التفاسير

< >
عرض

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
٧٣
-النساء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَلَئِن أَصَابَكُم فَضلٌ مِّنَ اللهِ}: كفتح وغنيمة وسائر المصالح المترتبة على غلبة المسلمين على الكافرين فى الدنيا.
{لِيَقُولَنَّ}: ليتأكدن قوله لشدة تحسرهم، والمحكى بالقول هو قوله: {يَا لَيتَنِى كُنتُ مَعَهُم} وجملة قوله:
{كَأَن لَّم تَكُن بَينَكُم وَبَينَهُ مَوَدَةٌ}: أى حب معترضة بين القول والمقول للتنبه على ضعف عقيدتهم، وذلك أنه من اعتبر ما يرى من أثر المودة الظاهرة بينهم وبين المسلمين، لا يظن به أنه يتخلف، فضلا عن أن يتحسر من تخلفه، وذلك أنه يكون منه المودة اما ظاهرة فقط، وفى الباطن البغض.
وأما ظاهره وباطنه لكن لم ترسخ على الاسلام، بل لغرض ما، فمن اعتبر المودة الظاهرة وسمعه يتحسر على الكون معهم تعجب، وقال: كيف لم تحضر معهم مع تلك المودة، وانما لا يحضر من لم تكن منه تلك المحبة والوصلة، أو أجيز أن يكون كأن لم يكن بينكم وبينه مودة حالا من المستتر فى يقول، وفيه ضعف، لأن فى كان المشددة والمخففة منها نوع انشاء، وأجيز أن يكون مقول لقول هو قوله: {كَأَن لَّم تَكُن} الى قوله: {عَظِيماً} وعليه فيكون على طريق الالتفات عن هذه الغيبة فى بنيه، ويقول الى التكلم فى قوله:
{يَا لَيتَنِى كُنتُ مَعَهُم}: فى الغزوة.
{فَأَفُوزَ فَوزًا عَظِيماً}: بنصيب وافر، كأنه قال: تحسرا كأنه لم تكن بينهم وبينى مودة حتى أنى لم أحضر، يا ليتنى كنت حاضرا معهم. فأفوز فوزا عظيما، وهذا على ردها بينه الى ما رد اليه ضمير يقول: وهو المبطىء، والخطاب للمسلمين.
ويجوز أن يكون مقول القول قوله: {كَأَن لَّم يَكُن } الى قوله: {عَظِيماً} كما مر، لكن على أن الخاطاب فى بينكم من المبطىء لأصحابه.
والهاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم أى ليقولن لأصحابه المنافقين: كيف لم تخرجوا للقتال، كأنه لم يكن بينكم وبين محمد مودة، يا ليتنى الخ.
وكان الحق أن نخرج معه او ليقولن لأصحابه ومن ضعف ايمانه: انظروا كيف أهانكم محمد، ولم يستغن بكم على القتال فتفوزوا بما فازوا، كأنه لم تكن بينكم وبينه مودة، يا ليتنى الى آخره، وهذا إغراء بالفتنة.
وعن الزجاج: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة معترض متصل بقوله:
{ فان أصابتكم مصيبة } أى فان أصابتكم مصيبة وحدكم، ولم يكونوا معكم، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، فالجملة حال معترضة، وهو ضعيف، لأنه لم تتصل بالمفعول أو المفعول عنه من حيث الاعراب، لم يتصل به فى شىء من حيث المعنى.
وقرأ الحسن بضم لام يقولن المتصل بالنون على تقدير واو الجمع بعدها، عائدة الى معنى بعد مراعاة لفظها، وهذه القراءة مرجوحة، لأنه قد روعى أيضا لفضهما بعد ما راعى معناها، وانما ينبغى اذا روعى معنى من أو ما أو نحوهما، أن لا يراعى لفظها بعد، وكان مخففة واسمها ضمير الشأن هذا هو المشهور المذكور عن المصريين، وأجاز بعض النحاة تقدير اسمها غير ضمير الشأن، بل ضمير غيره مثل ضمير القائل هنا، والصحيح أن لا تعمل فى ظاهر أو ضمير غير الشأن إلا فى ضرورة، والكوفيين يهملونه اذا خففت.
وقرأ ابن كثير وعاصم من رواية حفص عنه ويعقوب، من رواية رويس عنه: تكن بالمثناة فوق، ويا حرف تنبيه، وقيل حرف نداء، وعليه فالمنادى محذوف أى يا قوم، ونصب أفوز فى جواب التمنى وقرىء برفعه على الاستئناف على أن الفاء تكون له بلا تقدير مبتدأ، أو بتقديره أى فأنا أفوز، أو على العطف على كنت معهم وعلى النصب، فمصدر أفوز غير الملفوظ به معطوف على مصدر مقدر مما قبلها مرفوعا أو منصوبا أو مخفوضا أى تمنيت الكون معهم، فالفوز أوليت لى كونا معهم، فالفوز أو يا ليتنى كان لى كون معهم، فالفوز أو يا ليتنى تحصلت على الكون معهم، فالفوز كذا سائر النصب فى الجواب.