التفاسير

< >
عرض

إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٤
-المائدة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِم}: من المحاربين.
{فَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: غفور رحيم لهم لا تقتلوهم ولا تصلبوهم، ولا تقطعوا أيديهم وأرجلهم، ولا تنفوهم.
قال عمروسرحمه الله : ان جاء المحارب تائباً قبل أن يقدر عليه هدر عنه ما أصاب فى محاربته ان كان عليه مشركاً، ولا يهدر عن أحد من أهل الاقرار ما أصابه فى محاربته، فان طلبه الامام فامتنع فهو باغ لا يقارب ولا يترك حتى يسلم لحكم الله، ويقاتل على امتناعه، فأصاب فى امتناعه من الأنفس وما دونها من الجراحات يهدر عنه، ولا يؤخذ به، لأنه لا قصاص بينه وبين المسلمين، لا يقيدوه من أنفسهم فيما أصابوا منه، واذا نزل قوم منزلة لا نعطيهم معها القصاص من أنفسنا فيما أصبنا منهم، فكذلك لا نأخذهم بما أصابوا منا، ولا يستقيم أن يستحل قوما فنأخذ منهم القصاص، ولا نعطيهم مثل ذلك من أنفسنا انتهى.
وقال الشافعى ومالك: يؤخذ المقر فيما فعل من قتل وجرح وضرب وأخذ مال، اذا تاب قبل أن يقدر عليه، وأمر ذلك الى الولى وصاحب المال والحق، فان شاء عفى، فان عفى فلا يعاقب عقاب المحارب القاطع للطريق، لأن هذا العقاب ساقط بتوبته قبل القدرة عليه.
وزعموا أن الحارث بن بدر جاء تائبا بعد ما كان يقطع الطريق، فقبل علىّ توبته، وجاء رجل من مراد الى أبى موسى الأشعرى وهو على الكوفة فى خلافة عثمان بعد ما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادى، كنت قد حاربت الله ورسوله، وسعيت فى الأرض فساداً، وانى تبت قبل أن يقدر علىَّ فقام أبو موسى فقال: هذا فلان المرادى، وأنه قد حارب الله ورسوله وسعى فى الأرض فساداً، وأنه قد تاب من قبل أن يقدر عليه، فلا يتعرض له أحد الا بخير.
وقال السدى: اذا تاب الموحد لم يطلب بشىء الا ان وجد عنده مال بعينه أصابه، فانه يرده، وانما هدر عن الشرك جميع ما فعل ان تاب قبل القدرة جلباً للاسلام، واختلفوا ان تاب وآمن بعد القدرة فقيل: يؤخذ بكل ما فعل للشرط فى الآية، وقيل لا اذ الاسلام جب لما قبله، وان تاب الموحد بعد القدرة فقيل لظاهر الآية يحكم عليه بحكم الآية، وقيل تقام عليه الحدود.
وقال الشافعى: ويحتمل أن يسقط عنه كل شىء بالتوبة، وليس كذلك لقوله تعالى: {مِن قَبلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِم} وان تاب المشرك قبل القدرة ولم يسلم غرم ما أخذ من المال فقط، وان تاب بعدها ولم يؤمن أخذ بحكم الآية، وقيل بالحد والغرم فقط.