التفاسير

< >
عرض

وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٩
-النور

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبُ اللَّهِ} غضب بكسر الضاد فعل دعاء على صورة الماضي والله فاعل والجملة خبر ان المخففة واسمها ضمير الشأن محذوفا وقرأ غير نافع بفتح الضاد وضم الباء وخفض الله فيكون غضب مبتدأ وقوله {عَلَيْهَآ} خبره والجملة خبر لان وقرأ بعض السبعة بتشديد النون ونصب الغضب مع فتح الضاد وجر الله والمصدر من خبر ان في الموضعين خبر الخامسة في الموضعين ويجوز عطف الخامسة في الموضع الثاني على ان تشهد وما بعدها بدل منها أو خبر لمحذوف ونصبها حفص عطفا على (اربع).
{إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فيما رماها به اي تقول في الخامسة اشهد بالله ان غضب الله علي ان كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى.
فاذا تلاعنا كذلك سقط الحد عنهما وحصلت الفرقة بينهما بنفس اللعان ولا يجتمعان ابدا قال صلى الله عليه وسلم
"المتلاعنان لا يجتمعان ابدا" هذا مذهبنا ومذهب الشافعية والمالكية وزفر والحسن بن زياد وابي يوسف.
قال ابو حنيفة: ان الفرقة تحصل بتفريق الحاكم وانها فرقة طلاق بائنة وعليه بعض المالكية وكذلك محمد صاحب ابي حنيفة.
قالوا: إذا كذب الرجل نفسه بعد فحد جاز ان يجدد نكاحها ولا فرقة اصلا عند عثمان السبتي والاكثر على الاول وينفي عنه الولد ولو لمك يتعرضا له في اللعان.
وقيل: لا يحكم بنفيه عنه حتى يتعرضا له وينسب لامه وإذا كذب الزوج نفسه حد ولحقه الولد وحرمت كما لو لم يكذب نفسه وذلك إذا كذب بعد الحد وان لم يأت بكلمات اللعان كلها لم يتعلق به حكم.
وقال أبو حنيفة: إذا اتى بالاكثر فكأنه اتى بالكل وان لم يرتفعا إلى الامام فقيل لهما ان يقيما.
وقيل: ان لم ير الزنى بعينيه وكذلك ان ارتفعا ولم يتلاعنا أو لم يتم لعانه فلا يحكم عليهما بالتفريق وإذا اتمه فلا يجمع معها ولو لم تتم هي وإذا كذب نفسه وقد بقي من الملاعنة شيء حد ولا يجتمعان عند ابي عبيدة وعامة فقهائنا.
وقال ابن عبدالعزيز: يجلد حد القاذف وهي امرأة وعامة الناس على هذا والولد في قولهم جميعا.
قال الشيخ هود: وإذا كذب نفسه بعد اللعان جلد ولا يجتمعان ويلحق الولد بها.
وقيل: به وهو قول العامة وتصح الملاعنة ولو قبل المسيس ولا يلاعن امرأته اليهودية ولا النصرانية ولا الامة ولا السرية وكذا ان كان الزوج عبدا والمرأة حرة أو امة.
قال الزهري والاوزاعي واصحاب الرأي: لا يجري اللعان الا بين مسلمين حرين غير محدودين وذلك ظاهر الشيخ هود والصحيح اجراء اللعان في ذلك كله وهو قول الاكثر وسعيد بن مسيب وسليمان بن يسار والحسن الربيع ومالك والثوري والشافعي.
وان انكر الرجل ولده من اليهودية والنصرانية لزمه الولد.
وقيل: لا وان انكره من الامة بعد اقراره به مرة لزمه وان قذف الرجل امرأة وهي في عدة طلاق يملك رجعتها تلاعنا ما كانت في العدة كما انها في العدة كما انها ان ماتت في العدة أو مات توارثا وكما انه اردفها طلاقا في العدة بلا مراجعة لحقها وكذا ان ظاهر منها في العدة ولا لعان في الكتمان خلافا لبعض الا بصريح الزنى.
قال الشافعي: يشهد الرجل الشهادات الخمس والمرأة قاعدة فاذا قضى شهدت قائمة والرجل قاعد ويأمر الامام من يضع على فم الرجل عند ارادته الخامسة ويقول اني اخاف ان لم تكن صادقا ان تبوء بلعنة الله.
واللعان بمكة بين المقام والبيت وبالمدينة على المنبر وبيت المقدس في مسجده ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا الا في المسجد الحرام والمسلمون في مساجدنا وانما يصح اللعان عند الامام أو الحاكم أو نائبه ويكون في المسجد الجامع عند منبره واستحب بعض ان يكون بعد العصر واوجبه بعض ويستحب حضور اربعة فاكثر ولو تلاعنا عند الحاكم وحده لجاز.
واجاز بعضهم التلاعن في كل موضع يجوز فيه ذكر الله مسجدا أو غيره واستحب ان يكون في نشر من الارض إذا لاعن نزل وتصعد هي فتلاعن ولا لعان بين غير بالغير ولا بين بالغ وغيره وان اقام الزوج البينة بعد اللعان حدت وإذا امتنعت المرأة من اللعان حبست حتى تلاعن.
وقيل: إذا امتنعت رجمت ان احصنت وجلدت ان لم تحصن والمستحب في الفاظ اللعان ان ترتب كترتيب القرآن كما رأيت وان اتيا بما في معنى ذلك جاز ولا بد ان تكون خامسة الرجل لعنة وخامسة المرأة الغضب كما في الآية.
وان لاعنت المرأة قبل الرجل فعاده بعده على الصحيح وإذا كان الولد أو الجنين قال في شهادته ان هذا الولد أو الجنين ليس مني وتكذبه في شهادتها ولا يلزم تلقين الامام أو الحاكم أو نحوهما.
وقيل: يلزم فلو اتى احدهما بكلمة من كلمات اللعان من غير تلقين لم تحسب.
وجعل الله اللعان حجة للرجل إذ لا يمكنه الصبر على العار واعلم انه وقع اللعان لجماعة من الصحابة كهلال بن امية رمى زوجته بشريك والمشهور انه سبب نزول الآية وكعويمر العجلاني.
وجعلت اللعنة للرجل لافترائه وابهاته فابعد باللعنة وجعل الغضب للمرأة وهو اشد لانها تباشر وتكذب وتبهت بالقول وقل ما يقذفها الرجل كاذبا.
روي
"إِنه لما نزلت آية القذف تلاها صلى الله عليه وسلم على المنبر فقام عاصم بن عدي الانصاري فقال جعلني الله فداءك ان وجد رجل مع امرأته رجلا فاخبر جلد ثمانين وردت شهادته ابدا وفسق وإِن ضربه بالسيف قتل وإِن سكت سكت على غيظ إلى أَن يجيىء بأَربعة شهداء أو قضى الرجل حاجته ومضى اللهم افتح ثم خرج فاستقبله هلال بن امية فقال: ما وراءك قال: شر وجدت على بطن امرأتي خولة وهي بنت عاصم شريك ابن سمحاء فقال: هذا والله سؤال ما اسرع ما ابتليت به فرجع فاخبر عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم خولة فقالت: لا ادري الغيرة ادركته ام بخلا على الطعام وكان شريك نزيلهم وقال هلال: لقد رأيته على بطنها فنزلت آية اللعان فلاعن بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عنه قوله صلى الله عليه وسلم (أَن لعنة الله علي) وقولها: (ان غضب الله علي) آمين.
وقال القوم: آمين وقال لها: ان كنت المميت بذنب فاعترفي فالرجم اهون عليك من غضب الله ان غضبه هو النار وقال: تحينوا به الولادة. اي ينتظرون زمان الولادة فان جاءت به اصهب بضرب السواد فهو لشريك وان جاءت به اورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به"
.
قال ابن عباس فجاءت باشبه خلق لشريك فقال عليه الصلاة والسلام لولا الاسلام لكان لي ولها شان والاورق الجمل الابيض والخدلج غليظ الساقين ممتلئهما قصير الاصابع وكان ذلك الغلام امير النصر لا يدري من ابوه "أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ينادى (الصلاة جامعة) وصلى العصر وقال لعويمر قم فقام فقال أَشهد بالله أَن خولة لزانية وإِني لمن الصادقين ثم قال قل أَشهد بالله اني رأيت شريكا على بطنها واني لمن الصادقين. ثم قال اشهد بالله أَنها لحبلى من غيري وإِني لمن الصادقين ثم قال أَشهد أَني ما قربتها منذ أَربعة أَشهر وإِني لمن الصادقين ثم قال: لعنة الله على عويمر ان كان من الكاذبين يعني نفسه ثم أَمره بالقعود فقعد ثم قال لخولة: قومي فقامت فقالت أَشهد بالله ما أَنا بزانية وأَن عويمرا لمن الكاذبين ثم قالت: أَشهد بالله ما رأى شريكا على بطني وإِنه لمن الكاذبين ثم قالت أَشهد بالله أَني لحبلى منه وإِنه لمن الكاذبين ثم قالت: أَشهد بالله أَنه ما رأى علي فاحشة قط وانه لمن الكاذبين. ثم قالت: غضب الله على خويلة ان كان من الصادقين تعني نفسها ففرق بينهما وقال لولا هذه الايمان لكان لي في أَمرها رأي" .
وروي عن ابن عباس "أَنه لما نزل{والذين يرمون المحصنات} الآية قال سعد بن عبادة: لو اتيت لكاع يعني امرأته وذلك الاسم ذم لها وقد تفخذها رجل يعني كان بين فخذيها لم اكن لي ان اهيجه حتى آتي باربعة شهداء فوالله لم اك لآتي بهم حتى يقضي حاجته ويذهب وان قلت ما رأيت فان في ظهري لثمانين جلدة فقال صلى الله عليه وسلم يا معشر الانصار الا تسمعون ما يقول سيدكم قالوا لا تلمه انه رجل غيور ما تزوج امرأة قط الا بكرا ولا طلق امرأة واجترأ رجل منا ان يتزوجها فقال سعد: بابي انت وامي والله لا اعرف انها من الله وانها حق ولكن عجبت من ذلك قال صلى الله عليه وسلم فان الله سبحانه يأبى الا ذلك فقال: صدق الله ورسوله قالوا: فلم يلبث الا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقه له فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فامسك حتى اصبح فلما اصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع اصحابه فقال: يا رسول الله اني جئت إلى أهلي عشاء فرأيت مع امرأتي رجلا رأيت بعيني وسمعت باذني وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اتاه به حتى عرف في وجهه ذلك فقال هلال: اني لارى الكراهية في وجهك مما اتيتك به يا رسول الله والله يعلم اني لصادق.
وما قلت الا حقا واني ارجو ان يجعل الله سبحانه فرجا فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه واجتمعت الانصار وقالوا: إبتلينا بما قال سعد يجلد هلال وتبطل شهادته فنزل الوحي فامسك اصحابه عن الكلام حتى فرغ فنزل {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الآيات تخصيصا لعموم آية القذف.
فقال صلى الله عليه وسلم: ابشر يا هلال فان الله تعالى قد جعل لك فرجا فقالت: كنت ارجو ذلك من الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارسلوا إليها فجاءت فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم انكرت فقال صلى الله عليه وسلم: ان الله يعلم ان احدكما كاذب فهل منكما تائب فقال: يا رسول الله قد صدقت وما قلت الا حقا فقال: لاعنوا بينهما. فقيل لهلال: اشهد فشهد بالله انه لمن الصادقين اربع مرات فقال له عند الخامسة يا هلال اتق الله فان عذاب الدنيا اهون من عذاب الآخرة وان عذاب الله اشد من عذاب الناس وان هذه الخامسة هي الموجبة لعذابك فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت اربعا انه من الكاذبين فقال لها: اتق الله فان الخامسة موجبة وان عذاب الله اشد فتوقفت وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا افضح قومي فشهدت ان غضب الله عليها ان كان من الصادقين ففرق بينهما"
.
واعلم ان من زنى فذكر له فانكر وتاب غفر الله له ولا يفضح نفسه.
"وفي رواية عن ابن عباس ان هلال بن امية لما قذفها بشريك قال صلى الله عليه وسلم البينة أو حدّ في ظهرك فقال يا رسول الله: اذا رأى احد رجلا على امرأته ينطلق ويجيء بالبينة؟ فقال: البينة أو حدّ في ظهرك قاله مرارا فقال هلال: والذي بعثك بالحق اني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري فنزلت آية اللعان فقرأها فارسل إليها فشهدا كما مر وقال لهما: ما مر فتوقفت كما مر فقال صلى الله عليه وسلم انظروها فان جاءت به اكحل العينين سابغ الاليتين اي كبيرهما خدلج الساقين فهو لشريك فجاءت به كذلك فقال: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن"
فبعض اخذ بظاهر الحديث وجعله لشريك وهو ضعيف لانها ليست له فراشا.
وبعض قال: انه اراد ان ذلك امارة انه من ماء شريك لا يقين يلحق به وهو ابن امه.
وعن سهل بن سعد الساعدي ان عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي فقال لعاصم ارايت لو ان رجلا وجد مع امرأته رجلا فيقتله فيقتلونه ام كيف يفعل سل لي عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم النبي صلى الله عليه وسلم فكره ذلك وعابه حتى كبر ما سمع منه صلى الله عليه وسلم فتلاعنا فقال انظروا ان جاءت به اسيحم اي اسود ادعج العينين اي شديد سوادهما مع سعتهما فما احسب عويمر الا صادقا فجاءت به كذلك فكان ينسب لامه.
وفي بعض تلك الروايات الحكم في الولد مع عدم ذكر المتلاعنين له في لعانهما.
وعن محمد بن محبوب -رحمه الله - ان جاءت بالولد لاقل من ستة اشهر مذ دخل بها فهو لها أو لستة فله وان نكلا عن اللعان حدا جميعا وعويمر المذكور من أهل عاصم وروي ان عاصم سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما مضت جمعة أو جمعتان حتى ابتلي عويمر بذلك فقال عاصم: يا رسول الله ابتليت بذلك في رجل من أهل بيتي فنزلت.
وعن بعض اصحابنا إذا لم يترافعا إلى الامام وسعهما المقام ولا يخفى في الآية والاحاديث ما فيها من التشديد على المرأة.