التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ
٤٠
-الأنعام

هميان الزاد إلى دار المعاد

{قُلْ أرأيتُكم} أخبرونى أيها الكفرة العبدة الأصنام، وذلك أن الرؤية أو العلم بالشئ سبب للإخبار الاستفهامى، والكاف حرف خطاب أكدت به التاء، والميم هى التى تتصل بالتاء فى نحو: ضربتم، لكن فصلت بينهما الكاف، وليست بالتى تتصل بالكاف فى نحو ضربكم، فالفاعل التاء، والميم علامة على أن المراد بها الجماعة، والكاف تأكيد للخطاب بها والفصل بها، مما يدل على أن الفاعل فى نحو ضربتم هو التاء وحدها ولواحقها علامات على المراد إذ لا يفصل بعض الضمير ولم تؤخر الكاف لئلا يكون اللفظ على صيغة غير واردة، ولم تقدم لأن المؤكد بعد المؤكد، ولأنه بصيغة ضمير النصب وهو لا يسبق فى الاتصال ضمير الرفع، وأصل هذه التاء الضم، لأنها التى تتصل مع الميم الشبيهة بالواو التى تناسب الضم فى نحو: ضربتم، ولكن لما فصلت بالكاف رجعت لأصلها الأول وهو الفتح، لأنها للخطاب، هذا ما ظهر لى فى تحقيق المقام.
وظهر لى وجه آخر هو أن التاء فاعل كما فى الوجه الأول المراد به الجماعة كما فى الوجه الأول، لكن ليست الميم لها، بل للكاف كميم ذلكم، استغنى بهما إذ كان الكاف للخطاب، والميم حرف للجماعة جماعة الذكور، لعدم حرف علامة الإناث عما يلحق التاء من الميم فى نحو: ضربتم، والكاف أيضا فى هذا الوجه حرف خطاب، وقال الكوفيون: الكاف مفعول به، والميم له لا للتاء، ويرده أنه يقال: أرأيتك زيداً ما شأنه، أو أرأيت زيداً قائماً، فيلزم أن يتعدى رأى إلى مفاعيل ثلاثة بلا همزة للاستفهام، ولأنه لو كان كذلك لقيل أرأيتموكم، وقد ذكر غير هذا البحث فى سورة الأسرى أو غيرها، والهمزة بعد الراء مسهلة فى أرأيتم، أو رأيت وأرأيتم وأفرأيتم ونحو ذلك مما فيه قبل الراء همزة عند نافع، ومحذوفة عند الكسائى، ومحققة عند حمزة والباقين إلا أن حمزة يسهلها فى الوقف.
{إنْ أتاكُم عذابُ الله} كما أتى غيركم ممن كان قبلكم كالغرق والمسخ، والخسف والريح والصيحة، وكالضر الذى يصيب، كغرق السفينة، وهجوم القدم والمرض، وجواب إن محذوف دل عليه أرأيتكم، وجملة أغير الله تدعون مفعول به برأيتم منعتها عن العمل، وإنما نصب أرأيتكم المفعول وهو الجملة، مع أنه بمعنى أخبرونا، لأن فيه معنى أعلمونا، وباب العلم والظن ينصب الجملة ويعلق عنها بالاستفهام مثلا أودع عنك معنى أخبرونا، وقد بمعنى أعلمتم بفتح العين بعد همزة الاستفهام، والمفعول لجملة كذلك، وقامت مقام مفعولين، أو قل مفعولاه محذوفان، أى أرأيتكم آلهتكم تنفعكم، أى هل علمتم آلهتكم تنفعكم
{أو أتتكم السَّاعة} يوم القيامة، وإذا لم تجعل قوله عز وجل {أغير اللهِ} الاستفهام للإنكار {تدْعُون} مفعولا لرأيتكم فهو مستأنف أغنى عن جواب قوله: {إنْ كُنتُم صَادقِينَ} وإذا جعلناه مفعولا لرأيتكم فمجموع {أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون} مغن عن جوابه، وغير مفعول لتدعون على كل حال، والمعنى إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تقربكم إلى الله أو فى إن الأصنام تنفعكم، وقيل: جواب إن محذوف تقديره إن كنتم صادقين فادعوه، أى فادعوا غير الله.