التفاسير

< >
عرض

خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ
٦
-الزمر

هميان الزاد إلى دار المعاد

{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هي آدم* {ثُمَّ جَعَلَ} أي خلق* {مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء وثم هنا استعملت كالواو لمطلق التشريك أو كالفاء لمجرد الترتيب وعلى هذا المراد بالخلق اخراجنا كالذر بل هى المهملة أن تعد ما بين اخراجنا كالذر وخلقها أو أريد بالخلق ارادته وقضاء اي اراد وقضى خلقكم من نفس واحد فان ارادته أزلية بينها وبين خلقها ما لا عدد له وان كانت الارادة ارادة ايجاد متصلة بوقت الايجاد فبمعنى وهى أيضاً للمهملة مراعاة لمعنى واحد اما لانه من جملة المعطوف أو للعطف على واحدة اعتباراً لاشتقاقه كأنه قيل (من نفس توحدت ثم جعل)... الخ أو للترتيب الذكري فقط أو للمهملة والتراخي في المنزلة لا في التراخي في الوجود وذلك أن خلقنا واحداً بعد واحد من الآباء والأمهات عادة مستمرة وخلق حواء من قصيراه فهو أعلى دلالة على الله والقصيرى عظم أسفل الأضرع يلي الشاكة {وَأَنزَلَ} أي قضى وقسم فان قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء لانها مكتوبة في اللوح المحفوظ وقيل خلق وقيل أنزل من السماء ماء وبه يخرج النبات وهي لا تعيش الا بالنبات فكأنه أنزلها والا فالدواب فيما قال مخلوقة من بقية طين آدم وكذا الطير وقيل الكلام على ظاهره وان أصولها خلقت في الجنة ثم أنزلها {لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ} الابل والبقر والغنم وهم ماعز وضأن* {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الذكر زوج والانثى زوج فذلك ثمانية والزوج الواحد المقرون بآخر وكل واحد منهما زوج وغير المقرون فرد لا زوج لعدم ازدواجه مع الآخر واطلاق الزوج على الاثنين كلام العامية أو لغة* {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} الخطاب للناس وفيه بيان كيفية خلق الناس والأنعام اظهاراً لما فيها من عجائب القدرة لكن خصهم بالخطاب لشرفهم ولانهم المقصودون ودليل التخصيص قوله: (أمهاتكم) وقوله: (تصرفون) أي الى الشرك فان الامهات في بني آدم واما الدواب فيقال لها أمات وقيل: يقال في الجميع أمات وأمهات وانه لا فائدة فى خطاب غير العاقل وقد يقال خاطب الجميع ولو كانت الدواب لا يفيد خطابها تغليباً أو خلق الله العقل فيها حين الخطاب ولكن الخطاب في (تصرفون) للناس فقط* {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} خلقكم نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً عارية ثم مكسوة لحماً* {فِى ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}.
قال ابن عباس: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة وعليه مجاهد.
وقيل: ظلمة صلب الأب وظلمة الرحم وظلمة البطن.
وقالت فرقة: ظلمة الصلب وظلمة الرحم وظلمة المشيمة.
ذكر آيات قدرته في خلق السموات والأرض وتكوير الليل على النهار والنهار على الليل واتبع ذلك بذكر خلق الانسان وأعقبه بذكر خلق الحيوان وأعقبه بذكر ما اشترك فيه هؤلاء الحيوانات من الخلق في البطن والظلمات الثلاث وفي ذلك تنبيه على توحيد الخالق الذى لا يستحق العبادة غيره وتوهين لأمر الأصنام كما قال* {ذَالِكُمُ} الذي خلق الأشياء* {اللهُ} خبر* {رَبُّكُمْ} خبر ثان أو بدل وذلك كما يذكر زيد بأمر عظيم فتقول تعظيماً لزيد (ذلك زيد) و (الله) بدل أو بيان وربكم خبر والله مبتدأ ثان قائم مقام الضمير تعظيماً وتربية للمهابة أو الاشارة الى الفعل وبتقدير مضاف أي ذلك الفعل فعل الله ولا يكون الله نعتاً لاسم الاشارة لانه ليس اسم جنس* {لَهُ} لا لغيره* {الْمُلْكُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} لا خالق ولا معبوداً بحق الا هو {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي كيف يعدل بكم ويمال عن عبادته الى عبادة غيره وعن طريق الحق بعد هذا البيان