التفاسير

< >
عرض

فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١٧٠
-آل عمران

هميان الزاد إلى دار المعاد

{فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}: بما يرزقون من ثمارها وتحفها، ومن التوفيق فى الدنيا للإسلام، والشهادة وفى وصفهم بأنهم يرزقون تأكيد لمعنى الحياة فى قوله {بل أحياء} لأنه إنما يأكل ويشرب ويتلذذ الحى. و{فرحين}: حال من واو {يرزقون}.
{وَيَسْتَبْشِرُونَ}: يفرحون وهو استفعال موافق للمجرد، فهو بمعنى بشر - بكسر الشين - أى فرح أو للمبالغة، أى يكثر فرحهم، أو يعظم، أو مطاوع لأبشر، أى: بشرهم الله، أى سرهم الله وبشرهم فاستبشروا، وجملة {يستبشرون} معطوفة على {يرزقون}، أو على فرحين ولو كان {فرحين} اسما، لأن {يستبشرون} بمعنى مستبشرين، أى فرحين ومستبشرين، كقوله تعالى
{ صافات ويقبضن } أو هى خبر لمحذوف، أى: وهم يستبشرون، والمجموع حال من ضمير فى فرحين، أو من هاء آتاهم، لا من ما، أو عائدها المحذوف، كما قيل أو المجموع معطوف على أحياء فى قوله {بل أحياء}.
{بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِمْ}: بإخوانهم المسلمين الذين عرفوهم فى الدنيا، ولم يلحقوا بهم بالموت، أو القتل، بل هم فى الدنيا، كما قال.
{مِّنْ خَلْفِهِمْ}: أى تأخر زمان موتهم أو قتلهم أو بكل مؤمن بعدهم فى زمانهم، أو بعده عرفوه، أو لم يعرفوه، أو بمن لم يلحق بهم، فى درجاتهم وكان دونهم ممن هو مؤمن، وليس شهيداً، وهذا التفسير هو الذى ظهر لى، ثم رأيته لقتادة وغيره.
{أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: فى الآخرة.
{وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: عما فاتهم من الدنيا لمصيرهم إلى ما هو خير، وأن لا خوف: بدل اشتمال من الذين، أى: يستبشرون بعدم خوف من سيموت، أو يقتل، من المؤمنين وعدم حزنه، فهم يفرحون بما هم فيه، وبما أعد لإخوانهم فى الله من الكرامة على الشهادة وغيرها، وقيل يستبشرون للطلب على الأصل، أى يطلبون البشارة من الله لإخوانهم الذين فارقوهم، على دينهم، بما نالوا من الكرامة، فيبعثهم دعاؤهم على الجهاد والعبادة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما، ينزل على الشهداء صحف مكتوب فيها أسماء من يلحق بهم ممن يستشهدون بعدهم، وفى الآيات الحث على الجهاد. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ضمن الله لمن خرج فى سبيله لا يخرجه إلا جهاد فى سبيلى وإيمان بى، وتصديق برسلى، أن أدخله الجنة إن مات أو أرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه، نائلا، ما نال من أجر وغنيمة، والذى نفس محمد بيده، ما من كَلِم يكلم فى سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين يكلّم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والذى نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعد رجل خلف سرية تغزو فى سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عنى، والذى نفس محمد بيده، لوددت أنى أغزو فى سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل" . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لَغَدْوةٌ فى سبيل الله أو روحةُ خير من الدنيا وما فيها، ولموقف رجل فى الصف أفضل من عبادة ستين سنة" . وعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها" . وعن فضالة بن عبيد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كُلُّ ميت يختتم على عمله إلا المرابط فى سبيل الله لأنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر" أى ينمى له عمله مع أنه لا عمل بعد الموت ولا ترك ما ينمى به ولا يعمل له أحد رباطاً بخلاف من ترك ولداً صالحاً، أو صدقة جارية، أو نحو ذلك مما يزيد بعده، أو عمل له أحد. وعن معاذ بن جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل فى سبيل الله فوق ناقة وجبت له الجنة، ومن يسأل القتل فى سبيل الله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً فى سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجىء يوم القيامة كأغرز ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن جرح فى سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء" . وعن أبى سعيد: "أتى رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال: أى الناس أفضل؟. قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله قال: ثم من؟. قال: رجل فى شعب من الشعاب يعبد الله ويبعد الناس من شره" . وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من احتبس فرساً فى سبيل الله إيماناً واحتساباً وتصديقاً بوعده، فإن شِبَعه وريَّه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة" يعنى حسنات. قال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة" . وفى رواية لما يرى من فضل الشهادة، وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يجد الشهيد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من القرصة" . قال أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشفع الشهيد فى سبعين من أهل بيته" وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غبار فى سبيل الله، ودخان جهنم لا يجتمعان فى جوف عبد أبداً" . وفى رواية: "فى منخرى عبد مسلم ولا يجتمع الشحّ والإيمان فى قلب عبد أبداً" وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابن رواحه فى سرية فوافق ذلك اليوم يوم جمعة فقال: أصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ألحق بأصحابى، وقد غدا أصحابه فلما صلى الجمعة رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك لم تغد مع أصحابك؟ فقال: أحببت أن أصلى معك الجمعة ثم ألحق بأصحابى. فقال: لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم" . وعن سلمان الفارسى رضى الله عنه أنهُ قال: "غاز يرابط ليلة على ساحل البحر خير من رجل صام وقام فى أهله شهراً، ومن مات فى سبيل الله مرابطاً أجاره الله من فتنة القبر، وأمنه الفزع الأكبر وأجرى عمله كل يوم وليلة إلى يوم القيامة، وزيارة قبر المرابط، رباط إلى يوم القيامة" . " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الجهاد أفضل؟. قال: من عقر جواده وإِهراق دمه" ، أى جهاد من عقر. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة الله، وفقير متعفف ذو عيال، وأما أول الثلاثة يدخلون النار: فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدى حق الله من ماله، وفقير فجور" "وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها وبر الوالدين، والجهاد فى سبيل الله" . وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "من أعطى فرساً فى سبيل الله كان له أجر من جاهد فى سبيل الله بماله ونفسه ومن أعطى سيفاً فى سبيل الله جاء يوم القيامة له لسان ينادى أنا سيف فلان لم أزل أجاهد له إلى يوم القيامة، ومن رمى بسهم فى سبيل الله ادخره الله ويربيه له حتى يجىء يوم القيامة على رءوس الخلائق، ومن أعطى ترساً فى سبيل الله جعله الله له جنة يوم القيامة" أى سترة من النار ومن طعن طعنة فى سبيل الله جعلها الله له نوراً يوم القيامة بين يديه وفاح ريح كريح المسك يحدها الخلائق ومن سقى أخاه فى سبيل الله سقاه الله من الرحيق المختوم ومن زار أخاه لله فى سبيل الله كتب الله بكل خطوة حسنة ورفع له بها درجة وحط بها سيئة، ومن حرس ليلة فى سبيل الله أمنه الله من فزع يوم القيامة" قال ابن عباس رضى الله عنهما: اذا كنت فى سرية فى سبيل الله، فكن خلفها تسوق ضعيفها، وتؤمن خائفها يكون لك مثل أجورهم، ولا ينقص من أجورهم شىء. وعن الحسن عن النبى، صلى الله عليه وسلم: "كل عين باكية إلا أربعاً: عين فقئت فى سبيل الله، وعين فاضت من خشية الله، وعين باتت ساهرة من خشية الله، وعين باتت تحرس سرية المسلمين" . وعن النبى صلى الله عليه وسلم: "كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثاً: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين غضت عن محارم الله تعالى، وعين حرست فى سبيل الله تعالى" . قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: السيوف مفاتيح الجنة، وإذا التقى الصفان فى سبيل الله تعالى تزين الحورُ العين واطلعن، وإذا قاتل الرجل قلن: اللهم ثبته، اللهم أعنه، وإذا أدبر احتجبن عنه، وقلن: اللهم اغفر له، فإذا قتل غفر الله له بأول قطرة تخرج من دمه كل ذنب هو له، ونزلت عليه اثنتان من الحور العين تمسحان الغبار عن وجهه، "وجاء رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أنا كما ترى دميم الوجه منتن الرائحة، غير زكى الحسب، فأين أنا إن قاتلت حتى قتلت؟. قال: أنت فى الجنة فأسلم فقال: عندى غنم فكيف أصنع بها؟ قال: وجهها إلى المدينة ثم صح بها فإنها ترجع إلى أهلها ففعل ذلك ثم اقتحم القتال، واقتتلوا فلما تحاجز القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفقدوا إخوانكم ففعلوا، فقالوا: يا رسول الله ذلك الحبشى قتل فى وادى كذا، فقام النبى، صلى الله عليه وسلم فلما أشرف عليه قال: اليوم حسن الله وجهك وزكى حسبك، فبكى فأعرض عنه، فقالوا: رأيناك أعرضت عنه. قال: والذى نفسى بيده لقد رأيت أزواجه من الحور العين يبتدرن حتى بدت خلاخلهن" . ويقال: الغزاة ثلاثة أصناف، صنف منهم يرعى دوابهم، وصنف خادمهم وصنف يباشر القتال، فكلهم فى الأجر سواء وأفضلهم الذى يرعى دوابهم ويقاتل إذا حضر القتال، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعظم القوم أجراً خادمهم" . وعن أنس عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم "ما من عبد يموت وله خير عند الله يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها وإن أعطى الدنيا لما خاف من هول الموت إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى" أى لأنه لا يجد ألم الموت كما مر فى الحديث. قال سعيد بن جبير فى قوله تعالى: { فَصَعِقَ مَنْ فى السَمَاواتِ ومَنْ فِى الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ الله } إنهم الشهداء متقلدين السيوف حول العرش. قال قتادة: فإن الله تعالى أعطى المجاهدين فى سبيل الله ثلاث خصال: من قتل منهم صَارَ حَيَّا مرزوقاً ومَنْ غَلَبَ أعطاه الله أجراً عظيماً، ومن عاش رزقه الله رزقاً حسناً.