التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
١٠٤
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥
-المائدة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوآ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوْ لَوْ كَانَ أَبَآؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ0 يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ}: الزموا أنفسكم بالمحافظة على دينه، وترك معصيته، فعليكم اسم فعل ناصب لأنفسكم على المفعولية، وقرىء بالرفع على الابتداء، وعليكم خبره، وليس باسم فعل، ونسب لنافع والصحيح عنه النصب.
{لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم}: نهيتموه عن ضلاله فحينئذ تقولون: لا تزر وازرة وز أخرى، والنهى على قدر الطاقة هو من جملة الاهتداء، فمن لم ينه الضال عن ضلاله وقد قدر فليس بمهتد فهو تضره ضلالة الضال من حيث انها كانت سبباً لهلاكه اذ لم ينه عنها، فالآية موجبة للنهى عن المنكر، مؤكدة له أبلغ تأكيد، لأنها أفادت أن من ينه عن المنكر غير مهتد فهو ضال كضلالة فاعل ذلك المنكر، فهو معدود من جملة هؤلاء الضالين، اذ لا يشك أن النهى عن المنكر اهتداء واجب.
قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: أيها الناس انكم تقرءون هذه الآية: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم} وانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول:
" ان الناس اذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه اذا قدروا أن يغيروا ولم يغيروا " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً واستطاع أن يغير بيده فليغيره بيده، وان لم يستطع فبلسانه، وان لم يستطع فبقلبه " .
ويجب الأمر والنهى لأهل ديننا وللمشركين، لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كأصولها، نعم قيل: لا يجب الأمر والنهى اذا لم يرج القبول، وقيل: لا يجب علينا الأمر والنهى للمشركين، وقيل أيضا: لا يجب علينا أمر المخالفين ونهيهم فيما أخذوه ديناً، ومثله ما ذهبوا اليه مذهباً أو قد فسر الحسن الآية بأن المعنى يا أيها الذين آمنوا الزموا أهل دينكم يأمر بعضكم بعضا بالمعروف، ونهيه عن المنكر والمكروه، ولا يضركم ضلالة من ضل، وهم المشركون اذا اهتديتم، ومثله ما قال سعيد بن جبير: نزلت فى أهل الكتاب، وقال الحسن: ان الآية أوكد آية فى وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما مر فى التفسير الأول، لكنه فسر أنفسكم بأهل دينكم، والملازمة بالأمر والنهى، فيبقى اذا اهتديتم، اما أن يفسره بالأمر والنهى أيضا أى ائتمروا وتناهوا لا يضركم من ضل اذا ائتمرتم وتناهيتم، واما أن يفسره بأنهم قد توهم من ضعف أن ضلال من ضل آباؤه وأقاربه أو أصحابه يضره، فنفى الله جل وعلا ذلك كما قيل: ان المؤمنين كانوا يتحسرون على الكافرين، ويتمنون ايمانهم.
وكما قيل كان الرجل ليسلم فيقال له: سفهت آباءك وضللتهم، وكان ينبغى أن تنصرهم فنزلت الآية، وبهذا قال ابن زيد، وقيل: لا يضركم من ضل اذا اهتديتم هى فى معنى اهتداء المرء فى نفسه، وفى عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لكن شرط عدم القدرة على الأمر والنهى وهو مشكل، لأنه يوهم أنه ان لم يهتد ضره ضلال من ضل، ولو لم يقدر عليهما، وليس كذلك فانه اذا لم يقدر انما يضره عدم اهتدائه فى نفسه لاضلال غيره، ولا يدل على هذا التفسير قوله صلى الله عليه وسلم:
" "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى اذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة، واعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام فان من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم
فقال رجل: يا رسول الله أو خمسين منهم؟ قال: لا بل خمسين منكم"
لأن هذا الحديث صالح لما فسرت الآية أولا أيضا ومثله قول ابن مسعود رضى الله عنه امروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: ان القرآن نزل منه أى قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، أى نزلن فى أمر مضى ومنه، أى وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه أى قد وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه، أى يقع تأويلهن فى آخر الزمان ومنه، أى وقع تأويلهن يوم القيامة وهو من ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فاذا اختلفت قلوبكم وأهواؤكم، ولبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فيأمر نفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.
ومثله ما قيل لابن عمر: لو جلست فى هذه الأيام فلم تأمر، ولم تنه، فان الله يقول: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم} فقال ابن عمر: ليست لى ولا لأصحابى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ألا ليبلغ الشاهد الغائب " فكنا نحن الشهود، وأنت الغائب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ان قالوا: لم يقبل منهم.
ومثل ذلك ما روى أن الحسن قرأ هذه الآية بحضرة ابن مسعود فقال: اللهم لك الحمد عليها وعلى أشباهها، فقال ابن مسعود: قولوها ما قبلت منكم، فاذا ردت فعليكم أنفسكم، وما روى أن شيخاً من أهل دمشق قال: كنا قعوداً بالحلبية فى مجلس فيه كعب وأبو الدرداء، فجاءهم رجل فسلم فجلس، فقال: ان رأيت أمراً فكرهته لله فخائف أن تعاقب وتنكل. فقال رجل من القوم: اقبل عليك ودع الناس عنك ان الله قال فى كتابه: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم} فقال كعب رضى الله عنه: لا تطعه ذب عن محارمك ذب عن دينك حتى يقع تأويل هذه الآية، فقال أبو الدرداء: متى يقع تأويلها؟ قال: اذا بنيت كنيسة دمشق.
ويضر مرفوع مستأنف مع لا النافية قبله، ويدل لذلك قراءة أبى حيوة: لا يضركم من ضار يضير بمعنى ضر، اذا لو جزم فى قراءة أبى حيوة لسكنت الراء فلحذفت الياء للساكن بعدها، وأجيز أن يكون مجزوماً فى جواب اسم الفعل، وهو قول مجيز الجزم فى جواب اسم الفعل الطلبى، ولو لم يكن فيه لفظ الفعل، أى ان ألزمتم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم، ولا فى الوجهين نافية، وأجيز أن تكون ناهية وتضم مجزوماً، وضم الراء تخلصاً من التقاء الساكنين.
وكان من التخلص بالضم تبعاً لضم الضاد، وتدل له قراءة من قرأ: لا تضركم فتح الراء فانه مجزوم قطعاً، والفتح تخلص من التقاء ساكنين تخلص به لخفته، ولولا أنه مجزوم لضمت الراء، ولو ضم لاحتمل كما مر، ولما فتح تعين الجزم وبدل للجزم أيضاً قراءة من قرأ لا يضركم بكسر الضاد واسكان الراء وقراءة من قرأ لا يضركم بضم الراء واسكان الراء من ضار يضور بمعنى ضر يضر كضارة يضير.
{إِلَى اللهَ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}: حال من الكاف، لأن المضاف الى الكاف مصدر، والمصدر يدل على الحدث، وصالح للعامل، فلم يضر مجىء الحال من المضاف اليه المبتدأ لصحة تقييد عامل صاحب الحال هنا بالحال لدلالته على الحديث، لا كمثل زيد مما لا يدل على الحديث، أو معنى الفعل اذا وقع مبتدأ لا يجىء الحال منه، ولا مما أضيف اليه على المشهور.
{فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ}: وعد ووعيد للفريقين، فللمؤمن المهتدى وعد، وللضال وعيد، ومن بصر الله قلبه لا يعد ذنبه غائبا لا يرجع، أو ينسى فانه ولو غاب عن قلبه فهو محفوظ عند الله سيحضر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أيها الناس انكم تعملون أعمالا تغرب الى يوم القيامة (أى تغيب) ووشك للعوازب أن تئوب الى أهلها فمسرور بها ومكظوم " فالعمل كشاة غربت عن البيت ثم ترجع اليه.
وعن بعض الزهاد ما من يوم الا ويجىء الشيطان فيقول: ما تأكل وما تلبس وأين تسكن؟ فأقول آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.