى المنفعة كان أعظم على النفس لبعده عن وهمها، ولذلك اشتد على المتفكرين فى كتاب الله عز وجل قوله عز وجل: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } وزعم الكلبى وسفيان بن عيينة فى ذلك ومثله أنه لا يفسر، بل يوكل إلى الله، وقال الزهرى والأوزاعى، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثورى، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: يقرأ ويفسر على ظاهره بلا كيف ولا تشبيه حتى قال قائلهم:

عقيدتنا أن ليس مثل صفاته ولا ذاته شئ عقيدة صائب
نسلم آيات الصفات بأسرها وإخبارها للظاهر المتقارب
ونويس عنها كنه فهم عقولنا وتأويلنا فعل اللبيب المغالب
ونركب للتسليم سفنا فإنها لتسليم دين المرء خير المراكب

وكلا القولين خطأ أما قول الكلبى وابن عيينة فلأنه جمود عن الحق مع ظهوره، لأنا إذا أولناه بما ذكرنا فقد وافقنا سائر الآيات والأحاديث الناهية عن التشبيه، ومعنى ذلك التأويل فى نفسه مجمع عليه لا مخالف فى ذاته، وإنما خالف من خالف فى تأويل الآية به، وإذا كان ذلك المعنى مجمعاً عليه فأى مانع من تفسير الآية به، وأما قول الزهرى ومن معه فلزم عليه إذا فسره بظاهره الوقوع فيما فروا منه من التشبيه، ولم يغن عنهم قولهم بلا تكييف ولا تشبيه، وزعم الطبرى - قبحه الله - بسنده المتصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "من الغمام طاقات يأتى الله - عز وجل - فيها محفوفاً، وذلك {هَلْ يَنْظرُونَ: إلاَّ أن يأتيهُمُ اللّهُ فِى ظُلَلٍ من الغمام}" .
{وَالملائِكَةُ وقُضِىَ الأمْرُ}: قال عكرمة والملائكة حوله، فإن صح ذلك فالمعنى: من الغمام طاقات يأتى عذاب الله عز وجل فيها محفوفاً ذلك العذاب بالغمام والملائكة حول الغمام لا حول الرب - تعالى عن الجهة - كام زعم زاعم. ومعنى قُضِىَ الأمر: فرغ من إهلاكهم، وهو بمعنى يقضى نزل منزلة ما مضى لتحقق أنه وقع، ولدنوه وذلك توعد فى الدنيا وهو الظاهر، وبه قال ابن جريج، وقيل ذلك كله يوم القيامة يفرغ من حسابهم، كما قال بعض: إن ظهور الغمام علامة لظهور القيامة وأهوالها، وهو ظاهر الرواية السابقة للطبرى عن ابن عباس وعكرمة، وقيل إتيان الله تعالى وعيد بيوم القيامة وإتيان الملائكة وعيد يأتيهم عند الموت، والظلل جمع ظلة، وهى ما علا رأسك وأظلك، وقرئ بكسر الظاء على أنهُ جمع: ظلة بكسرها، أو جمع ظل، والغمام السحاب الأبيض الرقيق الأصفى الأحسن، سمى غماماً، لأنه يغم ويستر، وقيل: هو شئ غير السحاب لم يكن إلا لبنى إسرائيل فى تيههم، وهو كهيئة الضباب الأبيض، وعن النقاش: ضباب أبيض، وفى متعلقة بقوله: {يأتى} إن جعلنا فى بمعنى الباء أو بمحذوف حال من اسم الجلالة إن قدرنا مضافا أو متعلقاً، والحالية باعتبار ذلك المضاف، أو لمتعلق والملائكة معطوف على اسم الجلالة، وقرئ بالجر عطفاً على الظلل، أو على الغمام، فإن الظلة كما تكون من الغمام تكون من الملائكة، وقرأ معاذ بن جبل رضى الله عنه، وقضاء الأمر بالمصدر المرفوع عطفاً على اسم الجلالة، أو على الملائكة، ويجر الأمر على الإضافة.
{وإلى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}: بالتاء الفوقية والبناء للمفعول، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى بالفوقية: والبناء للفاعل، وكلتا القراءتين من مرجع الثلاثى المتعدى، أو من أرجع بالهمزة، وقرأ يعقوب بالتحتية والبناء للفاعل من مرجع الثلاثى اللازم، وقرأ بعض: بالتحتية والبناء للمفعول من رجع المتعدى أو من أرجع بالهمزة، والأمر مرفوع فى تلك القراءات كلها، والأمر راجع إلى الله فى الدنيا والآخرة، وقيل هلاكهم، وعنده وبعده، ولكنه ذكره لما عند هلاكهم وبعده، أو ليوم القيامة لزوال ما كان يجرى قبل ذلك على أيدى الملوك وغيرهم، أو لأن ذلك كناية عن المجازاة على أعمالهم وأعمال غيرهم بالثواب والعقاب، ولأنهم كانوا فى الدنيا يعبدون غير الله، ويردون الأمر إلى غيره تعالى، فقال: إنهم بعد ذلك يتركون غير الله ويسلمون إلى الله جل وعلا. قال الشيخ هودرحمه الله : ذكر بعضهم أنه إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم العكاظى، ثم يحشر الله فيها الخلائق من الجن والإنس، ثم أخذوا مصافهم من الأرض، ثم ينادى مناد:
{ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } ثم أتت عنق من النار تسمع وتبصر وتكلم، حتى إذا أشرفت على رءوس الخلائق نادت بصوتها: ألا إنى قد وكلت بثلاثة: بمن دعا مع الله إلهاً آخر، ومن ادعى لله ولداً، ومن زعم أنه العزيز الكريم، ثم صوبت رأسها وسط الخلائق فالتقتطهم كما يلتقط الحمام حب السمسم، ثم غاصت بهم فى جهنم فألقتهم فى النار، ثم عادت حتى إذا كانت بمكانها نادت: إنى قد وكلت بثلاثة: بمن نسب الله، وبمن كذب على الله، وبمن آذى الله، فأما الذى نسب الله فالذى زعم أنه اتخذ صاحبة وولداً، وهو الواحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأما الذى كذب على الله فالذين قال الله عنهم: { وأقْسَمُوا باللهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسَ لاَ يَعْلَمون. لِيُبيِّنَ لَهُم الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وليعْلم الَّذين كَفرُوا أنهُم كانُوا كَاذِبين } وأما الذى آذى الله فالذين يصنعون الصور، فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب حتى تغوص بهم فى جهنم. وعن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان والدابة، وخويصة أحدكم يعنى موته وأمر العامة يعنى النفخة التى يميت الله بها كل حى" .