التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ
٣٥
-النور

هميان الزاد إلى دار المعاد

{اللَّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} قال جابر ابن زيد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} فقال: عدل السماوات والارض وهو هادي من في السماوات والارض وكذا قال الحسن وقتادة وعمر ومحمد وأبو مسلم المكي ومجاهد كقوله * {مَثَلُ نُورِهِ} الخ اي مثل عدله وهدايته فانه سبحانه ليس له مثل.
وفي السؤالات وان قال الله جسم فقد اشرك وكذا ان قال لا جسم كالاجسام يعني وكذا ان قال أو عرض فقد اشرك أو عرض لا كالاعراض بل يقال شيء لا كالاشياء قال وكذا ان قال نورا ونور لا كالانوار أو نور النور فقد اشرك يعني ان لم يقصد بالنور ما اريد به في الآية.
وان قال {اللَّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ والأَرْضِ} فذلك توحيد ومعناه عدل السماوات والارض.
وقيل: هادي من فيهما.
وقيل: منورهما اي خالق نورهما {مَثَلُ نُورِهِ} اي مثل هذا.
قال: في شرح الجهالات الا ترى إلى قول {مَثَلُ نُورِهِ} فجعل المثل للنور والله تعالى ليس له مثل وقد قال الله تعالى
{ فلا تضربوا لله الامثال } ونوره هدايته نور السماوات والارض هادي من فيهما وانما لم يجز اطلاق النور على الله سبحانه وتعالى لان النور اما جسم كجرم النار وجرم الشمس واما عرض كشعاعهما الواقع على الاجسام والله لا يوصف بعرض ولا بجسم والنور الذي بمعنى الشعاع كيفية تدركها الباصرة أو لا وتدرك بواسطتها سائر المبصرات.
ثانيا فاطلاق اسم النور (لله) اما لانه كما يهتدى بالنور في الاماكن المظلمة يهتدى بالله سبحانه في ظلمات الجهل كقولهم للرئيس في التدبير نور القوم واما على حذف مضاف اي مولى نور السماوات والارض ونورهما مراد به الكواكب والشمس والقمر وشعاعهما والنار وشعاعها أو نورهما الملائكة والانبياء والشريعة أو جميع ذلك على جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز واما على منور السماوات والارض فانه نورهما بما ذكر وقد قرئ الله منور السماوات والارض واما على ان النور بمعنى العدل الذي هو وصف بل قائم مقام الوصف أو الذي هو مصدر فيقدر مضاف اي ذو عدل السماوات والارض واطلق النور على العدل لان العدل كالنور والجور كالظلمة.
واما على معنى موجد السماوات والارض وانما اطلق النور واريد به الموجد لان النور ظاهر بذاته مظهر لغيره واصل الظهور الوجود كما ان اصل الخفاء العدم والله سبحانه موجود بذاته موجد لغيره.
واما على ان النور هو الذي به تدرك الباصرة أو الذي يدرك به اهلها الاشياء من حيث انه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الادراك عليه ثم اطلق النور على البصيرة لانها اقوى ادراكا فانه يدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات المعدومة والموجودة وتغوص في بواطنها ويتصرف فيها بالتركب والتحليل ثم ان هذه الادراكات ليست لذاتها والا لما فارقتها فهي إذا من سبب يفيضها عليها الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والانبياء عليهم الصلاة والسلام ولذلك سموا انوارا.
ويقرب منه قول ابن عباس: هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون واضافته اليهما للدلالة على سعة اشراقه او لاشتمالهما على الانوار الحسية والعقلية وقصور الادراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما قاله القاضي البيضاوي ولا محذور فيه.
قال العلامة الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن وانما سمى مولانا نفسه نورا لانه هو الضياء المظهر للاشياء فاذا سمى ما يظهره غيره بحسب الادراك نور فلان تسمى ما يظهر تلك الاشياء من حيز العدم إلى الوجود نورا أولى واحرى بل هو النور.
وفي الحديث الرباني
"من عرف نفسه عرف ربه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا وفؤادا فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وما وسعني سمائي ولا ارضي ووسعني قلب عبدي وانا جليس عبدي إذا ذكرني ومن تقرب اليّ شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب اليّ ذراعا تقربت اليه باعا ومن اتاني يمشي اتيته هرولة" .
وقال صلى الله عليه وسلم: "لي وقت لا يسعني فيه غير ربي وأَنا لست كأَحدكم إِنما أَظل عند ربي يطعمني ويسقيني" لورود الارواح الثلاثة على قلبه الروح الامين وروح القدس وروح الامر وكل منها مورد ومصدر.
فمورد الاول الذي هو جبرائيل السلام ظاهر قلبه الشريف ومصدره من سدرة المنتهى ويسمى عالم الملك وعين اليقين.
ومورد الثاني باطن قلبه وهو يلقيه الله سبحانه على جهة الالهام ومصدرهم، عالم العرش ويسمى عالم الملكوت وعين اليقين.
ومورد الثالث السويدا ومصدره من عين القدرة الربانية ويسمى عالم الجبروت وحق اليقين ومن هذا تبين لك معرفة الشريعة والحقيقة والتكوين والتمكين.
فالاولى هي الاقامة بوظائف العبودية بجميع حدودها والمجاهدة الظاهرة في الطريق الموصلة إلى الرب سبحانه على ما اشار اليها بقوله
{ اياك نعبد } } والثانية اقامة مشاهدة الربانية في باطن الطريقة المذكورة فسر هذه في الاولى كسر الزبد في لبنه والكنز في معدنه اذ لا يتأتى الاول بدون المخض ولا الثاني بدون الحفر واليها اشار بقوله { وإِياك نستعين } }. والثالثة عبارة عن انتقال من حال إلى حال وترق من مقام إلى مقام وإلى زيادة ونقصان ووصف من كان في الطريق غير واصل منزله وعليه حالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في بدء امره حيث قال له: اقرأ فقاله له: "ما انا بقارئ ثلاث مرات" فقال له: { إِقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإِنسان من علق } }. وحالة نبينا موسى عليه السلام حين رجع من مناجاة ربه.
والرابعة هو حال من وصل منزله فانه حينئذ آمن مطمئن لاستيلاء سلطان الحقيقة عليه ولم يزل في حضرة جليلة ومشاهدة انيسة كما هو حال مولانا محمد صلى الله عليه وسلم على ما سبقت الاشارة إليه وكذا السيد الخضر عليه السلام لكونه موسوما بالعلم اللدني.
ونظير هاتين قصة زليخة وصحيباتها مع يوسف عليه السلام وله سبحانه بين الاجساد والارواح رابطة ربانية وعلاقة روحانية ولكل منها ارتباط بصاحبه يختص الله به من يشاء من عباده وينزله منازل حبه ويشهده مشاهد قربه ممن اشرفه على جوارحه واستعملها في مصالحة إذ لا يكون ذلك منه الا بلزوم المجاهدة وحسن المراقبة فحينئذ يتأتى له الوصول إلى تلك المشاهدة والجلوس في تلك المقاعد.
وانظر إلى ما قال الله تعالى لنبيه وحبيبه في كتابه
{ ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أَن يبعثك ربك مقاما محمودا } ولا يطمع في الوصول إلى منزل محبوبه من ليس له محصول من طاعة ربه ومن ظن انه يفتح عليه شيء من هذه الطريقة أو يكشف له شيء من هذه الحقيقة من غير لزوم مجاهده ولا معالجة شروط مراقبة فقد غلط وسها وركب متن عمياء وخبط خبط عشواء.
وقيل: نور السماوات والارض مزينهما زين السماوات بالقمرين والنجوم والارض بالانبياء والعلماء والمؤمنين.
وقال العلامة هود: {مَثَلُ نُورِهِ} الذي اعطى المؤمن في قلبه.
وقيل: نور السماوات والارض الذي اصلحها وبه قوام أمورها.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي {الله نَوَّرَ} بفتح النون والواو وتشديدها وفتح الراء وفتح ضاد {الأَرضَ}.
وكذا قرأ عليّ؛ اي نشر فيها الحق أو نور قلوب اهلها أو نورها بالنجوم والقمرين والنار.
{كَمِشْكَاةٍ} كوة غير نافذة في لغة الحبشة والعرب تنطق بها على لغة الحبشة.
وقال ابو موسى الاشعري المشكاة الحديدة أو الرصاصة التي فيها القنديل في جوف الزجاجة والاول اصح * {فِيهَا مِصْبَاحٌ} صفة مشكاة والمصباح في مشكاة اضوأ منه في غيرها.
وعن بعض ان في اضافة النور لضميره عز وجل في قوله {نُورِهِ} دليلا على ان اطلاق النور عليه في {اللّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} ليس على ظاهره وذلك واضح وان المصباح سراج ضخم ثاقب.
وقيل: المشكاة الانبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة {المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} في قنديل من الزجاج * {الزُّجَاجَةُ} وقرئ بفتح الزائين وكسرهما * {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} مضيء يلمح كالزهرة منسوب إلى الدر وهو الاضاءة أو فعيل من الدرء بالهمزة بعد الراء بمعنى الدفع قلبت همزته ياء وادغمت فيها الياء الزائدة وذلك لانه يدفع الظلام بضوئه أو يدافع ضوءه بعضه ببعض من كثرة اللمعان.
وقرأ أبو بكر (الدرء) بالهمزة مع كسرة الراء مشددة وضم الدال وقرأ ابو عمرو والكسائي (درئ) بكسر الدال والراء مع تشديدها وبعدها ياء ساكنة وبعد الياء همزة.
وقرئ (دريء) كسكينة وإذا وقف حمزة سهل الهمزة على اصلها.
وقرئ بتقديم الهمزة ساكنة على الراء.
وقيل: من (در النجم) طلع وارتفع وكأن التشبيه كالكوكب لان الكوكب لا يكسف ولا يخسف كذا قيل.
وقيل: منسوب إلى الدرة وهي اللؤلؤة.
وعن الضحاك؛ الكوكب الدري الزهرة.
قيل: يحتمل ان يكون المعنى ان الزجاجة بالمصباح كذلك أو انها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك * {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} ضمير (يوقد) للمصباح.
وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر (توقد) بالمثناة الفوقية اي (الزجاجة) ويقدر مضاف اي (مصباح الزجاجة) أو اسند اليها الايقاد لانه في مصباح والمصباح فيها.
وقرئ بالمثناة مفتوحة اي تتوقد الزجاجة كالقراءة المذكورة لكن الاسناد في هذه وقوعي وفي تلك ايقاعي.
وقرئ (يوقد) بالتحتية مضمومة وفتح الواو القاف مشددة (ويوقد) بفتح الياء والواو والقاف المشددة والاصل يتوقد حذفت التاء لاجتماع الزيادتين الياء والتاء وهو غريب (ومن) للابتداء اي ابتداء توقد المصباح من شجرة مباركة اي كثيرة النفع بان رؤية فتيلته يزينها وغرقت فيه وتنكير الشجرة تفخيم لشأنها كما ضخمت ايضا بوصفها بالمباركة وبيانها بعد الابهام بقوله.
{زَيْتُونَةٍ} وشجرة الزيتون نبتت في الارض التي بارك فيها للعالمين الارض المقدسة وبارك فيها سبعون نبيا منهم ابراهيم وفي الحديث (عليكم بالزيت فانه مصحة من الباسور) كلوا وادهنوا ويسرج به ويدهن وهو ادام واصفى الادهان واضوأها وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان.
وعن بعضهم: المراد بالزجاجة والزيتونة زجاج الشام وزيتونه لانهما اجود واصفى.
{لاَ شَرْقَيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} نعتان لزيتونة عطف ثانيهما على اولهما والمراد انها غير الذي تقع عليها الشمس وقتاً دون وقت مثل ان تقع عليها وقت شروقها فقط أو وقت غروبها فقط بل هي شرقية غربية معا تقع عليها طول النهار فان ثمرتها انضج واصفى.
وقيل: المعنى لا في موضع تقع الشمس عليها دائما فتحرقها ولا في موضع تغيب عنها دائما فتتركها نيا وفي الحديث
"لا خير في شجرة ولا نبات في مقناة" وهي المكان الذي لا تطلع عيله الشمس ولا خير فيهما في مضحى اي في موضع يشتد فيه الحر.
وقيل: المعنى انها لا في شرقي المعمور ولا في غربه بل في وسطه وهو الشام فان زيتونه اجود.
وقيل: لا نصرانية يصلون إلى المشرق ولا يهودية يصلون إلى المغرب وهو بيت المقدس.
وقيل: ليست من شجر الدنيا والا كانت شرقية أو غربية وانما هو مثل وهو الحسنة * {يَكَادُ زَيْتُهَا}
وقرأ السوسي: بابدال الدال زايا وادغامها بعد تسكينها في الزاي بعدها * {يُضِيءُ} لذاته * {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ} وقرئ بالتحتية * {نَارٌ} لشدة لمعانه وصفائه {نُورٌ} اي ذلك النور * {عَلَى نُورٍ} اي نور متضاعف تناصر في المشكاة والزجاج والمصباح والزيت حتى لم يبق مما يقوي النور ويزيده اشراقا بقيته فان المصباح في مشكاة تجتمع فيها ضوؤه بخلاف غيرها فان الضوء يتفرق فيه وصفاء الزيت وجودته مما يزيد الضوء وكذا الزجاجة الصفية يتدافع فيها النور.
{يَهْدِ اللَّهُ لِنُورِهِ} قال ابن عباس دين الاسلام وهو نور البصيرة * {مَن يَشَآءُ} وهو الذي تدبر بعين قلبه وانصف من نفسه ومن لم يتدبر فكالاعمى الذي سواء عليه جنح الليل الدامس وصحوة النهار الشامس.
قال الشيخ هود -رحمه الله -: ذلك مثل قلب المؤمن يكاد يعرف الحق قبل ان يتبين له لما يذهب إليه قلبه من موافقته الحق وإذا تبين له صار نور على نور كنور الزجاجة ونور الزيت ونور النار وفي شرح الجهالات مثل المصباح الذي هو نور وضياء بالهدى والايمان الذي في القلب.
وفي عبارته قلب لان المراد تشبيه الهدى والايمان في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة وذكر الزجاجة زيادة في الاشراق ثم ذكر الزيت الذي يستمد منه المصباح مثل ما يمد الله به قلب المؤمن من البيان والدلائل والشواهد التي لا غاية لها.
وقيل: ذلك مثل نور المؤمن كما قرأ ابي بن كعب مثل نور المؤمن وابن مسعود مثل نور القلب.
وعن أُبيّ مثل نور من آمن به وهذا صفة تفسير لقراءة غيره وذلك بان شبه صدره بالمشكاة وشبه قلبه في صدره بالزجاجة في المشكاة وشبه معرفته بربه بالمصباح في الزجاجة وشبه قلبه بالكوكب الدري وشبه امداد تلك المعرفة بالزيت الصافي المذكور وقد مد ذلك السراج بالاشتعال شيئا فشيئا تدريجيا.
وعن ابي بن كعب: المشكاة المؤمن والزجاجة قلبه والمصباح ما فيه من الايمان والقرآن والشجرة الاخلاص فهو كشجرة خضراء ناعمة نضرة لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت لا يصيبه شيء من الفتن ان اعطى شكر وان ابتلى صبر وان حكم عدل وان قال صدق ويكاد يعرف الحق قبل ان يتبين له قوله نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة
وعن ابن عباس يكاد زيته إلى اخره يعمل بالهدى قبل ان يأتيه العلم فاذا اتاه ازداد هدى على هدى.
وقال الكلبي: نور على نور ايمان المؤمن وعمله وقيل نور الايمان ونور القرآن وقيل: المصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المعرفة يضيء نورها في قلبه بلا نار وقيل: يكاد حجة القرآن يتضح وان يقرأ وهو نور انزله الله على نور اقامه الله قبل نزول القرآن من الدلائل والاعلام وقيل المشكاة بشرية المؤمن والمصباح التوحيد والزجاجة القلب شبه المشكاة بالبشرية لما بينهما من اشتراك في الظلمة نزول منها بالمصباح ومن الانسان بالتوحيد والقلب الطف كالزجاجة فشفافتها يطرح اشعة النور على ما يحاديها من الاجرام وشفافة القلب تعبر عنه اشعة انوار التوحيد إلى الجوارح.
كما قال صلى الله عليه وسلم: في مصل يعبث بلحيته لو خشع قلبه لخشعت جوارحه وقيل: هو مثل لنور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شبه عبد المطلب بالمشكاة لصيانتها وابنه الذي هو اعز اولاده عليه وهو عبدالله بالزجاجة لصفائها وصونه والنبي بالمصباح لانارته التي كانت في الاصل فيهما والشجرة ابراهيم عليه السلام لكون اكثر الانبياء منه وهو لا شرقي اي نصراني ولا غربي اي يهودي ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا.
وقال كعب: المشكاة صدره صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح النبوة والشجرة شجر النبوة يكاد نوره يتبين قبل ان يأتيكم به.
وعن ابن عمر المشكاة جوفه صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح النور الذي فيه ولا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني والشجرة المباركة ابراهيم ونور على نور قلبه وقلب ابراهيم.
وقال محمد بن كعب القرطي: المشكاة ابراهيم والزجاجة اسماعيل والمصباح محمد عليهم الصلاة والسلام فهو نبي من نسل نبي.
وعن كعب: هو صلى الله عليه وسلم المشكاة أو هي صدره والنبوة وما يتصل بها من علمه وهديه المصباح وقلبه الزجاجة والوحي الشجرة والحجج والبراهين الزيت.
وعن ابي بن كعب: المشكاة صدر المؤمن والمصباح الايمان والعلم والزجاجة قلبه والشجرة القرآن وزيتها الحجج والحكم التي تضمنها فهو على احسن حال يمشي في الناس كالحي يمشي في قبور الاموات وانما كان التشبيه بالمشكاة في القول بان ذلك تمثيل المهدي لاشتمالها على المصباح والهدى محفوف بظلمه اوهام الناس وتشبيهه بها اوفق من تشبيهه بالشمس وقيل ذلك تمثيل ما منح الله عباده من القوى المدركة الخمس التي ناط بها المعاش والمعاد فالمشكاة القوة الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس لان محلها كالكوة ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها واضاءتها بالمعقولات لا بالذات والزجاجة القوة الخيالية وهي التي تحفظ صورة تلك المحسوسات بتعرضها على القوة العقلية متى شاءت كما ان الزجاجة تقبل صور المدركات من الجوانب والقوة الخيالية تضبط الانوار العقلية وتستنير بما تشتمل عليه من المعقولات كالزجاجة تستنير هي وما يحاذيها بالضوء والمصباح القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية وذلك انها مستنيرة بالادراكات الكلية والمعارف الالهية والشجرة القوة المفكرة وهي التي تؤلف المعقولات ليستنتج منها علم ما لم يعلم وذلك انها كالزيتونة المنتجة باثمار لا نهاية لها الا إلى غاية وزيتها مادة المصباح مجرد عما يوسخ وتلك القوة لها ثمرات لا نهاية لها مجزة عن اللواحق الجسمية واقعة بين الصور والمعاني منصرفة في النوعين منتفعة منهما والزيت القوة القدسية وهي التي تتجلى فيها لوائح الغيب واسرار الملكوت المختصة بالانبياء والاولياء وهي صافية كالزيت وشديدة الذكاء حتى اضاءت بالمعارف بلا تفكر ولا تعليم اعني انها تترتب تلك المعارف على ما سبقها من التعليم.
قال القاضي: وذلك تمثيل للقوة العقلية فانها في بدء امرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة ثم تستنير بالعلوم الضرورية بتوسط احساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للنور وذلك التمكن ان كان بتفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وان كان بالحدس فكالزيت وان كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضئ لانها بالكاد تعلم وان لم تتصل بالوحي والالهام الذي مثله النار من حيث ان العقول تشتعل عنها ثم اذا حصلت لها العلوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح فاذا استحضرها كان نور على نور.
فصل قيل تضمنت هذه الآية الله نور الخ مائة نوع من البديع وقالوا من كتبها إلي بغير حساب في رق غزال بمداد من دواه من له حظوة في العلم وسعادة ثم يطويه قبل صلاة عصر الجمعة مستقبلا صائما للجمعة والخميس قبلها وانما يكتب ذلك بعد قراءة يس مستقبلا متطهرا فاذا صلى العصر قرأ الكهف والكتاب في يده ثم يطويه ويحمله عليه كان مقبولا محبوبا مرزوقا متفرسا بالفراسة الحسنة تكون في قلبه كنور رشيد الصواب وجهيا سعيدا ويقال على العينين الرمداءين في كل صبيحة ثلاث مرات بسم الله الرحمن الرحيم دخل الرمد بسلامة ويخرج بها وانكفت الدمعة وانجلت الحمرة بالف الف لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم الله نور السماوات والارض إلى نور على نور يذهب باذن الله.
{وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} ايضا للمعقول حتى يقرب من المحسوس * {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ} محسوس أو معقول ظاهر أو خفي * {عَلِيمٌ} فيه وعد ووعيد.