التفاسير

< >
عرض

أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ
٩٠
-الأنعام

هميان الزاد إلى دار المعاد

{أولئكَ الَّذينَ هَدَى اللهُ} إلى دينه، وهم هؤلاء الأنبياء، والجملة مبتدأ وخبر {فَبهدَاهم} لا بغيره {اقْتَدِه} بهداهم متعلق باقتده قدم للحصر، ولطريق العرب فى التقديم للاهتمام، أى تمسك بهداهم واتبعه، والمراد بهداهم التوحيد وأصول الدين، وما لا يختلف فى الأمم، وليس ذلك أمراً بتقليدهم فضلا عن أن يدل ذلك على أنه أفضل، بل قد أمره الله فى القرآن بالتوحيد وأصول الدين، وما لا يختلف، فقال: اتبع ما أمرتك به فإنه الذى هدينا به من قبلك، والعامل بالدليل، لا يسمى مقلداً، ولو وافق غيره، ولو كان الدليل عقلياً.
بل أقول: الآية دليل على فضله صلى الله عليه وسلم بأن يكون المراد بهداهم كلّ ما فيه من التوحيد وأصول الدين، وما لا يختلف، وما فيهم من الخصال الحميدة كشكر نوح وداود وسليمان ويوسف على النعم، وصبر أيوب ويوسف على البلاء، وزهد زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وصدق إسماعيل، والمداومة على الاحتجاج كموسى وهارون بمعجزاتهما، وتضرع يونس، وإذا أمره الله بأن يتخلق بهذه الخصال فلا بدّ أن يكون قد امتثل، وإذا امتثل فقد اجتمع فيه ما فيهم، فإذا اجتمتع فيه ما فيهم، كان أفضلهم، والهاء للوقف، وليست ضميراً أثبتها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم، عن أبى بكر فى الوصل أيضا إجراء له مجرى الوقف، وسكنوها وقفا ووصلا، وإنما أثبتوها فى الوصل لأنها مكتوبة فى الصحف، فكرهوا مخالفته وأثبتها حمزة والكسائى فى الوقف، وأسقطاها وصلا، كما هو شأن الوقف، ويريانها كهمزة الوصل تكتب ولا تقرأ إلا إذا وقف على ما قبلها، وكالمحذوف من الآخر لساكن قبله إذا كتب ألفا أو واواً أو ياء، فإنه يكتب ولا يقرأ إلا إذا وقف عليه.
وجعلها ابن عامر ضميراً مفعولاً مطلقا، وأثبتها وصلا ووقفاً وأشبعها بياء أعنى مدها مداً طبعياً، وذلك فى رواية ابن ذكوان، وكسرها هشام عن ابن عامر باختلاس، والمعنى عند ابن عامر اقتد اقتداء برد الهاء إلى المصدر المعلوم من اقتد، ولا يخفى أن هذا بعيد، ولو ورد كثير رد الضمير إلى المصدر المدلول عليه بالفعل لكن يجئ من كلام العرب رد الضمير إلى المصدر المفهوم من الفعل الذى عمل فيه، بحيث يسلم، بل ورد على غير هذه الطريقة كقوله تعالى:
{ اعدلوا هو أقرب للتقوى } وكما ذكر سيبويه: من كذب كان شراً له، وقد خطأ مجاهد وقال: إن هذه هاء وقف لا تحرك بحال، وإنما تذكر لتظهر حركة ما قبلها.
واستدل بعض بهذه الآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما لم ينسخ، وقد تقدم فى قوله تعالى:
{ أن النفس بالنفس } الكلام فى ذلك، وأن قوما من أصحابنا اختاروا أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما نسخ وهو الصحيح ولو شهر خلافه، وإذا علمت أن الخلاف فى المذهب فليحمل كلام أصحابنا الدال على أنه شرع لنا على ظاهره، كقول الشيخ عامررحمه الله فى الاستدلال على ثبوت الإجارة بقوله تعالى: { إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى } وهذا فى مطلق الدلالة على مطلق الإجارة، ولو كان أصحابنا لا يجيزون الصداق بالتمنى، وكما استدل الشيخ إسماعيل بقوله تعالى: { فبعث الله غراباً } الآية، وكما قال فى السؤالات.
قال أبو الربيع، عن أبى محمد عبد الله بن محمد: أول من رمى العُرة للأرض إدريس صلى الله عليه وسلم وهو رد على الشكاك، أى لإصلاح الأرض للحرث، وكما قال فى الوضع: جاء رجل إلى ابن عباس رضى الله عنه فسأله عن الصيام فقال له ابن عباس: إنى لأحدثك بحديث كان عندى من القُحُف المخزونة:
"إن كنت تريد صيام داود عليه السلام فإنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" إلخ، فجعل شرع من قبلنا شرعاً لنا، إذ جعل استحباب جملة من الأنبياء صوماً مخصوصاً شرعاً مستحباً، ومن ذلك كل ما ذكر أصحابنا فى الفروع أنهُ كان نبى من الأنبياء يفعله أو يتركه، ولم يكن فى القرآن ولا فى السنة، أو ذكر فى السنة عمن يقدم من الأنبياء من واجب أو مندوب إليه، أو محرم أو مكروه، فإنهم رحمهم الله إنما يذكرونه لنعمل به، واختار ابن السبكى من الشافعية الوقف قبل النبوة والمنع بعدها إذ قال: اختلفوا هل كان المصطفى صلى الله عليه وسلم متعبداً قبل النبوة والمنع بعدها إذ قال: اختلفوا هل كان المصطفى صلى الله عليه وسلم متعبداً قبل النبوة بشرع؟ واختلف المثبت قال المحلى: فقد فقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: ما ثبت أنهُ شرع من غير تعيين.
وهذه أقوال مرجعها التاريخ والمختار كما قاله كثير هو الوقف تأصيلا عن النفى والإثبات، وتفريعاً على الإثبات عن تعيين قول من أقواله، والمختار بعد النبوة المنع من تعبده بشرع من قبله، لأن له شرعاً يخصه، وقيل: تعبد بما لم ينسخ من شرع ما قبله استصحاباً لتعبده به قبل النبوة، وأراد بالتاريخ اسم كتاب للطبرانى ومختار المالكية أنهُ شرع لنا، إلا إن ورد ما يخالفه.
{قُلْ} يا محمد للكفرة {لا أسألكُم عليه} أى على التبليغ أو القرآن وكلاهما يعلم من المقام والحال {أجراً} أجرة كما لو يسألها الأنبياء الذين أمرت بالاقتداء بهم من أممهم على التبليغ، ولا على كتاب لمن أنزل عليه أو فسره، وكل الأنبياء كذلك، فإنى أمرت بالاقتداء بهم فلا أسألها كما لم يسألوها {إنْ هُو} أى ما القرآن أو التبليغ أو غرضى فى التبليغ {إلا ذِكْرى} تذكيراً وموعظة {للعَالمينَ} الإنس والجن كلهم.