التفاسير

< >
عرض

فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ
٤٤
-طه

هميان الزاد إلى دار المعاد

{فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} قال ابن هشام: قولا له: هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى. وإنما كان ليناً لأنه استفهام ومشورة وفيه تعرض بالفوز العظيم وتليين الكلام مجلبة عظيمة قال صلى الله عليه وسلم: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها" .
وعن سهل فى القول اللين: أنه إذا دخل عليه قال: يا أبا مصعب قل: لا إله إلا الله وأنى رسول الله.
وقيل: القول اللين: التكنية قبل دعائه مثل يا أبا مصعب أو يا أبا العباس أو يا أبا مرة أو يا أبا الوليد فله أربع كنى لا ثلاث كما قال جار الله. ولكن العدد لا يفيد الحصر.
وقيل: القول الليِّن: أن يقولا: إن لك على قبول الإيمان شبابا لا يهرم ومُلكا لا يُنزع منك إلا بالموت وبقاء لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الممات والجنة بعد الموت. فقالا له ذلك فأعجبه. وكان لا يقطع أمرا دون هامان.
ولما جاء هامان قال: أردت أن أقبل منه ما قال لى وهو كذا وكذا.
فقال له هامان: ليس ذلك عقلا ورأيا أنت رب تريد أن تكون مربوبا وأنت تُعبد تريد أن تَعبد، فغلبه على رأيه.
وإنما أمرا بالتليين للمداراة لئلا يسطو، والمرفق والاستجلاب.
وقيل: لما له من حق التربية فى موسى كحق الأب. والظاهر أن التليين إنما هو لذلك كله.
وعن ابن العربى من علماء الأندلس: وفى الآية دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باللين لمن معه القوة.
وفى الإسرائيليات أن موسى أقام بباب فرعون سنة لا يجد من يبلّغ كلامه حتى لقيه حين خرج فجرى له ما قص الله علينا من خبره وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين فى سيرتهم مع الظالمين. انتهى.
ولا يخفى على المنصف من كان ينتهى بلا تغليظ يلين له وإن كان لا ينتهى إلا به غلظ عليه إن قدر عليه وإلا ليّن له كسراً لتسكيته ومن لا يعرف حاله ليَّن له. وقد يجب التليين لمحقٍّ كحق الأبوة والتربية.
{لَعلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} يتعظ أو يخاف فيسلم؛ فإنه إن خاف أن الأمر كما تقولان أسلم إن شاء الله.
والترجى مصروف إلى موسى وهارون، أى اذهبا على رجائكما أو قولا قولا ليِّنا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرةَ من يرجو أن يجد ما يريد فصار يجتهد فى أسباب وجوده.
ويحتمل "لعل" التعليل، وهو مصروف أيضاً لموسى وهارون؛ لأنه سبحانه قد علم أنه لا يؤمن ولكنه أرسلهما قطعا لعذره وإظهاراً للآيات الواقعة فى ذلك وكل من الترجى والتعليل - كما علمت مما ذكر - عائد إلى قوله:
{ اذهبا } أو قوله { قُولا } }. قال القاضى: التذكر للتحقق والخشية للتوهم ولذلك قدم الأول أى إن لم يتحقق عنده صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهم به فيخشى.
قال يحيى بن معاذ الرازى - لما تليت عنده الآية وبكى - إلهى هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول: أنت الله؟!