التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
٢٦٧
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يَا أيُّها الَّذينَ آمنُوا أنفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُم}: أى مما هو طيب عقلا وهو الحلال مطلقا أجود أو جيد أو دون ذلك، إلا أنه غير ردئ لقوله: {ولا تيمموا الخبيت منه تنفقون}، أو المراد بالطيبات ما هو طيب حسا وهو الجيد والأجود، وعلى هذا الجمهور، فإن العرف فيما دون ذلك أنه لا يقال له طيب، ويدل على أن المراد بالطيبات ما طاب عقلا قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث إذا كن فى التاجر طاب كسبه: لا يعيب إذا اشترى، ولا يمدح إذا باع، ولا يكذب" ويروى: "ولا يحلف" ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "عمل الرجل بيده جوابا لمن قاله أى الكسب أطيبه" ، وقوله عليه الصلاة والسلام: "أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وأن ولده من كسبه" ، وبذلك يقول ابن زيد فيفسر الخبيث بعد بالحرام، والشهبة، ومن فسر الطيبات بالجيد والأجود فسر الخبيث بما دون ذلك، ويمكن أن يفسره أيضاً بالحرام والشبهة، والمراد بقوله: {ما كسبتم}، ما ملكتم، ولو بهبة وميراث، فيكون من استعماله المقيد فى المطلق، ويجوز أن يراد ما كسب بنحو تجر أو عناء، وخص بالذكر بأن الأجر فى إنفاقة أعظم، لأن النفس عليه أشح ولغيره أيضاً ثواب، ومفعول أنفقوا محذوف منعوت بقوله: {من طيبات} أى شيئا من طيبات، أو من مفعول على القول بأن من التبعيضية اسم مضاف، أى أنفقوا بعض طيبات، واختلف فى الإنفاق فى الآية فقيل: الزكاة فالأمر للوجوب، وقيل: التطوع فالأمر للندب، وقيل: الزكاة والتطوع، فمن أجاز الجمع بين الحقيقة والمجاز وقال: إن الأمر حقيقة فى الوجوب، قال هو الوجوب والندب، ومن منع قال مستعمل فى عموم المجاز، وهو هنا مطلق الطلب، بقطع النظر عن وجوب وندب، ومن قال: مشترك بينهما وأجاز استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه قال: هو فى الآية لهما كل مال لتجر تلزم فيه الزكاة ولو داراً أو نخلا، كالتى يعامل بها صاحبها أو ببعضها لمن أراد أخذ الدين، كما قال ابن جعفر، وزعم داود: أن مال التجر الذى هو عروض لا زكاة فيه، إلا إن نوى لتجربه حين تملكه ولما يكمل على أن الزكاة فى الأصل الذى يتجربه وفى العروض المتجر به قول سمرة بن جندب أن رسول الله صلى لله عليه وسلم: يأمرنا بإخراج الصدقة من الذى يعد للبيع والشراء فترى كثيراً من الناس يعدون دارا لكل من أراد معاملة ولا يزكيها بالقيمة حين زكاته، وهو منكر.
{وممَّا أَخْرَجْنا لَكُم مِّنَ الأرْضِ}: هو على حد ما مر أن المراد الزكاة أو التطوع أو كلاهما، زعمت الظاهرية بهذه الآية أن الزكاة تجب فى كل ما يزرعه الإنسان، وفيما كثر منه أو قل، وهو قول أبى حنيفة، ويرده من حيث التقدير، حديث:
"لا زكاه فيما دون خمسة أوساق" ولا زكاة عندنا فيما أنبتت الأرض إلا الحبوب الستة. وقال جمهور الأمة بوجوبها فى كل ما يقتات ويدخر من الحبوب، كالعنب والتين إذا بلغت النصاب، ويرد على من أوجبها فى كل ما يزرع، "أن معاذ بن جبل كتب إلى النبى صلى الله عليه وسلم يسأله عن ثمر الخضراوات وهى البقول؟ فقال: ليس فها شئ" "وأن عبد الله ابن المغيرة أراد أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات صدقة فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ليس فى ذلك صدقة" ، والظاهر أن المراد الندب إلى صدقة التطوع، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طائر أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" ، ولا تقبل صدقة برئاء ولا من حرام، قال صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله ما الشرك الأصغر؟ قال: الرئاء يقال لهم يوم يجازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا، انظروا هل تجدون عندهم جزاء" ، وعن أبى هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشركة، من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه" وعن خولة الأنصارية: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: "إن هذا المال خضر حلو من أصابه بحقه بورك فيه ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار" ، وعن أبى هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتى على الناس زمان لا يبالى المرء ما أخذ من حلال أم من حرام" ويبعد أن يراد بما أخرجنا لكم من الأرض كنز الجاهلية، والمعدن، بأن يأمر بإخراج الواجب فيهما، ثم رأيت القاضى قال: ما أخرجنا من الحبوب والثمرات والمعادن، وإنما أعاد ذكر من، ولم يقل وما أخرجنا ليكون أعظم دلالة على تعدد الإنفاق، وفى ذلك حذف مضاف، أى ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض دل عليه قوله من طيبات ما كسبتم وقوله:
{ولا تَيمَّمُوا الخَبيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ}: لا تقصد والحرام والردئ، ومنه متعلق بتنفقون، والهاء للخبيث، وجملة تنفقون حال من الخبيث، والرابط الهاء، أو حال من واو تيمموا، والرابط واو تنفقون، والحال مقدرة، وقدم منه للفاصلة والقصد تقريره ذكره من حيث النهى، ويجوز أن يقال قدم للحصر إذا فسرنا الخبيث بالردئ أى لا تقصروا الإنفاق على الردئ، بل أنفقوا من الجيد والردئ بحسب ما تيسر، وبحسب الحال، ففى الإنفاق من الجيد إيثار الآخرة، وفى الإنفاق من الردئ تعظيم النعمة أيامّا كانت، وجاء الفوز بإنفاق رديئها وجيدها غير مستحقر لها، يجوز عود الهاء إلى المال المكسوب، وإلى ما أخرجنا فيتعلق بمحذوف حال من الخبيث، وحينئذ يكون تنفقون حال من الواو، أو من الخبيث أى تنفقونه بحذف رابط الحال، إذا كان صاحب الحال لفظ الخبيث، وإذا عادت الهاء إلى ما أخرجنا، فإنما خص المخرج من الأرض بالنهى على إنفاق الخبيث منه، لأن التفاوت بين أنواعه وأشخاصه أكثر من التفاوت فى غيره، والصحيح عندى أن الخبيث بمعنى الردئ، ووجه النهى عن إنفاقه أن يلزمه فى الزكاة الجيد فيعطى مكانه الخبث، أو ينفق فى التطوع الردئ لشدة شح نفسه وإيثاره الدنيا على الآخرة، ولكون نفسه استغنت عن ذلك الردئ، فصار ينفقه ويمسك الجيد، وردها الحسن إلى المال المكسوب مطلقا، إذا قال كانوا يتصدقون بأردَئ دراهمهم وأردأ فضتهم وأردئ طعامهم، فنهاهم الله عن ذلك، وأما من ينفق الردأ وقد أحبه ورجى به الثواب، فله الثواب لنحو حديث، ردوا السائل ولو بظلف محرق، ولو كان الأولى لهم أن ينفقوا الجيد، ويدل لذلك ما روى عن على والحسن ومجاهد فى سبب نزول الآية أنهم كانوا يتصدقون على سبيل التطوع بشرار ثمارهم، ورذال أموالهم، قال بعضهم: يكون للرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمد إلى أردئها فيتصدق به ويخلطه بالحشف، قال الحسن: كما لا يستوى عندكم هذا الردئ والجيد، كذلك لا يستويان عند الله. وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما
" أن رجلا جاء ذات يوم يفرق حشفاً فوضع فى الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما صنع هذا" ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ويدل لذلك أيضا قوله تعالى: {ولستم بآخذية إلا أن تغمضوا فيه}، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثهُ إلى اليمن: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتوضع فى فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم" فأمره بالأوسط، لا بالجيد والأجود، وأما ما قيل: لو أريد بالطيب الجيد، وبالخبيث الردئ، لكان ذلك أمراً بإنفاق الجيد ولو حراماً، فلا يتم لأن إنفاق الحرام معلوم تحريمه من الدين والعقل ضرورة، والتخصيص بالحلال أمر جلى لا يخفى فيرتكب، ولو كان خلاف الأصل، وأصل تيمموا: تتيمموا حذفت إحدى التائين تخفيفاً، وقرأ عبد الله بن مسعود: ولا تأمموا، وأصله أيضاً تتأمموا بتائين، وقرأ ابن عباس: تيموا، بتاء واحدة مضمومة. يقال يممه وتأممه، ويممه بمعنى قصده، وقرأ ابن البر: ولا يتمموا بتشديد التاء، وكذا ألا { تفرقوا } فى آل عمران، { والذين توفاهم } فى النساء، { ولا تعاونوا } فى المائدة، و { فتفرق بكم عن سبيله } فى الأنعام { فإذا هى تلقف } فى الأعراف وطه والشعراء، { ولا تنازعوا } فى الأنفال، { وهل تربصون } فى التوبة { وإن تتولوا } } { { فإن تولوا } و { لا تكلم نفس } فى هود، { وما تنزل } فى الحجر، و { إذ تلقونهُ } }، { { فإن تولوا فإنما } فى النور { وما تنزلت به الشياطين } تنزل فى الشعراء { ولا تبرجن } } { { ولا أن تبدل } فى الأحزاب و { لا تناصرون } فى الصافات { ولا تنابزوا } } { { ولا تجسسوا } و { لتعارفوا } فى الحجرات { وإن تولوهم } فى الممتحنة، { تكاد تميز } فى الملك و { لما تخيرون } فى نون والقلم و { عنه تلهى } فى عبس، و { نارا تلظى } فى الليل و { من ألف شهر تنزل } فى القدر قال أبو الفرج النجاد المقر عن قراءته على أبى الفتح ابن بدهن عن أبى بكر الزبلينى، عن أبى ربيعة، عن البزى { ولقد كنتم تمنون } فى آل عمران، و { فظلتم تفكهون } فى الواقعة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعا يشدد فيه البزى تاء المضارع فى الوصل وإن ابتدأ بها خفف، وإن كان حرف المد قبلها وصل زاد فى التمكين وغيره يخفف التآء وصلا ووقفا.
{ولّسْتُم بآخذِيه إلاَّ أن تُغْمِضُوا فيه}: والواو للحال، وصاحبها لفظ الخبيث أو الهاء فى منه إذا رجعت إلى لفظ الخبيث أو صاحب الحال، واو {يتمموا} أو واو {تنفقون} أى حال كونكم لا تأخذونه فى حقوقكم لكونه رديئاً إلا أن تتسامحوا فيه وترو أنكم عفوتم عن بعض حقكم، قالهُ الكلبى. وقال الحسن: وجدتموه فى السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه، وقال البراء بن عازب: نزلت الآية فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، ويأتى الرجل من نخله على قدر قلته وكثرته، ويأتى الرجل بالقنو والقنوين يعلقه فى المسجد، ولا طعام لأهل الصفة، فإذا جاء أحدهم ضربه بعصاه فسقط البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس من الأنصار ممن لا يرغب فى الخير، يأتى بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات}، إلى قوله {إلا أن تغمضوا فيه} قال: لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطوا لم يأخذه إلا على الإغماض وحياء: فكنا بعد ذلك يأتى أحدنا بصالح ما عنده، وعن مجاهد إلا أن تأخذوه عن غرمائكم بزيادة على الطيب فى الكيل والأصل، بأن تغمضوا، فحذف الباء، والإغماض غض البصر تجوز به استعارة إلى معنى تسامحوا أى قبلهُ برداءته، كأنهُ، لم يره، ثم رأيت الزمخشرى قال: إنك تقول أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره، ويقال للبائع أغمض، أى لا تستقص كأنك لا تبصر، وقرأ الحسن والزهرى، تغمضوا بضم التاء وفتح التاء مشددة من غمض الثلاثى للتعدية، فكان رباعيا بالزيادة، أى إلا أن تحملوا على الغمض، لأنه يقال غمض بالتخفيف وأغمض بمعنى، وقرأ قتادة تغمضوا بالبناء للمعفول والتخفيف من أغمض بمعنى صيره غامضا، فالهمزة للتعدية غمض الثلاثى أو بمعنى وجده غامضاً، كأحمدتك أى وجدتك محمودا، أى إلا أن تقهروا على الغمض، أو تصاوفوا غامضين
{واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ غَنىٌّ}: عن صدقاتكم، وإنما يعود نفعها إليكم فكيف لا تنفقون أو تنفقون الردئ وتمسكوا الجيد..
{حَمِيدٌ}: محمود بقبول الصدقة والإثابة عليها، أو حامد أى شاكر عليها، ولما أمر بالإنفاق وتطيب النفقة حذرنا عن وسوسة الشيطان بقبوله
{ لعنه الله } إن نفقت صرت فقيرا فقال تعالى: {الشَّيْطانُ يَعِدُكم الفَقْر ..}