التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً
٥٣
إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٥٤
لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
٥٥
-الأحزاب

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} نزلت في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها.
قال انس: قدم النبي المدينة وانا بن عشر سنين وخدمته عشر سنين ومات وكانت امي تحضني على خدمته وكنت اعلم الناس بشأن الحجاب اذ نزل واول ما نزل في حين بنى بها اصبح صلى الله عليه وسلم عروسا بها فدعي القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهط واطالوا المكث فقام ليقوموا فخرج وخرجت معه حتى وصل الى عتبة بيت عائشة وظن انهم خرجوا فرجع ورجعت معه فدخل فاذا هم جلوس فرجع حتى وصل عتبة بيت عائشة ايضا فاذا هم قد خرجوا فضرب بيني وبينه الستر وانزل آية الحجاب واني لفي الحجرة خلف الستر سمعته يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت} الخ وروي انه خرج ولما رجع ظنوا انه يريد الدخول فخرجوا والمصدر من يؤذن منصوب على الاستثناء المنقطع او على الظرفية نيابة عن اسم الزمان اي إلا وقت الاذن لكم وزعم القاضي انه يجوز كونه حالا والمشهور ان المصدر المعبر عنه بالفعل مثلا وحرف المصدر لا يكون حالا وتقدم الكلام في تلك القصة.
وروي:
"أن انسا دعى الناس للطعام شاة وتمر وسويق حتى قال: يا رسول الله ما بقي من ادعوا وكانوا يترادفون افواجا ولما اكلوا قال (ارفعوا طعامكم) وانه انطلق وفي البيت ثلاثة رجال يتحادثون وفيه زينب الى عائشة فسلم عليها (السلام عليكم أهل البيت) فردت عليه بأن قالت وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت اهلك وطاف بنسائه كلهن يسلم ويرددن ودعون له فرجع فاذا هم جلوس فتولى حياء فخرجوا فنزلت الآية الى {لا يستحي من الحق}" وكان عمر يحب الحجاب لدخول البر والفاجر على نساء النبي وكان يحب ان يتخذ من مقام ابراهيم مصلى ولما تغايرت ازواج النبي صلى الله عليه وسلم قال عسى ربه ان اطلق كن ان يبدله ازواجا خيرا منكن فنزل ذلك كله.
قيل: مر عليهن وهن مع النساء في المسجد فقال لئن احتجبتن كان لكن الفضل على النساء كما لزوجكن الفضل على الرجال فقالت زينب: يابن الخطاب انك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا فلم يلبثوا الا يسيرا حتى نزلت وعلى هذا فنزلت بعد التزوج والوليمة وقيل كان صلى الله عليه وسلم يأكل مع بعض اصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة فكره صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت وقيل كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلا للبول والغائط الى المواضع الخالية الواسعة كان يقول يا رسول الله احجب نسائك فلم يكن يحجب فخرجت سودة بنت زمعة عشاء وكانت طويلة فناداها عمر: الا قد عرفناك يا سودة قال ذلك حرصا على الحجاب فنزلت الآية كذلك يقول الجمهور والصحيح كما قال بن عباس انها نزلت في ناس من المسلمين يراقبون وقت طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل ادراكه فينظرونه فيأكلون ولا يخرجون فنزلت نهيا لهم عن الدخول لاجل الطعام ولو يأذن في الدخول حتى يأذن لهم ويدعوهم للطعام واذا لم يدعهم اليه فلا يأتوا اليه يراقبونه وكذا اناس تراقب وقت طعامك فيأتيك ويستأذن فتأذن له وانت كاره او غير كاره ولا يحل له ذلك.
وقيل: كان يحل ذهوب المراقبين المخصوصين الدخول في دار النبي صلى الله عليه وسلم بغير اذن فكانوا يدخلون بغير اذن ويراقبون الطعام وان اراد الجمهور ان ذلك نزل في دخولهم وليمة زينب فأذن في الدخول لكن لم يؤذن لهم الى طعام اي لم يدعو اليه بأن يأتوا فيستأذنوا وهم يريدون الطعام ولم يدعهم انس ولا غيره صح قولهم فالآية نهي عن المجيء للطعام من غير دعاء اليه ثم رأيت القاضي قال: ما قلته من ان النهي عن المجيىء للطعام بلا دعاء اليه ولو اذن في الدخول للجائي، والحمد لله اذ وافقت عالما وما ذلك إلا من الله وقول عائشة رضي الله عنها وجماعة ان سبب نزول آية الحجاب كلام عمر للنبي صلى الله عليه وسلم مارا في ان يحجب نساءه يحتمل قول الجمهور وقول غيرهم.
{إلى طعام} مر لك ما تعرف به ان يؤذن عدي بإلي لتضمينه معنى الدعاء.
{غير ناظرين إناه} غير حال مؤكدة لأنهم لا يدعون الى طعام الا وهو منضج قدرك فذلك زجر لهم عن مجيئهم يقعدون في البيت ينتظرون ادراكه وايضاح الآية هكذا لا تدخلو بيت النبي للطعام ولو استأذنتم فأذن لكم الا ان دعيتم من أول الأمر للطعام فادخلوا توافقوه منضجا وصاحب تلك الحال واو تدخلوا او كاف لكم وأنى الطعام ادركه وقيل وقته اي غير ناظرين وقت أكله والهاء للطعام وقيل الاناء الجفنة والهاء للنبي صلى الله عليه وسلم وامال حمزة والكسائي وهشام الف اناه، وناظرين بمعنى منتظرين وقرأ بن ابي عبلة بجر (غير) وصفا للطعام من الوصف السببي الجاري على ما هو له وهو جائز هنا ولو لم يظهر ضمير ناظرين لعدم اللبس ولو كان مذهب البصريين المنع الا بالابراز ولو ابرز لقيل غير ناظرين انتم إناه.
{ولكن إذا دعيتم فادخلوا} ولو بلا اذن ان خلي البيت لمن يدعى للطعام في الوقت مخصوص وبالاذن لمن دعي وتأخر أو لم يخل البيت لذلك.
{وإذا طعمتم} أكلتم.
{فانتشروا} تفرقوا ولا تمكثوا ومن قال ذلك في قوم مخصوصين كانوا يدخلون بغير اذن في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وينظرون الطعام ويلبثون بعد الأكل قال هذا اللبث بعد الأكل خاص بهم وكذا الدخول الطعام وانتظاره فأبطل الله سبحانه ذلك.
{ولا مستأنسين} مستفعل من الانس بمعنى المؤانسة.
{لحديث} والعطف على ناظرين أي وغير مقدرين للاستئناس بالكلام بعد الأكل بأن تأكلوا وتلبثوا متحدثين يأنس بعضكم بحديث بعض او حين الأكل او قبله او المراد ترتاحون لحديث اهل البيت مع الأكل وبعده او قبله باستماعه او يقدر لا تدخلوها مستأنسين.
{إن ذلكم} المذكور من دخول بيته لانتظار طعامه بلا دعاية او عدم الخروج بعد الأكل او الاستيناف للحديث وكل ذلك.
{كان يؤذي النبي} يضره ولا شيء اثقل ممن يضييق عليك المنزل او عليك وعلى اهلك ويشغلك بما لا يعنيك ولا يعنيه بعد قضاء حاجته اولا حاجة له الا ذاك وعن عائشة مشيرة له الآية: حسبك في الثقلاء ان الله تعالى لم يحتملهم اذ نهى عن ذلك من يفعله في بيت النبي وذكر انه يؤذي النبي وذكر انه لا يستحي من الحق كما يأتي.
{فيستحي منكم} اي فلا يخرجكم لحيائه مع انه يضره ذلك وكان صلى الله عليه وسلم اشد حياء من البكر في خدرها او يقدر مضاف اي من اخراجكم ويدل له قوله.
{والله لا يستحي من الحق} ومن الحق اخراجكم فلا يتركه الله حياء صرح الله بالخروج تأديبا لهم ومن الحكمة تأديب الله خلقه ففي الآية تأديب للثقلاء وقرئ {لا يستحي} بكسر الحاء بعدها ياء واحدة ساكنة نقلت كسرة الأولى للهاء فحذفت للالتقاء الساكنين أو لما التقيا حذفت الثانية.
{وإذا سألتموهن متاعا} اذا سألتم نساءه صلى الله عليه وسلم شيئا ينتفع به ويستمتع به.
{فاسألوهن} اياه.
{من وراء حجاب} ستر ذكر بعض ان سبب نزول {واذا سألتموهن} الخ ذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم امر الحجاب لنسائه مرارا وكان يقول لو اطاع فيكن ما رأتكن عين وتقدم ما يخالف هذا وقيل سبب نزوله ما مر من ملاقاة يد بعض الصحابة ليد عائشة حين الأكل معها ومعه صلى الله عليه وسلم وعن ثوبان وابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ثلاثة لا يحل لأحد أن يفعلهن لا يؤم الرجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإِن فعل ذلك فقد خانهم ولا ينظر في قعر بيت قبل أَن يستأذن فإِن فعل فقد خان ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف" وبعد آية الحجاب لم يكن لاحد ان ينظر الى نسائه صلى الله عليه وسلم ولو من ثقب باب.
{ذلكم} اي السؤال من وراء حجاب او هو وترك الاستئناس لحديث والمكث في البيت.
{أطهر لقلوبكم وقلوبهن} من الخواطر الشيطانية والنفسانية وروي ان طلحة بن عبيدالله قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا الا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن عائشة فأنزل الله تعالى.
{وما كان لكم} أي ما جاز لكم.
{أن تؤذوا رسول الله} في شيء ما ولو في تزوج امرأة من نسائه بعد وفاته وقيل قال ذلك بعض المنافقين وان رسول الله صلى الله عليه وسلم أغير خلق الله والله أغير منه كما اشار الى تحريم ازواجه على غيره بقوله:
{ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} بعد فراقه بالموت او بالطلاق وذلك داخل في عموم {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} ولكن نص عليه وخصه ايضاحا لأن الناس لا يفهمونه كذا ظهر لي ورأيت القاضي بعد ذلك قال ان قوله من بعده معناه (من بعد) موته او فراقه كما ظهر لي ولكن التي تزوجها ولم يدخل بها لموته او طلاقه لا يحرم نكاحها كما مر انه عقد على قتيلة بنت قيس ومات قبل الدخول بها وتزوجها عكرمة بن ابي جهل فاهتم ابوبكر بإحراق بيتها عليها فقال عمر ما هي من امهات المؤمنين ما دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب وما احق ما قاله عمر رضي الله عنه لما ذكره ولكونها لو كانت من امهات المؤمنين لكانت من اهل الجنة فكيف يحرقها ويحرق بيتها وانما عليها التوبة ثم ظهر لي انها لو صح انها منهن وفعلت ذلك لم يمنعها كونها منهن عن الحد فرأى ابوبكر رضي الله عنه حدها احراقا لا رجما كأنه شدد ولكن تبقى على الولاية ولا تموت الا تائبة قطعا ولكن ليست منهن.
وروي ايضا ان الاشعث بن قيس تزوج المستعيذة من النبي صلى الله عليه وسلم وقد مر الخلف في المستعيذة فهم عمر برجمها وذلك في ايامه فأخبر بأنه صلى الله عليه وسلم فارقها قبل ان يمسها فلم يرجمها وتحريم نساء رسول الله صلى الله عليه ولسم تعظيم له حيا وميتا واعلمه بذلك ليخبر الناس ويطيب نفسا فان الغيرة لا يخلو منها نفس الرجل حتى ان من تفرط غيرته على زوجته او غيرها يتمنى لها الموت قبله مخافة ان تتزوج او تزني.
واشتد حب فتى لجارية وتنفس الصعداء وانتحب وعلا نحيبه شغفا ولم يزل به ذلك حتى قتلها مخافة ان تكون تحت يد غيره بعده.
قال جار الله وعن بعض الفقهاء ان الزوج الثاني في هدم الثلاث يجري مجرى العقوبة فصين رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلاحظ ذلك.
{إن ذلك كان عند الله عظيما} أي ان ذلكم المذكور من ايذائه وتزوج نسائه كان عند الله ذنبا عظيما وزاد مبالغة في الوعيد بقوله:
{إن تبدوا} تظهروا.
{شيئا} من نكاحهن.
{أو تخفوه} في صدوركم.
{فإن الله كان بكل شيء عليما} فيجازي به لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والمحارم ونحن ايضا يا رسول الله نكلم من وراء حجاب فنزل.
{لا جناح عليهن} لا إثم عليهن والضمير لنساء النبي صلى الله عليه وسلم.
{في آبائهن} في رواية آبائهن له وتكلمهم من غير حجاب ودخل الأعمام في الآباء وكثيرا ما تسمي العرب العم ابا على ان يكون الآباء في الآية مستعملا في الحقيقة والمجاز والخال بمنزلة الأم وقيل يكره ترك الحجاب عنهما لأنهما يصفان لأبنائهما وهم غير محارم.
{ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن} اراد النساء المسلمات فأخرج المشركات فلا يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فائدة الاضافة وقيل المراد النساء مسلمات او مشركات والاضافة لانهن جنس واحد.
{ولا ما ملكت أيمانهن} من عبيد واماء ولا ما ملكن بعضه وقيل ان عبد المرأة كالأجنبي وان المراد بما ملكت أيمانهن الاماء.
{واتقين الله} بالاجتهاد في الستر والاحتجاب وليكن عملكن بعد الأمر بالاحتجاب افضل من عملكن قبله.
{إن الله كان على كل شيء شهيدا} لا يخفى عنه شيء ولا تتفاوت في علمه الأشياء.