التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ
٨٣
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائيلَ}: حين رفع فوقهم الطور ليقبلوا التوراة ويعملوا بما فيها، فقبلوا على أن يعملوا فهذا ميثاقهم، أو حين طلبوا موسى أن يأتيهم بالكتاب الذى وعدهم ليعملوا به، وهو التوراة أو الميثاق هو إلزامه إياهم التكاليف التى فى التوراة سماه ميثاقاً لأنه عاهد إليهم أن يعملوا بها.
{لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ الله} جواب للقسم، لأن أخذ الميثاق تحليف، لأن المعنى وإذا حلفناهم لا تعبدون إلا الله، كقولك حلفت عمراً ألا يقوم، وذلك قول سيبويه بالقسم أخذ الميثاق، ويجوز كون ذلك جواباً للميثاق أى أخذنا حلفهم لا يعبدون إلا الله كقولك: أعجبنى حلف زيد ليقومن، وإن قلت: فهل حلفهم أو حلفوا؟ قلت: اللازم الشئ بشدة تحليف والتزامه بها حلف، ولا نافية، ويجوز كون لا تعبدون إلا الله مقولا لحال محذوفة، أى وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل قائلين لا تعبدون إلا الله، أو مقولا لمعطوف حذف مع العاطف أى وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل، وقلنا لا تعبدون إلا الله، وجاز حذف العاطف معه، كما جاز حذف القول مع فاء الجزاء، وعلى كون لا تعبدون إلا الله ومقولا لقول محذوف على الوجهين تكون لا نافية لفظاً ناهية معنى، ونكتة الإتيان بما لقطه خبر ومعناه نهى التلويح إلى أن هذا الميثاق مما يهتم بالوفاء به، لو لمسارعة فى أدائه فأتى بصيغة الخبر كأن عبادة غير الله المنهى عنها منتفية، فهو يخبر بأنها لا تقع، وهذا كما تعبر عن طلب ما ترغب فيه بصيغة وقوعه، تقول: رحم الله الشيخ يوسف بن إبراهيم والشيخ عامر ومشايخ الديوان وأصحابنا، نزيد اللهم ارحمهم، ويدل على كون المعنى نهياً قراءة ابن مسعود وأبى بن كعب، لا تعبدوا بحذف النون، ويدل عليه أيضاً عطف الأمر عليه، وهو قوله عز وعلا: {وقولوا للناس حسناً} ويجوز أن تكون لا نافية لفظاً ومعنى والناصب مقدر لما حذف ارتفع الفعل، كقول طرفة بن العبد:

ألا أيهذا الزجرى أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد

أى ألا أيها الذى يزجرنى عن أن أحضر أنا الحرب فحذف عن وأن ارتفع أحضر، ويدل لذلك لفظ الزجر وقوله أن أشهد، فالتقدير: {وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل على أن تعبدوا} فحذف الجار وأن وهو متعلق بأخذنا أو ميثاق، أو يجوز تقدير أن بدون على فيكون مصدر تعبد بدلا مطابقاً أو بياناً من ميثاق ويدل على انتصاب الفعل بمحذوف قراءة عبدالله بن مسعود ألا تعبدوا بذكر أن، ولو أدغم نونها فى اللام وبنى اسم ظاهر، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة وتعبدون خطاب جئ به كما نزل فى التوراة، وخوطبوا فيها فذلك على طريق الالتفات من الغيبة للخطاب، وذلك قراءة نافع وابن عامر وأبى عمرو وعاصم ويعقوب، وقرأ غيرهم: (لا يعبدون) بالمثناة التحتية.
{وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَاناً}: بالوالدين متعلق بمحذوف، وإحساناً مفعول مطلق لذلك المحذوف، ولو كان مصدراً مؤكداً لأن الصحيح جواز حذف عامل المصدر المؤكد، ولو اشتهر منعه أو ندوره، ولو علقنا بالوالدين بقوله إحساناً لكان غير مؤكد، وجاز تقديمه لأنه لا ينحل المصدر إلى فعل وحرف مصدر هنا على تقدير المحذوف، لكن إذا علق به كان نائباً عن الفعل المحذوف وذلك فى الإخبار قليل، وإن قدرنا المحذوف أمراً لفظاً ومعنى أو معنى فقط كان إحساناً نائياً عنه وعلقنا به الباء، وكان غير مؤكد، وكبقية تقدير ذلك المحذوف تحسنون أو أحسنوا لا تعبدون، فإن قلنا خير لفظ ومعنى فالتقدير تحسنون كذلك، لكن إن قدرنا أن مع لا تعبدون جاز تقدير تحسنون بثبوت النون وبحذفها، وتحسنوا وتقدير وأن تحسنوا كما قال وأن أشهد اللذات بعد رفع أحضر، وإن قلنا خبر لفظاً نهى معنى جاز تقدير تحسنون بلفظ الخبر، ومعنى الأمر جاز تقدير ألستوا بصيغة الأمر، ويتعين تقدير أحسنوا بصيغة الأمر عند من قرأ لا تعبدوا، وعند من قرأ ألا تعبدوا، وقدم عبادة الله عز وجل، لأن النعم كلها منه، ولو جرى ما جرى على يد مخلوق فشكره مقدم، وذكر بعد ذلك بر الوالدين لأن موجده بعد العدم، ولو كان هو الله لا غيره لكنهما سبب فى وجوده، وإنما قد ربَّياه وحق الأم أعظم كما بينته فى شرح النيل، واختلف أبو خرز وأبو القاسم فقال: الأب أعظم لأنه المأخوذ بحقوقه، وقال أبو القاسم: الأم أعظم لأنها أعظم مؤنة، والإحسان إلى الوالدين هو طاعتهما فى غير معصية والرغبة فى نفعهما وتعليم أمر الدين لهما وأمرهما ونهيهما بلطف.
{وَذى الْقُرْبَى}: عطف على الوالدين، أى وتحسنون إحساناً بالوالدين وذى القربى، وإنما أتى بالقريب بعد الوالدين لأن حقه تابع لهما لحقهما، والقرابة تحصل بالوالدين، فإنما توجد بهما، والمولى كالقريب لقوله صلى الله عليه وسلم:
"الولاء لحمة كلحمة النسب" ولا يلزم وصله ما لم يحتج، وقيل: يلزم كسائر الأرحام للحديث، وكذا اختلف فى قرابة الرضاع والقربى مصدر مؤنث بمعنى القرابة.
{وَالْيَتَامَى}: جمع يتيم كنديم وندامى وذلك قليل، واليتيم من بنى آدم والجن من مات أبوه قبل بلوغه، وتسميته بعد البلوغ يتيماً مجاز، قال صلى الله عليه وسلم:
"لا يتم بعد البلوغ" واليتيم من البهائم من فقدت أمه عنه حيث لا تنفعه، ولو كانت حية إن كان يرضع، فإن فقدت بعد فطامه فليس بيتيم، وقيل لا يسمى يتيماً إلا إن ماتت، وذكر اليتامى بعد ذى القربى لشدة حاجتهم، فإنهم محتاجون لصغرهم ويتمهم، وخلوهم عمن يقوم بمصالحهم فإنهم لا يقومون بنفسهم فقدمهم على المساكين، فإن المساكين قد يقومون بأنفسهم وينفعون غيرهم بالخدمة واليتامى يقل فيهم ذلك.
{وَالْمَسَاكِينِ}: جمع مسكين، ومسكين جمع كمفعيل من السكون كالفقر أسكنه، وإنما جمع اليتيم والمسكين دون القريب مراعاة للقربى، فإنه مفرد فكان إفراد ما أضيف إليه أولى من أن يقال وذوى القربى، ولكن المراد الجنس فكأنه قيل وذى القربى.
{وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً}: بضم الحاء وإسكان السين، أى كلاماً ذا حسن، فحسناً مفعول به بمعنى اذكروا للناس كلاما ذا حُسن، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقاً، أى تولا ذا حسن، ويجوز تقدير القول بمعنى المقول، فيكون أيضاً مفعولا به، ويجوز ألا يقدر مضاف، ولكن بولغ فى حسن القول أو الكلام حتى كأنه نفس الحسن، كقولك زيد صوم عدل علم، ويجوز تأويله بحسن يفتح الحاء والسين الذى هو وصف، وقد قرأ حمزة والكسائى ويعقوب حسناً بفتح الحاء والسين، ونقول إنه وصف كما قال الزجاج: ويحتمل أن يكون مصدراً، وبه قال الأخفش كحسن بضم فإسكان. وقرأ بعض: حسناً بضم الحاء والسين جميعاً وهو لغة الحجاز، فإن حسناً بفتحهما يكون وصفاً ومصدراً، كما يقال على المصدرية رشد بضم فإسكان، ورشد بفتحتين وكل ذلك مصدر، وقرأ حسناء كحمراء، وحسنى كفضلى، فيحتمل أن الوصف أى قوله أو كلمة حسناء وحسناء والمصدر كبشرى ورجعى، وإن قلت: ما القول الحسن؟ قلت: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بلين فى محل يصلح فيه اللين، وبغلظه حيث تصلح الغلظة، وتعليم الناس ما نزل فى التوراة ومكارم الأخلاق، والتكلم فى المعاشرة وملاقاة الناس بما لا يضرهم ولا ينفرهم عند الحاجة إلى التكلم، وذلك خطاب لليهود فى زمان موسى، ويكون من بعدهم فى حكمهم، أو لكل من يصلح للخطاب فى زمانه أو بعده، وذلك خطاب فى التوراة، ولا يبعد أن يكون: {قولوا للناس حسناً} مع ما قبله وما بعده خطاباً لليهود فى زمان سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ الميثاق عليهم تكليفهم بما فى التوراة من عبادة الله وحده، وما ذكر بعدها وعلى هذا يكون الحسن ما تقدم ذكره، فهو شامل للإيمان بسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإخبار بصفاته كما هى بلا تغيير، وقال محمد بن على بن الحسين بن أبى طالب، قولوا لهم إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن ابن عباس وابن جريج أن المعنى: قولوا حقاً وصدقاً فى شأن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمن ساءلكم عنه فاصدقوه وبينوا صحته ولا تكتموه، وفى رواية عنه: قولوا للناس لا إله إلا الله، ومروهم به ولعله مثل بذلك تمثيلا، وقال سفيان الثورى: معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبات من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق قال عطاء: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم، قال ابن جريج: قلت لعطاء إن مجلسك هذا يحضره البار والفاجر أفتأمرنى أن أغلظ فيه على الفاجر؟ فقال: لا ألم تستمع إلى قوله تعالى: {قولوا للناس حسناً} وليس المراد تليين القول للفاسق وإكرامه بالقول بلا ضرورة، فإن ذلك تهوين للدين ومداهنة فيه، واختيار للدنيا على الدين، إلا أن فعل ليجره للإسلام وتوهم بعض أن الآية خطاب لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فزعم أنها فى ترك القتال ونسخت بآية السيف.
{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}: المفروضة عليكم.
{وَآتوا الزَّكَاةَ}: هى ما فرض عليهم من زكاة، وقيل هى ما يضعونه للنار التى تنزل فتأكل ما تقبل دون ما لم يتقبل وهذا القول أعم
{ثُمّ توَلَّيتم}: جار على أسلوب الالتفات فى قوله لا تعبدون بالمثناة الفوقية، وأما قراءة لا يعبدون بالتحتية ففى توليتم عليها التفات بالنظر إلى قوله بنى إسرائيل الغيبة إلى الخطاب، ويجوز أن يكون الخطاب فى توليتم لمن فى عهد سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودخل فيه من قبلهم تغليباً للحاضر على الغائب ومعنى توليتم أعرضتم عما أخذ منكم من الميثاق، فصرتم تعبدون غير الله، ولا تحسنون بالوالدين ولا بذى القربى والمساكين واليتامى، ولا تقولون للناس حسنا، ولا تقيمون الصلاة ولا تؤتون الزكاة، وروى عن ابن عباس أن الخطاب لمن فى عصره ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسند إليهم تولى أسلافهم لأنهم كلهم بتلك السبيل.
{إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُم}: لم يتول وهم من عمل بما فى التوراة قبل بعثته ـ صلى الله عليه وسلم، وبما لم ينسخ منها بعد البعثة وآمن به صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، والاستثناء من التاء فالعلة فى عدد الأشخاص، ويضعف أن يكون الاستثناء من التولى، أى توليتكم كل تول إلا توليا قليلا فإنهم لم يتولوه، وذلك بأن فعلوا بعض ما أمروا به دون بعض فيكون استثناء فى الإيجاب من محذوف، وهو قليل، وأجاز بعضهم القياس عليه. ورويت رواية ضعيفة برفع قليل، فيكون قليل بدلا من التاء، وإنما جاز ذلك مع أن الكلام تام موجب، لأن التولى بمعنى النفى، لأن معناه الترك وعدم الفعل وذلك نفى، وهو كما استثنى فى التفريع من الإيجاب لتضمنه النفى فى قوله:

تغير إلا النوى والوتد

لأن تغير بمعنى لم يبق فيبطل اعتراض الصفاقصى إذا اعترض على رفع قليل، وعلى تأويل التولى، بقولك لم يوفوا بالميثاق بأنه مثل قولك قام القوم إلا زيد على تأويل لم يجلسوا، ووجه البطلان إن توليتم موضوع لمفهوم تركتم وانتفيتم، بخلاف قام فإنه لم يكن مدلوله لم يجلس بل مدلول له فعل فعلا يسمى قياماً، ولو كان التعبير عنه بلم يجلس جائز، ألا ترى أن قولك لم يجلس حرف وفعل فكيف يفسر فعل بحروف وفعل.
{وَأَنْتُم مُّعرِضُون}: هذه الجملة حال مؤكدة لقوله: {توليتم}، ويجوز أن يكون المعنى وأنتم أيها الذين فى عهد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ معرضون عن الحق كآبائكم، على أن الخطاب قبل هذه الجملة لمن تقدمهم وأن يكون المعنى وأنتم قوم من شأنكم الإعراض عن الوفاء بالميثاق، أو عن الطاعة، سواء جعلنا هذه الجملة خطاباً للذين فى عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو لمن قبلهم أو للكل، فالجملة على هذه الأوجه مستأنفة أو حال مؤسسة، والإعراض عن الشئ عبارة عن تركه، وأصله الذهاب عن المواجهة إلى جهة الإعراض.