التفاسير

< >
عرض

وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً
٢
-النساء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}: أى اعطوا اليتامى أموالهم وإيضاح ذلك ما ذكره الزمخشرى: "أنه نزلت فى رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع ماله إليه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنهُ يحل داره يعنى جنته، فلما قبض الصبى ماله أنفقه فى سبيل الله، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ثبت الأجر وبقى الوزر قالوا يا رسول الله قد عرفنا أنهُ ثبت الأجر، فكيف بقى الوزر؟ وهو ينفق ماله فى سبيل الله؟ فقال: ثبت أجر الغلام، وبقى الوزر على والده" .
والخطاب فى {آتوا} للأولياء، والأوصياء، واليتيم شرعاً من مات أبوه وهو فى بطن أمه، أو مات أبوه وهو غير بالغ، هو مشتق من اليتم وهو الانفراد، يقال: درة يتيمة، أى منفردة لا نظير لها، ومن مات أبوه فقد انفرد عن أبيه، ولو كان بالغاً فى لغة العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يتيم أبى طالب، إما لانفراده عن أبيه ولو كان رسول بلغ الأربعين، وإما لاعتبار ما كان عليه، وهو أنهُ كان طفلا مات أبوه، وقد كان فى البطن حين مات أبوه، ومن التسمية الشرعية، قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتم بعد بلوغ" أو لا يتم بعد الحلم، أى لا تجرى عليهِ أحكام الطفولية بعد بلوغ، وبعضها يجرى حتى يأنس رشده، وكذا تسميتهم فى الآية يتامى وهم بلغ، إما لأنهم قد كانوا يتامى، وإما لانفرادهم بحسب العلة، وإما على تقدير الشرط، أى: وآتوا اليتامى إذا بلغوا، أى: آتوا هؤلاء القوم الذين لم يبلغوا أموالهم إذا بغلوا لأن جسم الإنسان طفلا جسمه بالغاً، ووجه الوجه الأول: الحث على دفع أموالهم إليهم أول بلوغهم إن أنس رشدهم، وإنما جمع على يتامى، مع أم فعيلا لا يجمع على فعالى إذا كان صفة، لأن يتمياً، ولو كان بوزن فعيل، لكن قد تغلبت عليه الاسمية فلم يكن له حكم الصفة، ولذلك لا يذكر معه موصوف، وإذا ذكر فقد رجع به إلى الأصل، وفعيل إذا كان اسماً يجوز جمعه على فعالى، قياساً مطرداً، وأصله فعائل نحو: أفيل وأفائل، وهى صغار الإبل، كابن مخاض والأنثى أفيلة، وأصله يتائم كصحائف كقوله:

أطلال حسنى بالبراق اليتائم سلام على أحجار كنَّ القدائم

حسنى: علم امرأة أو صفة، والبراق: جمع برقة وهى الأرض التى فيها الحجارة السود، والبيض، وقدمت الميم على الهمزة، فرجعت الهمزة إلى ما كانت بدلا عنه، وهو الياء، وقد كسرت الميم لأنها فى مقام ما يكسر وهو تالى ألف مفاعل فتحت وقلبت الياء ألفاً، فصار يتامى. ويجوز أن يكون يتامى أصلا لا تقديم فيه، ولا تأخير، فيكون جمع يتمى بفتح الياء، وإسكان التاء، وفتح الميم بعدها ألف، ويتمى بهذا الضبط جمع يتيم كقتيل وقتلى، وفعيل الدال على آفة، ووجع يجمع على فعلى، إذا كان صفة، وهذا روعى فيه الوصفية الأصلية، فعل هذا يتامى جمع الجمع كأسير وأسرى وأسارى بفتح همزته وبضمها الذى تقرأ به، وقال ابن زيد الخطاب لمن لا يورث الصغار من العرب، فيكون المراد بأموالهم: ميراثهم.
{وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}: ولا تستبدلوا الحرام الذى هو مال اليتيم بالحلال، الذى هو مالكم، بأن تأكلوا مالهم بدل أكل مالكم وسواء ذلك بأكل من عنده مال اليتيم أباه. قاله الحسن، أو يترك توريثه، لكن يتكرر هذا التفسير مع قوله:
{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}: إلا أن يقال المراد بالاستبدال ترك مالهم، وأكل مال اليتيم، وبأكل مالهم إلى أموالكم: أكل كلا المالين، كما هو ظاهر الكلام، ويجوز أن يكون المعنى: لا تستبدلوا الفعل الخبيث، وهو أكل مال اليتامى، وتضييعها عنهم بالطيب، وهو حفظها بأن تتركوا الفعل الطيب، وتفعلوا الفعل الخبيث، ويجوز أن يكون المعنى: لا تستبدلوا المال الردىء من أموالكم، أو من أموال صديقكم أو من تركنون إليه بالمال الجيد من أموال اليتامى، كما روى أن أولياء اليتامى، وأوصياءهم أو من كان مالهم عنده كانوا يأخذون الجيد من أموال اليتامى، ويجعلون مكانه الردىء كأخذ الشاة السمينة من أموال اليتامى، وجعل المهزولة مكانها، وأخذ الدرهم الجيد وجعل المزيف مكانه، ثم يقولون: شاة بشاة، ودرهم بدرهم، ومثل أن يأخذ الرجل شاة سمينة من مال اليتيم، ويعطيها صديقه، ويجعل من مال صديقه شاة عجفاء فى مال اليتيم، وأن يكون فى ذمة صديقه شاة سمينة لليتيم، فيأخذ منه شاة عجفاء مكان السمينة، وهذا كلهُ قول سعيد ابن المسيب، والنخغى، والزهرى، والسدى، ولو توهم بعض العلماء أن قولهم مخصوص باستبدال الردىء من أموال أنفسهم بالجيد من أموال اليتامى وإن كون الردىء من مال الصديق والجيد من مال اليتيم، قول آخر، واعلم أن التبدل يتعدى إلى المأخوذ بنفسه، وإلى المتروك بالباء عكس التبديل، وأما الاستبدال فكالتبدل، وقد فسرنا التبدل بالاستبدال كتعجل واستعجل وتأخر واستاخر، ولذلك ضعف قول سعيد بن المسيب، لأن الطيب هو المأخوذ، وقد دخلت عليه الباء، وهى إنما تدخل على المتروك فى التبدل، فلو كان كما قال، لقيل لا تتبدلوا الطيب بالخبيث، والجواب أن ذلك غير لازم تدخل الباء على المأخوذ فى التبدل، وعلى المتروك فى التبديل، وإلى بمعنى مع، متعلق بتأكلوا، وعلى أصلها فتتعلق بمحذوف جوازاً، والمحذوق حال أى مضمومة إلى أموالكم، ومعنى كل من المعية والضم، أن يجمعها لفظ الأكل بأن يكون كل مأكول ولو اختلف وقت أكل كل، معنى الأكل التفويت للانتفاع، لأنفسهم أو غيرهم بالطعم أو للبس، أو قضاء الدين، أو غير ذلك، أو بالتضييع، فإنهم إذا ضيعوها فقد جمعوها مع أموالهم فى مطلق التفويت، فالأكل موضوع لتفويت مخصوص وهو الطعم، مستعمل فى كل تفويت لا يرجع نفعه لليتيم، وسواء فعلوا ذلك مجاناً وفعلوه فى أخذ العناء، بأن أخذوا أكثر مما يستحقون على تعينهم، أو مما صرفوا من أموالهم على اليتامى، جاء رجل إلى ابن عباس رضى الله عنهما فقال: إن لى يتيماً وأن له إبلا فأشرب من لبن إبله؟ فقال ابن عباس: إن كنت تبغى ضالة إبله أى تطلبها لتردها وتهنا جرباها، أى تطلبها بالقطران، وتلوط حوضها، وسقيها يوم وردها، فاشرب غير بنسل ولا ناهك فى الحلب، كما قال تعالى
{ فليأكل بالمعروف } }. {إِنَّهُ}: أى أن المذكور من تبدل الخبيث بالطيب، وأكل أموالهم إلى أموالكم هذا ما ظهر لى، ويجوز أن يعود الضمير إلى أكل أموالهم إلى أموالكم، وهو أقرب مذكور والأول فائدة، ولا يقع منه فهو أولى.
{كَانَ حُوباً كَبِيراً}: أى ذنباً كبيراً، كما قال بن عباس والحسن. ومنه قولهم: تجوب الرجل: أى اجتنب الحوب، أى الذنب كتحنث وتأثم وتجرح، أى اجتنب الحنث والإثم والجرح، وليس من ذلك النوع، كما قيل {تفكهون} لأن معناه تطلبون الفاكهة، وقيل: حوباً كبيراً، ذنباً عظيماً، وقرأ الحسن: حوباً بفتح الحاء وهو لغة تميم. وقرأ حابا بقلب الواو ألفاً والثلاثة مصدر حاب يحوب، أى أذنب.