التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١١
-النور

هميان الزاد إلى دار المعاد

{إِنَّ الَّذِيَنَ جَاءُوا بِالإِفكِ} بالكذب العظيم وهو البهتان لا يشعر به احد حتى يفاجئه.
وعن بعضهم الافك ابلغ ما يكون من الكذب واصل الافك القلب لانه قول مقلوب مأفوك اي مصروف عن وجهه والمراد ما بهتت به عائشة رضي الله عنها في غزوة (المريسيع) وهي غزوة بني المصطلق * {عُصْبَةٌ} جماعة خبر لان * {مِّنكُمْ} خبر ثان أو نعت عصبة والمراد من المولد حسان بن ثابت وعبدالله بن أبي ومصطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبدالله وزيد بن رفاعة.
وان قلت عبدالله رأس المنافقين فكيف يكون منهم قلت كان يظهر الاسلام والكون حيث كان المؤمنون فاخبر الله سبحانه بظاهره وهو عالم بنفاقه أو غلب عليه غيره فان من ذكر كلهم موحدون الا اياه فأسر الشرك والعصبة عند بعضهم الجماعة من العشرة إلى الاربعين وهم من ذكر ومن ساعدهم وكانت عائشة رضي الله عنها تستحق الثناء والمدح بما كانت عليه من الحصانة والشرف والعقل والعلم والديانة فمن رماها بسوء فقد قلب الحق بالباطل
. "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَراد غزوة اقرع بين نسائه رضي الله عنهن ولما اراد غزوة المريسع فخرج سهم عائشة رضي الله عنها قالت فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فكنت احمل على هودج وانزل فيه حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته فرجعنا حتى دنونا من المدينة اذن بالرحيل ليلة فقمت وجاوزت الجيش فلما قضيت شأني اقبلت إلى رحلي فالتمست صدري فاذا عقد لي بكسر العين واسكان القاف من جزع ظفار والجزع الخرز اليماني وظفار لقطام وحذام مدينة باليمن لحمير والمراد عقد قلادة وروي اظفار وهو جنس من الطيب لا واحد له.
وقيل واحده ظفر قد انقطع فرجعت التمسه وحبسني ابتغاءه فاقبل الرهط الذين يرحلونني فاحتملوا هودجي وهو ما تكون فيه المرأة على بعيري يحسبونني فيه وكانت النساء خفافا انما ياكلن العلقة من الطعام بضم العين واسكان اللام اي القليل منه فلم يستنكروا خفة الهودج وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما ساروا فجئت منازلهم ولا داعي ولا مجيب فيها فجلست في المنزل الذي كنت فيه وظننت ان القوم سيفقدونني فيرجعون إلي فغلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه قد عرس بتشديد الراء من وراء الجيش اي نزل آخر الليل ليستريح فادلج بتشديد الدال اي سار آخره فاصبح في منزلي فرأى سواد انسان نائم اي شخصه فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاسترجع اي قال إنا لله وانا إليه راجعون فاستيقظت باسترجاعه فخمرت وجهي بجلبابي أي غطيته بازاري والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه فهوى فاناخ راحلته فوطئي على يديها وولى عني ظهره فركبتها فانطلق يقود بي الرحلة حتى اتينا الجيش بعدما نزلوا موعرين في نحر الظهيرة اوعر فهو موعر نزل في مكان وعر أو صار فيه مطلقا ونحر الظهيرة شدة الحر فهلك من هلك في شأني"
هذه رواية للبخاري ومسلم.
وروي
"حتى اتينا الجيش بعدما نزلوا بعد سير وقدمت المدينة ومرضت شهرا والناس يفيضون في الإِفك وانا لا اشعر بشيء ورابني في وجعي أَني لا أَرى منه صلى الله عليه وسلم اللطف الذي أَرى منه حين اتوجع رابني شيء اوقعني في شك واللطف لين الكلام انما يدخل ويسلم ثم يقول كيف تيكم؟ وتي اسم اشارة لحقها الكاف والميم ثم ينصرف فذلك الذي يريبني ولا اشعر بشر حتى اقمت من مرضي فخرجت انا وام مصطح قبل المناصع إلى جهة المكان الواسع الخالي للبول والغائط وكنا لا نخرج الا ليلا وذلك قبل ان تتخذ الكنف قريبا منا وامرنا من العرب الاول في التبرز قبل الغائط وكنا نتأذى بالكنف ان تتخذ في البيت وقضينا حاجتنا فرجعنا فعثرت ام مسطح في ثوبها وهي بنت ابي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وامها بنت صخر بن عامر خالة ابي بكر الصديق وابنها مسطح بن اثاثة بن عباد بن المطلب فقالت تعس مسطح اي سقط بوجهه فقلت لها بئس ما قلت اتسبين رجلا شهد بدرا فقالت: يا هنتاه اي بالهاء نسبتها لقلة المعرفة الم تسمعي ما قال: قلت: وما قال؟ فاخبرتني بقول أَهل الإِفك فازددت مرضا إلى مرضي ولما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: كيف تيكم؟ فقلت له اتاذن لي ان آتي ابويّ وانا اريد ان استيقن الخبر من قبلهما فاذن لي فقلت لامي: يامتاه ماذا يتحدث الناس بي؟ فقالت: يا بنتي هوني على نفسك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة الوجه عند رجل يحبها ولها ضرائر الا اكثرن عليها فقلت: سبحان الله.
ولقد تحدث الناس بها فبكيت الليلة إلى الصبح لا يرقي لي دمع اي لا ينقطع ولا اكتحل بنوم اي لا يدخل النوم عيني ثم اصبحت ابكي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب واسامة بن زيد يستشيرهما في فراقي فاما اسامة فقال: هي اهلك يا رسول الله والله لا نعلم الا خيرا واما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية نصدقك فدعا صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: اي يا بريرة هل رأيت فيها ما يريبك قالت: لا والذي بعثك بالحق ما رأيت منها امرا اغمصه أَي أَعيبه عليها أَكثر من أَنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أَهلها فياتي الداجن اي الشاة التي تألف البيت وتقيم فيه فيأكله فقام صلى الله عليه وسلم وقال في يومه: من يعذرني من رجل بلغ أَذاه في أَهلي يعني الذي تولى كبر الإِفك عبدالله بن ابيّ وفي رواية بلغ (اذاه في أهل بيتي) اي من يقوم بعذري ان كافأته على سوء صنيعه (فوالله ما علمت على أَهلي إِلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا يعني صفوان وما كان يدخل على أهلي إِلا معي) فقال سعد بن معاذ احد بني عبد الاشهل فقال: انا يا رسول الله أَعذرك منه إِن كان من الاوس ضربنا عنقه وان كان من إِخواننا من الخزرج أَمرتنا ففعلنا فيه أَمرك فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج وام حسان بنت عمه من فخذه اي قبيلته وهو رجل صالح لكن صدر منه ما لا يخلو منه سائر البشر وتاب واستغفر فقال كذبت لعمري والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فهذا ما صدر منه فقال سيد ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة كذبت والله لنقتله فانك منافق تجادل عن المنافقين فهم الأَوس والخزرج ان يقتتلوا وتثأوروا اي نهضوا للقتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ولم يزل يخفضهم اي يهونهم ويسكنهم حتى سكتوا وبكيت يومي ذلك لا يرقى لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم ليلتي المقبلة كذلك فاصبح عندي ابواي وقد بكيت ليلتين ويوما حتى اظن ان البكاء فالق كبدي فبينما أَنا أَبكي وابواي عندي استأذنت امرأة من الأَنصار فاذنت لها فجلست تبكي معي فبينما نحن كذلك اذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل الا ذلك اليوم وقد مكث شهرا لم يوح إليه في شأني وتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال اما بعد يا عائشة فانه بلغني عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فسيبرئك الله وان كنت المميت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فان العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه والالمام بذنب الوقوع فيه.
وقيل: هو هنا من اللمم الذي هو من صغار الذنوب كنية الزنى ويرده ان الزنى كبيرة وقيل: مفارقة الذنب من غير فعل ولما قضى كلامه قلص دمعي اي انقطع حتى ما احس قطره فقلت لابي: اجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لا ادري ما اقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لامي كذلك فقالت: كقوله فقلت: وانا حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن اني والله لقد علمت انكم سمعتم ما تحدث به الناس حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فان قلت لكم اني بريئة والله يعلم براءتي فلا تصدقوني وان اعترفت بما لم يكن صدقتموني والله لا اجد لي ولكم مثلا الا كما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} ثم تحولت واضطجعت على فراشي وانا والله اعلم اني بريئة وان الله سيبرئني ولكن والله ما اظن ان ينزل في شأني وحي يتلى وانا احقر ان يكون لي ذلك ولكن رجوت ان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فوالله ما تزحزح عن مجلسه ولا خرج احد من أهل البيت حتى انزل الله عليه فاخذه ما كان يأخذه من البرحاء اي من الشدة حتى انه لينحدر منه مثل الجمان اي الدر من العرق في يوم شات من ثقل الوحي فسرّي عنه وهو يضحك فكان أول كلمة يا عائشة احمد الله.
وفي رواية ابشري يا عائشة اما والله لقد ابرأك الله فقالت لي امي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا اقوم ولا احمد الا الله هو الذي انزل براءتي"
فنزل {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو} الآيات العشر وكان صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن امري فقال يا زينب ما علمت ما رأيت فقالت: يا رسول الله احمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها الا خيرا اي امنعهما من الوقوع في الشر وهي التي تساميني اي تغالبني في السمو من ازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصمهما الله بالورع وهلكت اختها حمنة فيمن هلك وصفوان قال سبحان الله والله ما كشفت من كنف انثى اي سترها قط ثم قتل في سبيل الله وتاب حسان من الافك وكانت تكره ان يسب عندها وتقول انه القائل.

فان ابي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء

ودخل مسروق على عائشة فوجد عندها حسانا يقول ابياتا منها في عائشة:

حصان رزان ما ترون بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

فقالت عائشة لكنك لست كذلك قال مسروق: فقلت لها اتاذنين له ان يدخل عليك وقد قال الله تعالى {وَالَّذِى تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قالت: واي عذاب اشد من العمى وهذا من مسروق نص في ان المتولى لكبره هو حسان والمشهور انه مسطح قالت كان ينافح اي يخاصم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهاجي.
والحصان بالفتح المتعففة والرزان الثابتة والغرثاء الجائعة يقول انها لا تغتاب احدا ممن هو غافل * {لاَ تَحْسَبُوهُ} اي لا تظنون ايها المؤمنون الافك * {شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يأجركم الله به ويظهر براءة عائشة وصفوان والخطاب لمن شاء ذلك من المؤمنين ولا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعائشة وصفوان.
وقيل: عائشة وصفوان عبر عنهما بلفظ الجماعة ومعنى كونه خيرا لهم انهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم لانه كان بلاء مبينا ومحبة ظاهرة.
قيل: وانه نزلت فيه ثماني عشرة آية واحدة مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين رضي الله عنها وتطهير لاهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه اذناه وعدة الطافه للسامعين والتالين إلى يوم القيامة وفوائد دينية واحكام وآداب لا تخفى على متأملها قاله جارالله فإذ قال الله ذلك خير لصفوان وغيره فهو رضي الله عنه في الولاية وجملة لا تحسبوه مستأنفة.
{لِكُلِّ امْرِئٍ} احد * {مِّنْهُم} من العصبة {مَّا اكْتَسْبَ مِنَ الإِثْمِ} الذنب هو كبير لكل منهم على قدر ما خاض في ذلك الافك من القول والتصديق والافشاء وحب ذلك * {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} وقرئ ايضا بضم الكاف اي تولى عظم الافك اي تحمله وبدأ به {مِنْهُمْ} وهو عبدالله بن أبيّ بن أبي سلول (وهاء كبره) للافك وهاء (منهم) بالعصبة {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} عذاب الاخرة وقال مسروق انه حسان وان عائشة قالت ان عذابه العظيم هو العمى.
وقيل: هو مسطح وعذابه العمى ايضا وهما اشاعاه بعد عبدالله.
وروي ان حسان اشل الله يديه ايضا مع العمى والمشهور انه عبدالله وعذابه في الآخرة وكان مشهورا بالنفاق مطرود وهو لعنه الله فمعن في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاز الفرص له ومعظم الشر كان منه.
روي ان صفوان بن المعطل مر بهودجها عليه في ملأ من قومه قال من هذه فقالوا عائشة فقال: والله لا نجت منه ولا نجا منها امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى اصبحت ثم جاء يقودها.
وقيل: الذي تولى كبره مراده به الجنس اي الذين تكلموا فيها بذلك وصدقوه لا البادي فقط وعذابهم حد القذف.
وروي انه صلى الله عليه وسلم بعد نزول براءة عائشة وصفوان جلد الذين رموهما ثمانين ثمانين.