التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
١
-المائدة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ}: العقد العهد المؤكد، وهو ما عقد الله جل وعلا على المكلف من فعل الواجب، وترك الحرام، وما عقد الانسان على نفسه من نذر ويمين، وما عقد من بيع ونحوه، ونكاح ومبايعة امام.
والوعد وان أخرنا استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، أو اعتبرنا عموم المجاز، أو قيل: الأمر مشترك بين الوجوب والندب، حملنا العقود على ما يعم المندوب إليه.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما: العقود ما أوجب الله فى القرآن احرم وصحيح لدلالة ذكر احلال بهيمة الأنعام، وقيل: ما يعقده الناس بينهم، وما يعقده الانسان على نفسه، وقيل: ما كان من حلف الجاهلية على المناصرة على من ظلمهم، أبقاه الله بعد الاسلام.
قال قتادة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا فى الاسلام " ويقال: ما كان من عقد فى الجاهلية فان الاسلام لا يزيده الا شدة، ولا حلف فى الاسلام، والحلف فى الاسلام لا يزيده الاسلام الا ذلا، وأنه من تعزز بمعاصى الله أذله الله، وقد نسخ ما نسخ من حلف كقوله تعالى: { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } على ما مر فيه، والخطاب فى ذلك كله للمؤمنين، وقيل: الخطاب لأهل الكتاب الذين زعموا أنهم آمنوا بما قبل القرآن من كتب الله، أمرهم الله أن يؤمنوا بما عند الله لمحمد فى القرآن، وبالقرآن كله كما قال بن شهاب: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه الى نجران، وهم من نصارى العرب، وفى صدره: " هذا بيان من الله ورسوله {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ} الى قوله: {ان الله سريع الحساب} " .
واختار بعضهم تعميم الأيمان فى الآية لكل أيمان، وان لم يكن فى الباطل، وتعميم العقود فى كل ربط بقول موافق للحق والشرع.
{أُحِلَّت لَكُم بَهِيمَةُ الأنعَامِ}: كل حى يميز يسمى بهيمة من استبهم الأمر اذا خفى، لأنه لا يعلم ما عندها الا بعض منه على ظنُ، وقيل: البهيمة ذات الأربع، وأضيفت الأنعام لبيان البهيمة المحلة، أو للتبعيض، والمراد الأزواج الثمانية المذكورة فى سورة الأنعام، وذكر احلالها بيان للعقود بذكر بعضها، وألحق بالأنعام الظبى وبقر الوحش، لأنها تجتر ولا ناب لها، وهذا قول الحسن وقتادة.
وقال الكلبى: بهيمة الأنعام الوحش الذى لا ناب له كالظبى وبقر الوحش وحمر الوحش، أى أحلت لكم البهيمة الشبيهة بالأنعام، فتكون الاضافة من اضافة المشبه للمشبه به.
وقال ابن عباس: بهيمة الأنعام الجنين فى البطن، تذبح أمه أو تنحر، وأخذ بذنب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام، قال صلى الله عليه وسلم:
" ذكاة الجنين ذكاة أمه " رواه أبو سعيد، وفى رواية عنه: "قلنا: يا رسول تنحر الناقة وتذبح البقرة والشاة ونجد فى بطنها الجنين أنتلفه أم نأكله؟ قال: كلوه ان شئتم فان ذكاته ذكاة أمه" .
وعن ابن عمر: بهيمة الأنعام ما فى بطنها، قال عطية العوفى لابن عمر: أآكله ان خرج ميتا؟ قال: نعم هو وبمنزلة رئتها وكبدها، وبسطت هذا فى شرح النيل.
{إِلا مَا يُتلَى عَلَيكُم}: بعد هذا فى هذه السورة من الميتة والدم وما معهما، فانها محرمة لكن المحرم ذات الميتة وما معها، والمتلو اللفظ فيقدر مضاف، أى الا حرم ما يتلى عليكم بفتح الراء، أو الا ما يتلى عليكم تحريمه، والاستثناء متصل بتقدير المضاف، وموت الدابة لا يخرجها عن اسم البهيمة كما تقول: ذلك انسان ميت نعم الاتصال باعتبار الغالب، لأن بهيمة الأنعام لا يشمل الدم، وقد يمتنع دخول لحم الخنزير باسم البهيمة، لأنه ذكر لحمه ولم يقل: والخنزير، ولو كان كله محرما، وان لم تقدر المضاف كان الاستثناء منفصلا.
{غَيرَ مُحِلِّى الصَّيدِ وَأَنتُم حُرُمٌ}: غير هو حال من كاف لكم، وجملة أنتم حرم حال من المستتر فى محلى، وانما صح تقييد احلال الله لنا بحال كوننا غير محلى الصيد، لأنا كلما ذكيناها حلت لنا الا فى حال تذكيتنا إياها مع كونها صيدا صدناها فى حال احرامنا، فانها فى تلك الحال لم يحلها الله لنا، ثم رأيت للقاضى ذلك الوجه، وزاد أنه قيل: غير هو حال من واو أوفوا، وهو قول الأخفش، ولكن لم يرضه اذ حكاه بصيغة التعريض، ولعله للفصل.
وأما باعتبار فيهم عدم وجوب الايفاء بالعقود اذا لم يحلوا الصيد، فلا يصح التعريض به، لأنه لا يلزم هذا المفهوم، اذ قد تجب الحال بوجوب عاملها، تقول: جىء راكبا بمعنى لا بد أن تجىء، ولا بد أن يكون مجيئك بركوب، فكذلك أوجب الله علينا الايفاء بالعقود، وأن لا نحل الصيد والحال أنا محرمون، وقوله: {غَيرَ مُحِلِّى الصَّيدِ} مع قوله: {إِلا مَا يُتلَى عَلَيكُم} يدل على أن المراد بهيمة الأنعام جميع الدواب الا ما استثنى، وألحق الطائر بهيمة الأنعام، واستثنت السنة ذا الناب من السباع، وذا المخلب من الطير، وبسطته فى الفقه، وسترى ما يسر الله فى سورة الأنعام ان يسر.
ومعنى احلال، أن تفعل به ما يفعل بالحلال، وهو: الامساك والذبح، أو نوع من التذكية مع أنه لا يحل لنا ذلك لأنا محرمون بالحج أو العمرة أو بهما، أو داخلون فى الحرم، ولو لم نحرم بهما أو بأحدهما، والمفرد حرام بمعنى محرم بذلك، أو داخل الحرام، ومحلى جمع مذكر سالم حذفت نونه للاضافة، والصيد بمعنى الوحش المصيد أو الاصطياد، ولا يجوز أن يكون غير محلى الصيد الاستثناء من بهيمة الأنعام، لأن لفظ بهيمة الأنعام لا يشمل الناس المحلين للصيد.
{إِنَّ اللهَ يَحكُمُ مَا يُريدُ}: عدى يحكم لأنه بمعنى يثبت ويتقن اذا أراد شيئا من تحليل أو تحريم أثبته وأتقنه، ولا يعارضه أحد ذكر النفاس فى تفسيره: أن أصحاب الكندى يعنى وهم من الفلاسفة قالوا للكندى: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل لكم مثل بعض، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، انى فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فيها، فاذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته فى سطرين، ولا يستطيع أحد أن يأتى بهذا الا فى اجلاد.