التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً
١٣٦
-النساء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ}: أى يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وألسنتهم بما يجب الايمان به، دوموا على الايمان بالله ورسوله، والقرآن والكتب الذى أنزلها الله من قبل القرآن، أو ازدادوا ايمانا، فالايمان المأمور به بمعنى الدوام عليه، والازدياد منه، فهو غير المخبر بحصوله، فلا تحصيل حاصل.
والمراد بالكتاب الذى أنزل من قبل كتب الله كلها قبل القرآن، وفى ضمن الايمان بها الايمان بالرسل التى أنزلت عليهم، وسائر الرسل والأنبياء، بل فى ضمن الايمان بالقرآن الايمان بذلك كله، وقيل: الخطاب للمنافقين باضمار الشرك، أى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، آمنوا بالله ورسوله00الخ بألسنتكم وقلوبكم، أو للمنافقين الذين لم يضمروا شركا، أى يا أيها الذين آمنوا ايمانا غير متحقق بالأعمال آمنوا بالله ورسوله00الخ ايمانا محققا بالأعمال.
وعن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال:
"عبد الله بن سلام، وأسد ابن كعب وأخوه أسيد بن كعب، وثعلبة بن قيس، وسلالم ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة بن أخيه، ويامين بن يامين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك، وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله فقالوا: لا نفعل، فنزلت الآية فآمنوا كلهم بذلك كله " .
وقالت فرقة ورجحه الطبرى: الخطاب لأهل الكتاب المشركين الذين آمنوا ببعض، وتركوا بعضا مثل اليهود اذ آمنوا بالتوراة، وموسى عليه السلام، وكفروا بعيسى والانجيل، ومثل النصارى اذ عكسوا ذلك، وكفر الفريقان بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عنهم: { نؤمن ببعض ونكفر ببعض } الآية، أى يا أيها الذين آمنوا ببعض آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب الذى نزل عليه وهو القرآن، والكتب التى أنزلها من قبله والأنبياء كلهم، فان الايمان ببعض دون بعض لا يفيد، وكذا فى قصة عبد الله بن سلام، بل ذلك جهل وعناد، فان الايمان بكتاب واحد ورسول أو نبى واحد قد تضمن الايمان بالكل، فآل الأمر الى أنه من آمن ببعض الأنبياء أو بعض الرسل، أو بعض الكتب فى زعمه، غير مؤمن بذلك البعض الذى زعم أنه آمن به، لأن ذلك البعض يوجب الايمان بالكل.
وقال أولا: نزل بالتشديد، لأن التنزيل بتدريج والقرآن نزل كذلك شيئا فشيئا.
وقال ثانيا: أنزل بالهمزة، لأن غيره من الكتب نزل بمرة والانزال لغير التدريج، وقد يكون التنزيل فيما هو بمرة والانزال فيما بتدريج، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر ببناء نزل وأنزل للمفعول، والفاعل هو الله، كما أنه الفاعل فى قراءة الجمهور بالبناء للفاعل.
{وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}: رد من آمن ببعض وهو دليل على أن الكتاب الذى أنزل من قبل كتب الله كلها قبل القرآن، لأن هذا الكلام مقابل الكلام قبله، وقد ذكر الكتب هنا بصيغة الجمع، ودليل على ما ذكرت من أن الايمان بكتب الله يوجب الايمان برسله كلها، ولذا قال هنا: ورسله وكذا سائر أنبيائه، لأن كل كتاب يوجب ذلك، وكذا الملائكة كلهم يوجبها كل كتاب، وكل نبى، وقد عادت اليهود لعنهم الله عز وجل جبريل عليه السلام، ومعاداته هى كفر به عنادا، وقرىء وكتابه هنا أيضا بالافراد على الجنس، أو على أنه القرآن اذ تضمن الايمان به الايمان بغيره من الكتب.
{وَاليَوْمِ الآخِرِ}: وقد كفر به مشركو العرب وغيرهم من المشركين، وكفرت به النصارى اذ قالوا: تبعث الأرواح دون الأجساد، وأنكرته اليهود اذ قالوا بلا تأويل: انهم يخرجون من النار، والمراد ومن يكفر بشىء من ذلك، وحكمة التعبير بالواو مع ذلك لا بأو ما علمته من أن الكفر ببعض ذلك كفر بالكل، ولا سيما الكفر بالله جل وعلا، والله أعلم فلا حاجة أى دعوى أن الواو بمعنى أو كما جعل بعض العلماء بمعنى أو.
{فَقَدْ ضَلَّ}: عن الحق.
{ضَلالاً بَعِيداً}: بحيث يتعذر أو يتعسر الرجوع اليه.