التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً
٦٦
-النساء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَلَو أَنَّا كَتَبنَا عَلَيهِم أَنِ اقتُلُوا أَنفُسَكُم أَوِ اخرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنهُم}: فالقليل ثابت وعمر وابن مسعود وعمار وأبو بكر ونحوهم، وقد روى مالك أن أبا بكر قال مثلما قال ثابت.
قال ابن رشيد: لا شك أن أبا بكر من القليل المستثنى، ولا أحق بهذه الصفة منه، وتفسير القليل منهم بهؤلاء ونحوهم يدل أن الهاء فى {كَتَبنَا عَلَيهِم} عائدة الى الأمة بخلاف واو ويؤمنون، فانه للأمة وللذين يزعمون أنهم آمنوا.
وعن الزبير: لا أحسب أن قوله تعالى:
{ فلا وربك لا يؤمنون } الى { تسليما } نزل إلا فى وفى حاطب لشأن الشراج الحرة، وكانت أرض الزبير أولا تلى الوادى، وبعده أرض حاطب، فالزبير أولى بالماء حتى يتم السقى، والشراج: مسيل الماء والمفرد شرجة باسكان الراء، والحرة الأرض ذات الحجارة والجدر حائط الأرض، وكتبنا: فرضنا، وأن مفسرة لتقدم الجملة التى فيها معنى القول دون حروفه، وهى كتبنا، ومن أجل دخول أن المصدرية إلا من أجاز كونها مصدرية، والمصدر مفعول كتبنا، أى كتبنا عليهم القتل، ومعنى اقتلوا أنفسكم: جاهدوا فى سبيل الله، فان الجهاد سبب القتل، أو ليقتل كل واحد نفسه، وهذا أولى، لأن الذى يقل فاعله كما قال إلا قليل، وانما تخلص من التقاء الساكنين بضم نون وواو، أو اتباعا للتاء والراء، وإجراء لهما مجرى همزة الوصل من الأمر المضموم العين ضما لازما، وفى الواو شبه بواو الجمع فى نحو قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بكسر نون ان وضم الواو، وقرأ حمزة وعاصم بكسر النون والواو، والكسر على الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين، والهاء فى فعلوه عائدة الى القتل المأول به اقتلوا، على أن أن المصدرية، والمعلوم من اقتلوا على أن مفسرة، والى الخروج من اخرجوا كذلك، لأن اخرجوا معطوف على اقتلوا، وأفردت لتأويلهما بالعود، أى ما فعلوا القتل، لو كتب عليهم، ولا الخروج لو أمروا به، فهذا وجه اعتبارهما معا فى الضمير، مع أن العطف بأو، ويجوز أن يكون الافراد لمعنى أحدهما، أى ما فعلوا أحدهما لو أمروا به.
وقرأ ابن عامر: إلا قليلا بالنصب على الاستثناء، كما يدل عليه قراءة الجمهور بالرفع على الابدال، من واو فعلوه، فان المراد فى الرفع إلا ناس قليل وهم الراسخون فى ايمانهم، بخلاف ما لو جعلنا النصب على المفعولية مطلقة، فان المراد بالقليل حينئذ غير الناس، بل الفعل أى إلا فعلا قليلا، وكذا لو جعلناه على الظرفية، فان المراد به الزمان، أى إلا زمانا قليلا، ولكن هذا لا يصح إلا على أن المراد بالقتل الجهاد.
{وَلَو أَنَّهُم فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ}: من متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطوع والرغبة، لا بالقهر أو المداراة، وسمى التكليف وعظا لاقترانه بالوعد والوعيد.
{لَكَانَ}: بجعلهم له.
{خَيرًا}: أفضل مما هو حسن أيضا فى زعمهم، أو كان حسنا أو كان منفعة.
{لَهُم}: فى الدنيا والآخرة، ويدل للتفضيل فضل مناسبة قوله:
{وَأَشَدَّ تَثبِتًا}: فان فعلهم ذلك يثبتهم، لأنه يحصل لهم به علم، وينتفى به عنهم الشك، أو تثبيتهم عصمتهم من الشيطان، أو يثبت ثواب أعمالهم، واذا لم يفعلوا صح لهم تثبيت ثواب عملهم غير تثبيت أشد، لأنهم يثابون فى الدنيا حنيئذ.